بين جشع “ترامب” ويقظة “حرس الثورة”.. إيران ترسّخ معادلاتها وتُسقط رهانات “الابتزاز”
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
1 مايو 2026مـ – 14 ذو القعدة 1447هـ
تؤكد المستجدات بشأن المعركة بين الولايات المتحدة وإيران أنها تجاوزت منذ زمن حدود الملف النووي أو مسارات التفاوض التقليدية، لتتحول إلى صراع أوسع يتصل بموازين القوى الإقليمية، ومستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة، وقدرة الجمهورية الإسلامية على تثبيت موقعها كقوة مستقلة عصية على الإخضاع والابتزاز.
وتظهر أن واشنطن، مدفوعة بالشراكة مع الكيان الصهيوني، تجمع بين أدوات الضغط العسكري والحصار الاقتصادي والتفاوض المشروط، في محاولة لفرض تنازلات استراتيجية على طهران، فيما تؤكد إيران، سياسياً وعسكرياً، أنها لن تستجيب للإملاءات، وأن أي عدوان جديد سيقابل برد واسع يتجاوز حدود الضربات المحدودة.
وفي مداخلات على قناة المسيرة، سلط عدد من الباحثين والمحللين السياسيين الضوء على اتساع دائرة القلق الدولي من تداعيات التصعيد، خصوصاً في ملف الطاقة ومضيق هرمز، بالتوازي مع تراجع الثقة الأمريكية بالرواية الإسرائيلية بعد إخفاق رهانات إسقاط الداخل الإيراني أو كسر قدرته على الصمود خلال المواجهات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد شمص مدير موقع الخنادق إن مدير الوكالة الدولية للطاقة وصف ما تشهده المنطقة بفعل عسكرة مضيق هرمز والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنه أكبر أزمة طاقة في التاريخ، مؤكداً أن الأوروبيين والأمريكيين وغيرهم لن يستطيعوا تحمل تبعات هذه الأزمة التي ستظهر نتائجها تدريجياً خلال الأسابيع القادمة ما دام الحصار مستمراً.
ويضيف أن ترامب يمارس الدعاية بإظهاره تحقيق إنجازات، في حين نقل صحفي أمريكي شهير عن قادة إسرائيليين وأمريكيين أن ترامب يدرس دفع نحو 25 مليار دولار للإيرانيين من أجل فتح مضيق هرمز، بما يعني أن تسهيلات مالية محتملة لإيران أصبحت ضمن اهتماماته الأساسية.
ويوضح شمص أن الإحاطة العسكرية التي حضرها ترامب تضمنت خططاً لعمل عسكري واستئناف الحرب على إيران، مشيراً إلى ثلاثة احتمالات مطروحة في الإعلام الأمريكي: الأول استمرار الحصار الأمريكي على المرافئ الإيرانية مع استمرار إدارة إيران لمضيق هرمز وتوسيعها الإدارة باتجاه البحر العربي، والثاني تنفيذ ضربات عسكرية موضعية محدودة بالتزامن مع الحصار لإخضاع إيران وتليين موقفها، والثالث استئناف الحرب بجولة جديدة تشمل ضرب مصادر ومحطات الطاقة وعمليات برية على الجزر والسواحل الإيرانية.
ويشير إلى أن المقربين من ترامب يقولون إنه ما يزال يفضل السيناريو الأول لأنه يريد صفقة مع إيران عبر الضغوط الاقتصادية، لافتاً إلى تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن العدو غيّر طريقته وأصبح يستخدم الحصار والعقوبات للضغط على الشعب والحكومة الإيرانيين لتقديم تنازلات.
ويؤكد شمص أن قائد القوة الجوفضائية السيد مجيد موسوي أعلن أن أي ضربة أمريكية ولو محدودة ستقابل برد إيراني ممتد وطويل وواسع، ولن يكون بحجم الضربة الأمريكية الإسرائيلية المحدودة. فيما ينقل عن وزير الخارجية الإيراني عراقجي قوله إن كلفة الحرب على الأمريكيين بلغت حتى الآن 100 مليار دولار، وقد تصل إلى أربعة أضعاف ما يُعلن، إضافة إلى أعباء ضريبية سيدفعها الأمريكيون بمعدل 500 دولار شهرياً لتمويل الحرب.
