“هزيمة فشل وإخفاق”.. تعددت المصطلحات والانتكاسة الصهيونية واضحة.. شهادات النخبة الصهيونية والإعلام الأمريكي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 أبريل 2026مـ – 3 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
نادراً ما تتفق وسائل الإعلام الغربية الكبرى على سردية واحدة تخص الصراع في الشرق الأوسط، لكن ما جرى في الأسابيع الأخيرة كسر هذه القاعدة، فبينما كان العالم يترقب تطورات العدوان الإسرائيلي على لبنان، جاءت التغطيات من نيويورك وواشنطن ولندن لترسم صورة لا تخطئها العين: لقد فشل العدو الإسرائيلي في تحقيق أي من أهدافه، واضطرت واشنطن إلى فرض وقف إطلاق نار عليه، استجابةً لإملاءات إيرانية واضحة، وبفعل صمود أسطوري سطرته المقاومة الإسلامية في الميدان.
هذا التقرير، المستند إلى رصد دقيق لما نشرته شبكات أمريكية وإسرائيلية مرموقة، يروي كيف انكسرت شوكة العدوان على صخرة الإرادة اللبنانية.
ترامب يضغط و”إسرائيل” تمتثل
في مشهد غير مسبوق من الانكشاف الدبلوماسي، نقلت شبكة CNN عن مراسلها في القدس المحتلة، جيريمي دايموند، تفاصيل مثيرة حول كيفية إعلان وقف إطلاق النار. قال دايموند بنبرة لا تخلو من الدهشة: “إعلان الرئيس ترامب عن وقف إطلاق النار هذا جاء بينما كان نتنياهو يعقد اجتماعاً عبر الهاتف مع مجلسه الأمني لمناقشة هذا المقترح نفسه، ومن الواضح أن ترامب يبدو -إلى حد كبير- المسؤول عن فرض هذا الوقف لإطلاق النار”. ويضيف المراسل الذي يتابع الشأن الإسرائيلي عن كثب: “تتحدث تقارير عن قدر من الإحباط الحقيقي داخل المجلس الوزاري الأمني، من حيث إن وقف إطلاق النار هذا أُعلن قبل أن يصوّتوا عليه رسمياً”.
هذا الاعتراف، من شبكة إخبارية أمريكية نافذة، يكشف بجلاء أن القرار لم يكن صهيونياً خالصاً، بل كان إملاءً أمريكياً مارسه ترامب على حليفه الممتعض. وقد أكدت ,CBS, بدورها هذه الرواية، حيث صرّح مراسلها في يافا المحتلة تشارلي داغاتا بأن “وقف إطلاق النار لعشرة أيام مهم لأنه يفتح نافذة لوقف النار بين الولايات المتحدة وإيران”. هنا تتكشف الخيوط الحقيقية للقصة.
شرط طهران الذي غيّر المعادلة
الخيط الأهم في هذه الرواية يأتي من نيك روبرتسون، محرر الشؤون الدبلوماسية الدولية في ,CNN,، الذي قال بوضوح: “نحن لا نعرف كيف جرت تلك المحادثات، لكننا نعرف يقيناً أن إيران كانت قد قالت -صراحةً- إنها تريد أن يكون وقف إطلاق النار في لبنان بين ‘إسرائيل’ وحزب الله قائماً، وأن يكون جزءاً من صورة وقف إطلاق النار الأكبر”. ثم يأتي جيريمي دايموند ليكمل الصورة: “والصورة الأكبر هي وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ويبدو أن الرئيس ترامب مارس هذا الضغط على ‘إسرائيل’ من أجل إبقاء وقف إطلاق النار الأميركي الإيراني قائماً، وكان من الضروري جداً ربط ذلك أيضاً باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. والإيرانيون كانوا يصرون على ذلك”.
هكذا، وباعتراف الإعلام الأمريكي نفسه، تحولت طهران إلى اللاعب الذي يضع الشروط، وواشنطن إلى المنفذ الذي يمارس الضغوط، والكيان الإسرائيلي إلى الطرف الذي يرضخ رغماً عنه. إنها معادلة “وحدة الساحات” التي لطالما سعى العدو الإسرائيلي إلى كسرها، لكنها اليوم تُفرض عليه فرضاً من بوابة المفاوضات النووية مع إيران. موقع ,أكسيوس, وصف الأمر بأنه “حساس سياسياً” للعدو، فيما نقلت ,وول ستريت جورنال, عن محلل إسرائيلي قوله إن “نفوذ إيران على وقف النار سيئ لإسرائيل”، في إشارة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها الكيان.
