الصرخة في وجه المستكبرين مدرسة وعي وبرنامج عمل وبناء

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
22 أبريل 2026مـ – 5 ذو القعدة 1447هـ

الخروج الشعبي المتواصل في إيران.. ملامح الانتصار في وجه العدوان

لم تعد الصرخة في وجه المستكبرين مجرد شعار يُردد في المناسبات، بل تحولت إلى إطار وعي متكامل وموقف أخلاقي ثابت لا يقبل المساومة أو التراجع. إنها إعلان خروج صريح من مربع الصمت والجمود، وانتقال إلى فضاء الفعل والموقف المستمد من الثقافة القرآنية.

لقد أثبتت الأحداث أن المشروع القرآني بسلاح الشعار والمقاطعة هو السد المنيع الذي يحول دون تنفيذ المؤامرات التي تستهدف الأمة في جوهر دينها وتفاصيل دنياها، وهو البوصلة التي وجهت الشعب اليمني نحو صوابية الخيار وأحقية الموقف في زمن اختلطت فيه الأوراق وكثر فيه التزييف الإعلامي والثقافي. لقد انتقل هذا المشروع العظيم من كونه صوتاً محاصرا إلى حضور عالمي في مسرح المواجهة ضد أعداء الأمة، وصولاً لفرض معادلات يحسب لها الأعداء ألف حساب. إنه مدرسة تبني الإنسان ليكون قوياً وعزيزاً، يدرك حجم المؤامرة ويمتلك الأدوات النفسية والمعنوية لمواجهتها بكل ثقة وثبات، محولاً حالة اليأس إلى أمل والضعف إلى قوة، بصرخة إسلامية تحررية ضاربة تهز عروش الطواغيت في كل مكان.

كسر القيد في زمن الرهبة والارتهان
وُلد المشروع القرآني في أدق اللحظات التاريخية وأكثرها حساسية، وتحديداً في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين بلغت الهجمة الأمريكية والإسرائيلية ذروتها تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”. كانت الأمة حينها تعيش حالة من الشلل التام والارتباك المخيف، حيث تَراوح الموقف الرسمي لمعظم الحكومات والزعماء بين التواطؤ المطلق والانضواء تحت العباءة الأمريكية، أو الضعف العاجز الذي لا يجرؤ على مجرد الاعتراض اللفظي.

ساد صمت مطبق خيم على الشعوب، بينما كان اللوبي الصهيوني يخطط لإحكام السيطرة التامة والمباشرة على الموقع الجغرافي والثروات الهائلة، مستهدفاً تغيير المناهج التعليمية، وتزييف الهوية الإسلامية، وتطويع الخطاب الديني لخدمة أجنداته الاستعمارية. في هذا المناخ الخانق، أعلن السيد حسين بدر الدين الحوثي انطلاق المشروع القرآني بصرخة مدوية هزت أوكار الطاغوت، كانت البداية في مدرسة الإمام الهادي بمران عام 2002، لتكون الموقف الحق الذي يكسر حالة الجمود القاتل ويواجه الهجمة الشاملة التي أرادت تحويل الأمة إلى مغنم خالص للأعداء.

لم تكن الصرخة مجرد رد فعل لحظي، بل كانت رؤية استراتيجية أدركت مبكراً أن الصمت هو الضوء الأخضر الذي ينتظره الأمريكي لاستكمال السيطرة على البشر والشجر والحجر. لقد مثلت لحظة الانطلاق فجراً جديداً يكسر قيود التبعية، ويؤسس لمرحلة من الحرية والكرامة التي لا تُستجدى من الطغاة، بل تُنتزع بالموقف الصادق والتحرك العملي المدروس. لقد كانت البدايةَ لتحطيم جدار الخوف الذي بناه الاستعمار في نفوس الناس، وإعادة الاعتبار للأمة التي أُريدَ لها أن تكون سوقاً مستهلكة وقطيعاً مساقاً خلف الإملاءات الأمريكية الجائرة.

المشروع القرآني برنامج عمل وبناء
المشروع القرآني برنامج عمل متكامل يتجاوز الهتاف اللفظي ليبني أمة قوية قادرة على السيادة والاستقلال. يرتكز هذا المشروع على ثلاثة أركان أساسية متلازمة: الشعار، والتثقيف القرآني، والمقاطعة الاقتصادية. الشعار هو عنوان البراءة الذي يحدد الهوية والموقف بوضوح، وهو التكبير الذي يستحضر عظمة الخالق لتصغير عظمة الطواغيت في نفوس المؤمنين. الركن الثاني هو التثقيف القرآني الذي يمثل الوقود المعرفي والوعي الجماعي؛ فهو يربط الأمة بمصدر قوتها الأول، ويحيي فيها الشعور العالي بالمسؤولية، ويرسم لها الخطوات العملية الصحيحة التي تخرجها من واقع الخنوع والذل واليأس. أما الركن الثالث، فهو المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، وهي الخطوة التي تنقل الصراع إلى الميدان المادي المؤثر، وتهدف إلى وقف حالة الدعم المالي الهائل الذي تقدمه الأمة المستهلكة لعدوها.

