هزيمتان لأمريكا في البحر الأحمر: الدرس الكبير من عمليتي “حارس الازدهار” و”الراكب الخشن”

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 مايو 2026مـ – 20 ذو القعدة 1447هـ

تقريــر || عباس القاعدي

تمثل هزيمة الولايات المتحدة في البحر الأحمر واحدة من أكثر الإخفاقات البحرية تأثيراً في التاريخ المعاصر، حيث انكسرت واشنطن مرتين أمام الإرادة اليمنية.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن عملية “حارس الازدهار” التي انطلقت في عهد الرئيس الأمريكي بايدن في 19 ديسمبر 2023م حققت فشلاً كبيراً في تحقيق هدفها المتمثل في حماية ملاحة كيان العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، وهو الفشل ذاته الذي حققه ترمب في عملية “الراكب الخشن” التي انطلقت في 15 مارس 2015م واستمرت حتى 6 مايو من العام ذاته، واضطر ترمب للتوسل بسلطنة عمان للتوقيع على اتفاق مع صنعاء لإنهاء العدوان على اليمن مقابل إيقاف استهداف السفن الأمريكية دون أن يشمل الاتفاق كيان العدو الإسرائيلي.

وعندما وصل ترمب إلى السلطة، وتجدد العدوان الصهيوني مرة أخرى على قطاع غزة، واصل اليمن فرض حصاره الخانق على كيان العدو، وحينها تجدد العدوان الأمريكي على اليمن في 15 مارس 2015م واستمر حتى 6 مايو 2025م في عملية أطلقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية مسمى “الراكب الخشن” وانتهت بهزيمة ساحقة للأمريكيين.

وانطلقت الولايات المتحدة في العمليتين لتحقيق عدة أهداف من أبرزها حماية ملاحة كيان العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، وإيقاف العمليات اليمنية المساندة لغزة، وتدمير القدرات العسكرية اليمنية من صواريخ ومسيرات ورادارات، وغيرها، إضافة إلى استعادة صورة الردع الأمريكي التي تهشمت خلال فترة الرئيس بايدن.

واستخدمت القوات الأمريكية في العمليتين حاملات طائرات، وطائرات شبح من نوعB2لأول مرة، مع قاذفات استراتيجية، وغارات جوية وبحرية واسعة النطاق استهدفت ثلاث محافظات رئيسية (الحديدة، صنعاء، صعدة)، وارتقى وأصيب مئات المدنيين اليمنيين خلال الغارات الإجرامية.

ومع ذلك، حافظ اليمن على هدفه الرئيسي المتمثل في إسناد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومنع مرور سفن العدو الإسرائيلي من المرور في البحر الأحمر، وكذلك منع أي سفن تتجه نحو ميناء أم الرشراش [ايلات] جنوبي فلسطين المحتلة، وتمكنت اليمن من استيعاب الضربات، واستخدام الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة في الرد على العدوان، كما كانت حاملات الطائرات في مرمى الاستهداف لأول مرة في تاريخ القوات البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.

وحقق اليمن العديد من الإنجازات في هذه المواجهة، من أبرزها:

• بقاء الحصار البحري على الكيان الإسرائيلي قائماً.

• عدم رفع الحظر عن السفن المرتبطة بالعدو.

• استمرار ضرب الأهداف الحساسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

• فرض معادلة جديدة: أمريكا هي من تطلب الخروج وليس اليمن من يطلب وقفاً.

مفاجأة كبيرة للكيان المؤقت

وفوجئ الكيان الصهيوني بالهروب الأمريكي المذل وعدم الاستمرار في المناصرة، فالاتفاق الذي أعلنه ترامب لم يشمل حماية ملاحة كيان العدو، وهذا يعني أن واشنطن انسحبت من التزاماتها الأساسية تجاه حليفها التاريخي.

وكان من أبرز نقاط الضعف لكيان العدو في هذا السياق هو الاعتماد الكبير على الحماية الأمريكية البحرية، وعدم قدرة الكيان وحده على تأمين الملاحة في البحر الأحمر، إضافة إلى إدراك متزايد بأن اليمن أصبح فاعلاً لا يمكن تجاهله أو تجاوزه.

ورغم أن ترامب حاول تسويق الاتفاق كانتصار، بقوله: “تلقينا أخباراً سارة الليلة الماضية، حيث أعلن الحوثيون أنهم لا يريدون القتال بعد الآن”، لكن الرد القاطع جاء من السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي: “هذا أبعد من عين الشمس.. هذا هو المستحيل بذاته”.

وأثبت الميدان أن اليمن لم يتنازل، وأن واشنطن هي التي انسحبت مذلولة بعد أن استنزفت أعدادها وذخائرها الأحدث.

وتثبت هذه الأحداث أن القوة العظمى ليست عصية على الهزيمة، فأمريكا التي راهنت على حاملات طائراتها وقاذفاتها الاستراتيجية انسحبت من اليمن دون أن تحقق أي هدف من أهدافها، كما أن البحرية الأمريكية تلقت ضربة موجعة لسمعتها ومكانتها، وأي حرب لا تحسمها أمريكا هي هزيمة لها، وهذا ما حدث بوضوح.

أما الدرس الثاني، فإن اليمن لم ينتصر لأن صواريخه الأحدث أو مسيراته الأسرع، وإنما انتصر لأنه كان على حق، ولأنه كان يدافع عن قضية عادلة، ولأنه استعد للمواجهة على مدى عشرات السنين، وهذه العناصر لا توفرها حاملات الطائرات ولا طائرات الشبح.

وبناء على ما سبق، فإنه يجب على اليمن استثمار هذا الانتصار الاستراتيجي، من خلال تطوير القدرات العسكرية، وتعزيز التحالفات مع إيران ومحور المقاومة، وعدم السماح للأعداء باستغلال البحر الأحمر في أي اعتداءات قادمة على فلسطين أو المنطقة بشكل عام.

ويجب أن ندرك كذلك أن الاتفاق مع أمريكا هو هدنة مؤقتة وليست سلاماً دائماً، فأمريكا ستنتظر الفرصة المناسبة للعودة، ولا أمان لها أبداً، ويجب أن تبقى القوات المسلحة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تطورات، وهذا ما هو عليه الحال، وما يؤكد عليه السيد القائد في الكثير من خطاباته.

وتمثل هزيمتا أمريكا في البحر الأحمر نقطة تحول كبرى في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيو-أمريكي، فاليمن، البلد المحاصر والمجوع والمعذب لسنوات، استطاع أن يفعل ما عجزت عنه جيوش عربية كاملة، واستطاع أن يحطم صورة الردع الأمريكي، وأن يفرض معادلات جديدة في المنطقة، وأن يثبت أن المقاومة ليست مجرد خيار عسكري، وإنما خيار وجودي.