اعترافات صهاينة ونخب: لم نحقق شيئاً
إذا كانت التغطيات الأمريكية قد كشفت حجم الضغوط التي مورست على العدو الإسرائيلي، فإن ما نقلته وسائل الإعلام العبرية كان بمثابة تشريح للهزيمة من الداخل. تسفيكا حيموفيتش، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي الصهيوني، أطلق تصريحاً يعكس مرارة الفشل: “المشكلة لم تكن في وقف إطلاق النار ولا في طريقة وقف إطلاق النار. المشكلة بدأت في نوفمبر عام أربعة وعشرين حين أخبرونا أن حزب الله مردوع وأننا انتصرنا وأبدنا ودمرنا. وفي هذه الحرب قال وزير الدفاع: إننا لن نتوقف حتى نحسم، ورئيس الأركان يقول: حتى نفكك حزب الله، وكذلك قال غيره من العسكريين، لكن كل ذلك لم يتحقق”.
دانا فايس، المحللة السياسية الصهيونية، أضافت بعداً استراتيجياً لهذا الإخفاق بقولها: “في المحصلة النهائية، ‘إسرائيل’ ورئيس الحكومة أرادوا أن يوضحوا أنه وعد الجمهور بأنه سيفعل كل شيء لإزالة هذا التهديد من قبل حزب الله، والآن هناك وقف لإطلاق نار من دون ذلك. والأمر الثاني كان هناك جهد إسرائيلي كبير جداً للفصل بين إيران ولبنان، والآن نحصل على وقف إطلاق نار مرتبط أيضاً بوقف إطلاق النار في إيران”. إنه اعتراف مزدوج: فشل في كسر حزب الله، وفشل في فك الارتباط بين الساحتين اللبنانية والإيرانية.
غضب المغتصبين: “لن نعود”
الوجه الآخر لهذه الهزيمة تجسد في ردود فعل سكان المستوطنات الشمالية، الذين تحولوا من ورقة ضغط بيد حكومة العدو إلى شاهد على فشلها الذريع. “بني بن موفحار”، رئيس المجلس الإقليمي في الشمال، عبّر عن هذه الحالة بقوله: “السكان يتحدثون إليَّ بتعبير عن عدم ثقة مطلق، وجزء كبير منهم لن يعود إلى المستوطنات، وبالتأكيد لن يأتوا إلى كريات شمونة للتسوق والتجول بحرَّية. وفي المؤسسات التعليمية أنا لا أرى الأهالي يرسلون الأطفال. أنا -بشكل عام- لا أصدق حكومة لبنان، فهي حكومة ضعيفة بلا عمود فقري”.
غاي فارون، مراسل القناة 12 الصهيونية، نقل صورة أشد قتامة من قلب الشمال المحتل: “ما هو مؤكد هو أنه بعد خمسين يوماً من القتال، سكان الشمال لا يشعرون بأمان أكثر مما كانوا عليه في بدايته. هناك شعور بأزمة حقيقية، وهناك حدث سيؤثر لفترة طويلة على الاستيطان في الشمال. رؤساء السلطات المحلية يتنافسون في من يكون أكثر حدة، ويقولون: لسنا مستعدين لأن نكون درعاً واقية، ولسنا مستعدين لتلقي الإعلانات من رئيس الولايات المتحدة لا من رئيس حكومتنا”. هكذا تتحول وعود القادة الصهاينة إلى سراب، وتتحطم على صخرة صمود المقاومة.
نخب الكيان تنتفض: كفى أكاذيب
لم يتوقف سيل الانتقادات عند حدود المغتصبين اليهود، بل امتد ليطال الصفوة السياسية والعسكرية التي طالما غطت على إخفاقات الحكومات المتعاقبة. أمنون أبرامفيتش، المحلل السياسي الصهيوني المخضرم، حذّر بلهجة ناقدة: “عندما يتحدث شخص ما عن نصر مطلق لمرة واحدة وإلى الأبد وحتى النهاية، فاعلم أن هذا وعد مخادع. ومن يؤمن بهذا هو ساذج أو جاهل، فقد سلمنا المصالح الأمنية ليد ترامب في غزة ومرتين في إيران”.
أما كوبي سادوري، المحلل السياسي الصهيوني، فكان أكثر مباشرة في تفنيد الأوهام الرسمية: “نحن لا يمكننا أن نكون سبارتا، ولا نريد أن نكون سبارتا، لأن التاريخ يظهر أيضاً أنه ما دامت سبارتا قد اختفت ببساطة فلماذا الكذب على الناس وتقديم الآمال الكاذبة لهم، مثل أننا سنبيد حماس وسنجردها من سلاحها، وسنبيد حزب الله وسنجرده من سلاحه؟ بينما في قرية طوبا الزنغرية العربية لا ينجحون في تفكيك السلاح”.