هذا المشروع المتكامل يتميز بقدرته الفائقة على تحريك الناس في إطار تعبئة عامة شاملة تتجاوز المواقف الرسمية الضعيفة والنخب المحاصرة، ليجعل من الموقف الشعبي قوة يحسب لها الأعداء ألف حساب. إن الصرخة هي نقلة حكيمة حولت الجماهير من حالة الحيرة والشتات إلى مرحلة التعامل بوعي ومسؤولية ورؤية ثابتة تجاه كل المستجدات. إنه مشروع يعالج الاختلالات التي تعاني منها الأمة، ويسد الثغرات التي كان يَنْفذ منها الأعداء لتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي. وبذلك، لم يعد المشروع مجرد كلمات، بل أصبح واقعاً عملياً يُربَّى عليه الأجيال، ويصنع واقعاً اقتصادياً وسياسياً جديداً يرفض التبعية ويؤسس للاكتفاء الذاتي والكرامة الوطنية.

كسر الحواجز النفسية.. تحرير الإنسان من أغلال الخوف
تمثلت المهمة الأولى والأكثر خطورة للصرخة في تحطيم حاجز الخوف والذلة الذي كان جاثماً على صدور الشعوب، مكبلاً إياها عن مجرد التعبير عن السخط تجاه الجرائم الصارخة التي يرتكبها الأعداء. لقد استهدف الأمريكي والإسرائيلي قتل الروح المعنوية للأمة، وترسيخ الهزيمة النفسية حتى يفقد الناس الجرأة على المطالبة بحريتهم أو الدفاع عن ثرواتهم المنهوبة. جاءت الصرخة لتكون الصدمة الإيجابية التي تعيد للإنسان كرامته المهدورة، وتكسر مساعي الأعداء لتكميم الأفواه وفرض الصمت المطبق على المجازر والاحتلال ومصادرة الاستقلال.

إن التحول من حالة الرعب من الأنظمة والزعماء إلى حالة الجهر بالحق يمثل تحريراً حقيقياً للإنسان من الداخل. هذا المحور هو الأقوى في التقرير، لأنه محور إنساني ونفسي عميق، يبني الفرد الذي يستصغر الطواغيت مهما بلغت إمكاناتهم العسكرية والمادية. إن الكفر بالطاغوت والتمسك بالعروة الوثقى هو الذي منح المؤمنين الروح الإيمانية التي تحتقر المستكبرين وتراهم صغاراً أمام عظمة الله. لقد فشل الأعداء في إبقاء الساحة مفتوحة أمام مؤامراتهم دون عوائق، لأن الصرخة أوجدت جيلاً لا تهزه الإملاءات الظالمة ولا تكسره حرب نفسية أو دعائية، بل أصبح يمتلك الجرأة والمبادرة لانتزاع حقوقه. إن الصرخة اليوم هي صوت المظلوم الذي أدرك أن صمته هو سلاح عدوه، وأن صوته هو بداية النصر. لقد أعادت الصرخة صياغة النفسية اليمنية والعربية، فحولتها من نفسية مهزومة تنتظر الأوامر، إلى نفسية مجاهدة تبادر وتصنع الأحداث، وتفرض المعادلات، وتؤمن بأن القوة الحقيقية هي قوة الإيمان والموقف، لا قوة الطائرات والمدافع التي يمتلكها المستكبرون.

إعادة تعريف العدو.. بوصلة الحقيقة في مواجهة التضليل
ثبّت المشروع القرآني بوصلة العداء نحو العدو الحقيقي والجوهري للأمة، متمثلاً في القوى الاستكبارية الصهيو-أمريكية، في وقت تعرضت فيه الأمة لأبشع أنواع الحرب الثقافية والدعائية التي استهدفت تضليل الشعوب.