ويختتم حديثه بالقول إن سؤال عراقجي “إسرائيل أولاً أم أمريكا أولاً” يعكس استمرار ضغط نتنياهو على ترامب لخوض حرب جديدة، لكنه أشار إلى أن ترامب لم يعد ينصت كثيراً لنتنياهو، خصوصاً بعد فشل التقديرات التي قدمها الموساد بإمكانية إسقاط النظام الإيراني خلال أسبوعين عبر الداخل ومجموعات الأكراد المتمردين وضربات جوية واغتيالات للقيادة.
من جهته، يقول الكاتب والباحث جواد سلهب إن الاتصالات المكثفة التي يجريها وزير الخارجية الإيراني تعيد المشهد إلى ما قبل حرب الاثني عشر يوماً، حين أجرت الدبلوماسية الإيرانية تواصلاً واسعاً مع دول الجوار، مؤكداً أن موقف إيران حينها كان ثابتاً رغم شعورها بأن العدو الأمريكي يتجه إلى تصعيد عسكري.
ويبيّن أن إيران أبلغت دول الجوار بوضوح أن أي اعتداء ينطلق من أراضيها سيقابل برد مباشر، معتبراً أن الوزير عراقجي يعيد اليوم إلقاء الحجة على الجميع ويجدد التواصل مع الدول الصديقة والحليفة، بسبب انعدام الثقة بالعدو الأمريكي.
ويلفت إلى أن انتهاء مهلة الستين يوماً القانونية لترامب في الكونغرس لا يلغي احتمال أن يقود “غباء ترامب ونتنياهو” إلى ضربة محددة خلال الثلاثين يوماً المقبلة، مضيفاً أن الجمهورية الإسلامية يقظة، وأن الحرس الثوري ما تزال يده على الزناد، رغم الذهاب إلى المفاوضات تحت الضغط.
ويؤكد سلهب أن إيران تحاول إبعاد شبح حرب جديدة لأنها تدرك أن أي حرب مقبلة إذا فرضت عليها ستتحول إلى حرب إقليمية أوسع، مشيراً إلى أنها لن تقبل بعد اليوم بأي نوع من المفاوضات إذا وقع عدوان جديد، وسيكون هناك رد قاس وحاسم من الحرس الثوري.
ويختتم مداخلته بالتأكيد على أن خطاب السيد الخامنئي حين تحدث عن “أعداء الجمهورية من الأجانب” دون ذكر الولايات المتحدة مباشرة، يوحي بتوسيع دائرة الخصوم، وأن الرسالة الإيرانية للمنطقة مفادها أنها لا تنخدع بالمفاوضات، وأن يدها ما تزال على الزناد، وأن أي تهور من ترامب أو نتنياهو سيؤدي إلى استهداف كل القواعد الأمريكية في المنطقة والذهاب إلى حرب أوسع من السابقة، مع بقاء مفاجآت لم تستخدم بعد.
بدوره، يكشف الكاتب والباحث عبدو اللقيس أن الولايات المتحدة منذ انتصار الثورة عام 1979 لم تستوعب خسارة إيران من يدها، نظراً للأهمية الاستراتيجية الكبرى للهضبة الإيرانية التي تطل على مناطق عالمية عديدة، ومن يتحكم بها تكون له الأفضلية في أي نزاع إقليمي.
وينوّه إلى أن واشنطن خاضت حروباً وحصارات واغتيالات وأعمالاً إرهابية لإعادة إيران إلى الحظيرة الأمريكية، لكن كل ذلك فشل، مؤكداً أن أصل المشكلة ليس البرنامج النووي، بل خروج إيران من الهيمنة الأمريكية وتحولها إلى قطب جديد في عالم السياسة الدولية.