نير حيفتس، المستشار السابق لنتنياهو، أضاف بعداً إنسانياً موجعاً: “لقد سئمنا من تلقي هذه الأخبار عن الجنود الذين يقتلون، فبعد سنتين ونصف في غزة ونحن الآن لسنا أمام حماس التي ليست بقوة حزب الله، ولن نصل أيضاً إلى كل مكان في لبنان”.
العودة التي أربكت الحسابات
بينما كان العدو الإسرائيلي غارقاً في صدمته وحساباته الداخلية، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت تشهد مشهداً من نوع آخر، فبمجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار، تدفقت الجماهير إلى شوارعها وأحيائها المدمرة، في مشهد أربك كل التقديرات الغربية التي راهنت على كسر إرادة البيئة الحاضنة للمقاومة. العائدون لم ينتظروا وعوداً ولا ضمانات، بل حملوا أغراضهم البسيطة وعادوا فوق الركام، رافعين الرايات ومرددين هتافات الثبات.
هذه العودة الفورية، التي وثقتها عدسات وكالات الأنباء العالمية، شكلت رداً عملياً على كل الرهانات الصهيونية. لقد أثبتت أن الدمار -مهما عظم- يظل تفصيلاً عابراً أمام إرادة الصمود، وأن صاحب الأرض الحقيقي هو من يعود إليها حتى قبل أن يجف حبر اتفاقيات وقف النار. إنها معادلة انتصار الإرادة على الآلة، وانتصار الجذور على النار.
فشل الأهداف وانتصار المقاومة:
في المحصلة، يمكن القول إن الإعلام الغربي قدم خدمة استثنائية للحقيقة هذه المرة، ليس عن قصد بالضرورة، بل لأن فداحة الإخفاق الصهيوني لم تترك مجالاً للتجميل أو اللف والدوران، فباعتراف CNN وCBS ووول ستريت جورنال وأكسيوس، وباعتراف القادة العسكريين والمحللين السياسيين في الكيان نفسه، فإن العدو الإسرائيلي فشل في تحقيق أي من أهدافه في لبنان، ويمكن إجمال هذا الفشل وفقاً لهذه المصادر بالنقاط التالية:
– لم يتمكن من تدمير قدرات حزب الله، بل تلقى منه “الطلقة الأخيرة” في الميدان.
– لم ينجح في فصل الجبهة اللبنانية عن الجبهة الإيرانية، بل وجد نفسه مرغماً على وقف إطلاق نار مرتبط عضوياً بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية.
– لم يعد سكان مستوطنات الشمال، بل أعلنوا صراحة أنهم لن يعودوا.
– لم يكسر إرادة البيئة الحاضنة للمقاومة، بل شهد عودة جماهيرية فورية إلى المناطق المدمرة.
والأكثر دلالة في كل هذه المعادلة هو أن واشنطن نفسها اعترفت -من خلال ممارساتها وتغطيات إعلامها- بأن استمرار العدوان على لبنان بات يشكل تهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة برمتها، وهكذا، تحول وقف إطلاق النار من كونه مطلباً لبنانياً أو إيرانياً، إلى ضرورة أمريكية ملحة، فرضها ترامب على حليفه الصهيوني رغم امتعاضه المعلن.
إن ما كشفته هذه الحرب القصيرة نسبياً من حقائق استراتيجية يتجاوز بكثير حسابات الربح والخسارة الآنية. لقد أثبتت أن معادلة “وحدة الساحات” -التي تقودها إيران وتجسدها المقاومة في لبنان وفلسطين- لم تعد مجرد شعار، بل واقعاً استراتيجياً يُفرض على أقوى قوة عسكرية في المنطقة وحليفتها الأمريكية الكبرى، وأثبتت أيضاً أن الإرادة البشرية المؤمنة بقضيتها قادرة على قلب موازين القوى، وتسطر انتصارات تُقرّ بها حتى وسائل إعلام الخصوم قبل الحلفاء.
تبقى الصورة الأبلغ هي التي رسمتها جماهير الضاحية في مشهد عودتها إلى أحيائها المدمرة، رافعة هاماتها فوق الركام. إنها الصورة التي تقول إن كل غال يرخص أمام تضحيات المجاهدين، وإن الدمار مهما عظم ليس سوى مرحلة عابرة في مسيرة طويلة عنوانها الصبر والثبات، حتى يتحقق النصر الكامل بإذن الله.