سعى الأمريكي بكل دهاء لتحويل حالة العداء الشعبي تجاه أحرار الأمة والمجاهدين الذين يشكلون عائقاً أمام أطماعه، محاولاً تشويه سمعة المقاومة، وتصوير المدافعين عن كرامة الأمة كأعداء لها، وبالتالي فقد جاءت الصرخة لتحصن الأمة من هذا الاختراق الخطير، وتتصدى لمساعي التطويع والموالاة التي ركز عليها الأعداء لتحويل الشعوب إلى أدوات منقادة تنفذ مؤامراتهم على حساب استقلالها ودينها.

كشف المشروع القرآني زيف العناوين البراقة التي استخدمها الأمريكي كغطاء لاحتلاله ونهبه للثروات، مثل عناوين التحرير وحقوق الإنسان والديمقراطية، حيث فضحت الصرخةُ الحقيقةَ البشعة الكامنة وراء هذه الشعارات، وهي الاستهداف المباشر والشر الكبير الرامي للاستحواذ على القرار والمقدرات.

إن الحفاظ على وضوح الرؤية تجاه من يقتل الأطفال والنساء ويدمر القرى ويمارس حرب إبادة شاملة هو الضمانة الوحيدة لمنع حرف الصراع نحو الداخل ودرء الفتن الطائفية أو المناطقية التي يغذيها العدو.

الصرخة اليوم هي صوت يوحد الجماهير ضد مصدر الخطر الفعلي، وتفشل كل مخططات التدجين الإعلامي التي تنفق عليها قوى الاستكبار المليارات لإخضاع الأمة وتغييب وعيها. لقد أصبح العدو واضحاً لا لبس فيه، وباتت أساليبه التضليلية مكشوفة أمام وعي شعبي حصين يرفض المقايضة على مبادئه. إن هذا الوضوح في الرؤية هو الذي جعل من الصعب على أي قوة أن تخترق الصفوف أو تثير النزاعات البينية، لأن الجميع يدرك أن المستفيد الوحيد من تشتت الأمة هو الأمريكي والإسرائيلي، وبذلك تحولت الصرخة إلى حائط صد ثقافي وسياسي منيع.

الصرخة في مواجهة الأنظمة وفضح أدوات التبعية
تجلت قوة المشروع القرآني في قدرته الفائقة على فضح الحكومات العميلة والزعماء الذين جندوا أنفسهم لخدمة المؤامرات الأمريكية والإسرائيلية ضد أبناء الأمة، هؤلاء الزعماء الذين اتجهوا للولاء المطلق للأعداء لم يطيقوا صوت الصرخة، وتوجهوا بمحاربتها بضراوة لأنها تكشف براءة الأمة الأصيلة من أفعالهم وتواطؤهم. وفي السياق ذاته، سقط القناع عن التكفيريين الذين ظهروا بوضوح كأدوات داخلية تتحرك في فلك الطاغوت الأمريكي، حيث لم يتحملوا هتاف الموت لأمريكا و”إسرائيل”، وحاربوه بكل قسوة، ما أثبت أنهم مجرد وسيلة لتفتيت الأمة من الداخل وحماية مصالح أسيادهم. الصراع لم يكن خارجياً فحسب، بل كان معركة لتنقية الساحة من الذين في قلوبهم مرض، والذين يسارعون في موالاة الأعداء خشية الدوائر المزعومة. إن الموقف المغاير الذي قدمته الصرخة يعبر عن المبادئ والقيم الأصيلة التي تنتمي إليها الأمة، رافضاً حالة الارتهان التي حاولت الأنظمة فرضها كقدر محتوم. هذه الصرخة فضحت أولئك العملاء الذين يتقربون بدماء شعوبهم لاسترضاء الأمريكي، وكيف تحولوا إلى أجهزة صوتية يرددون ما يمليه عليهم ضباط المخابرات الأجانب.

لقد فرزت الصرخةُ الصفوفَ بوضوح بين خط الولاء لله والبراءة من أعدائه، وبين خط العمالة والخنوع، ما منح المشروع القرآني شرعيته الشعبية كممثل حقيقي لتطلعات المستضعفين الرافضين للتبعية. إن هؤلاء الذين حاربوا الشعار بالرصاص والسجون كشفوا عن وجههم القبيح كحراس للمصالح الأمريكية، بينما أثبت المكبرون أن قوة الكلمة المستمدة من الحق أقوى من كل آلات القمع. إن الصراع مع العدو المركزي للأمة لا يجب أن يغفلنا عن أدواته في الداخل، فمواجهة هذه الأدوات هي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الشامل، وبدون تطهير الجبهة الداخلية من ثقافة الهزيمة والارتهان، لم يكن ممكناً الوقوف في وجه القوى الخارجية الكبرى.