ويجزم بأن إيران أصبحت محوراً أساسياً في العلاقات الدولية الحديثة، وهو ما يتناقض مع السياسات الأمريكية السلطوية، ومع محاولات السيطرة على الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن النفط الإيراني، والاقتصاد الإيراني، والموقع الاستراتيجي الإيراني، كلها عناصر جوهرية في الصراع.
ويمضي قائلاً إن المسألة أبعد بكثير من التخصيب أو السلاح النووي، ولو عادت إيران إلى تفاهم كامل مع أمريكا والكيان الصهيوني، فإن المشكلة ستبقى، لأن جوهرها استقلال القرار الإيراني. وأضاف أن العالم تغير عن عام 1945، وأن السلاح النووي بات منتشراً، ولم يعد أحد يجرؤ على استخدامه.
ويعتبر اللقيس في ختام مداخلته، أن الدول الاستعمارية لا تحترم إلا الأقوياء، وأن منطق القوة هو السائد، مضيفاً أن إيران تمتلك “قوة الحق وحق القوة”، بينما أمريكا تمتلك القوة فقط. وقال إن أمريكا وحلفها الصهيوني أصبحا منبوذين عالمياً، وإن حتى أقرب حلفائهما بدأوا ينفضون عنهما، ما يجعل واشنطن عاجزة عن شن حرب جديدة أو التراجع من دون مكاسب.
من جانبه، يقول الدكتور حسين رويوران إن هناك جشعاً تفاوضياً أمريكياً يتجاوز القانون الدولي، عندما تطالب واشنطن بوقف التخصيب أو تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، رغم أن إيران تمتلك برنامجاً نووياً سلمياً، وحتى هذه النسبة ما تزال ضمن الإطار السلمي.
ويضيف أن إيران اشترت في زمن الشاه عام 1974 مفاعلاً أمريكياً في طهران لا يعمل إلا بيورانيوم مخصب بنسبة 90 بالمئة، وكانت شركة فرنسية تزودها بهذا الوقود حتى بعد انتصار الثورة لسنوات، ولم يكن الغرب يعتبر ذلك قريباً من المستوى العسكري.
ويتابع حديثه بالقول إن هذه المطالبات تأتي على خلفية جشع تفاوضي يمنع الوصول إلى نتيجة يكون فيها الطرفان رابحين، معتبراً أن المفاوضات ستبقى مستعصية ما دامت أمريكا تتمسك بهذا النهج، وأن إمكانية الحل موجودة فقط إذا عادت واشنطن إلى إطار القانون الدولي وفكرة التفاوض القائم على نقطة وسط، لا على الإملاءات المسبقة.
إلى ذلك، يلفت الدكتور عادل آل غبيش أستاذ العلوم السياسية إلى أن السنوات الأخيرة، وخاصة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، شهدت استخدام كثير من المليشيات أو الفصائل المعادية لإيران، كما في إقليم كردستان العراق.
ويشير إلى أن ترامب صرح منذ بداية الحرب بأنهم أعطوا الأموال وجهزوا هذه الجماعات للدخول إلى إيران عبر الحدود البرية، لكن إيران كانت منذ البداية تقصف مقراتها وقواعدها العسكرية في إقليم كردستان.
ويعتبر أن جبهات المقاومة في العراق، ومنها كتائب سيد الشهداء وسرايا أخرى، كانت جزءاً من جبهة مقاومة موحدة تقصف هذه المقرات والقواعد العسكرية منذ بداية الحرب وحتى الآن، وحتى خلال فترات وقف إطلاق النار.
ويؤكد آل غبيش في ختام مداخلته أن “الإرهابيين” الموجودين هناك ليسوا أكراداً إيرانيين، بل عملاء للكيان الصهيوني والأمريكي، ولذلك لم يستطيعوا حتى الآن الدخول من الحدود البرية الإيرانية، وهو أمر واضح وصريح.