من الاستهداف إلى الثبات.. سردية الصمود الأسطوري
مر المشروع القرآني -منذ العام الأول للصرخة- بمراحل قاسية من القمع الممنهج والاعتقالات الجماعية التي بدأت بتوجيه مباشر من السفير الأمريكي. تصاعد الموقف الرسمي تبعاً للأوامر الخارجية، فامتلأت الزنازين بالمعتقلين، وفُصل الموظفون من أعمالهم لمجرد هتافهم بالبراءة. لم تكتفِ السلطة آنذاك بالاعتقال، بل شنت ست حروب شاملة وأكثر من عشرين حرباً جزئية، استخدمت فيها كل أنواع العتاد العسكري، وارتكبت أبشع الجرائم من دمار كلي للقرى وقتل للأطفال والنساء وتشريد للآلاف، وصولاً إلى سحل الجثامين في الشوارع وارتكاب مجازر وحشية بحق السجناء.

كان كل هذا الطغيان يتم بغطاء وتحريض أمريكي واضح، وبمباركة من القوى التي تدعي حماية حقوق الإنسان. وبالرغم من انعدام أي دعم دولي أو إقليمي، وبالرغم من المعاناة المعيشية القاسية، إلا أن الثبات كان هو الرد الوحيد والأسطوري. فشلت كل محاولات إيقاف هذا الصوت بالترهيب أو المقايضة بالإفراج عن السجناء مقابل ترك الشعار، ليزداد المشروع صلابة ويتحقق الانتصار شيئاً فشيئاً.

إن هذا التماسك والنجاح في تجاوز العوائق الكبيرة شاهد على عظمة الثقافة القرآنية التي تعزز الثقة بالله والتوكل عليه، وتربي الإنسان على العزة والكرامة. لقد تحول الاستهداف من وسيلة للقضاء على المشروع إلى عامل لتقويته وانتشاره، حيث أثبت المكبرون أن التضحيات هي وقود النصر، وأن الظلم مهما بلغت شدته فإنه ينهار أمام صخرة الثبات الواعي. إن سردية الصمود هذه هي التي تلهم الأجيال اليوم، وتؤكد أن الحق لا يموت ما دام وراءه مطالب يمتلك الاستعداد للتضحية واليقين بنصر الله الذي وعد به عباده الصابرين الصادقين في مواجهة عتاة الأرض وجبابرتها.

المقاطعة سلاح اقتصادي
تعَدُّ المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية ركناً عملياً وجوهرياً في المشروع القرآني، فهي خطوة سهلة وميسرة، لكنها ذات فاعلية كبرى وتأثير حتمي في ميدان المواجهة. تهدف المقاطعة بشكل رئيسي إلى وقف حالة الدعم المالي الهائل الذي تقدمه الأمة لعدوها، حيث تتدفق مئات المليارات من الدولارات من جيوب الشعوب المستهلكة إلى بنوك وأرصدة قوى الاستكبار لتُحول لاحقاً إلى أسلحة تقتل نفس هذه الشعوب. المقاطعة ليست مجرد موقف سياسي، بل هي حصانة للأمة من الأضرار الصحية والنفسية التي يودعها الأعداء في منتجاتهم، وحماية لهويتها الإيمانية من الاختراق الاستهلاكي. علاوة على ذلك، تمثل المقاطعة عامل بناء أساسياً يحفز الأمة على الاتجاه نحو الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات بدلاً من الارتهان لما يأتي من الخارج، ما يساعد على تحصين الواقع الاقتصادي وبنائه بشكل سليم. هذا الأسلوب هو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، وله تأصيل عميق في التاريخ الإسلامي. الواقع المعاصر يثبت أن الأعداء يدركون مدى خطورة هذا السلاح، ولذلك يستخدمون الحصار والمقاطعة كأدوات حرب ضد الشعوب الحرة، ما يؤكد أن التعامل بالمثل هو الخيار الحكيم والمؤثر. إن تحويل السوق الوطنية من مغنم للعدو إلى ساحة استغناء ومواجهة هو خطوة استراتيجية نحو السيادة الكاملة. إن المقاطعة تعيد صياغة السلوك الاستهلاكي للأمة، وتجعل من كل فرد جندياً في معركة الاقتصاد، يدرك أن ما يدفعه ثمناً لسلعة عدوه قد يكون غداً ثمناً لرصاصة في صدره أو صدر أخيه. وبذلك، تصبح المقاطعة ممارسة يومية للحرية، وفعل تبرؤ مستمراً يضعف كيان العدو ويقوي بنية الأمة من الداخل، ممهداً الطريق لنهضة صناعية وزراعية شاملة، تكسر قيود التبعية الاقتصادية التي فُرضت لسنوات طويلة.