ورقة “مضيق هرمز” الرابحة.. كيف فرضت إيران معادلة الردع وأجبرت واشنطن على التفاوض؟
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
11 أبريل 2026مـ – 23 شوال 1447هـ
يكثر الحديث منذ بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 28 فبراير الماضي عن “مضيق هرمز” وكيف تحول إلى ورقة ضغط إيرانية أجبرت واشنطن على وقف العدوان والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ونظراً للأهمية الاستراتيجية للمضيق، فقد كتب أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو روبرت إي مقالاً نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” قبل أيام قال فيه إن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران حول طهران إلى قوة عالمية مهمة.
ويستند الكاتب إلى أن قوة إيران تنبع أساساً من سيطرتها على أهم ممر مائي للطاقة في الاقتصاد العالمي، وهو “مضيق هرمز” الذي يمر عبره ما يقارب خمس إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، ولا توجد بدائل حقيقية لسلاسل الإمداد هذه على المدى القريب، لافتاً إلى أنه إذا استمرت السيطرة الإيرانية على المضيق لأشهر أو سنوات فسوف تعيد تشكيل النظام العالمي بشكل جذري، مما سيضر بالولايات المتحدة الأمريكية.
ويبرز هنا تساؤل هام: لماذا تعجز أكبر قوة في العالم عن فتح مضيق هرمز بالقوة، وما إمكانات واشنطن في ذلك؟
وقبل العدوان الأمريكي الصهيوني الأخير على إيران كانت الحركة تسير بكل سهولة ويسر في المضيق دون وجود أي عوائق، غير أن إيران، وخلال الحرب، فرضت واقعاً جديداً، ومنعت السفن التجارية والحربية الأمريكية أو الحليفة لأمريكا من العبور، وهو ما شكل صدمة أضرت باقتصاد العالم.
وعلى الرغم من التحذيرات والتهديدات الأمريكية المتواصلة لطهران بإنزال أشد العقوبة بها إذا لم تفتح المضيق، ومنها التهديد الشهير للمجرم ترمب “سنمحو حضارة بأكملها”، إلا أن الأمريكيين واجهوا عجزاً مطلقاً أمام الإصرار الإيراني على إغلاق المضيق، واضطر ترمب للنزول من الشجرة والبحث عن الخيارات الدبلوماسية والتفاوض مع إيران في هذا الشأن.
وتسيطر الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الجزء الشمالي من مياه الخليج ومضيق هرمز وخليج عمان، ويمنحها هذا القرب الجغرافي القدرة على استخدام أسلحة منخفضة الكلفة، كالطائرات المسيرة والألغام، لاستهداف السفن التي تحاول العبور، إضافة إلى أن أمريكا تحتاج إلى السيطرة أو احتلال أجزاء من الأراضي الإيرانية من أجل إزالة الخطر عن المضيق، إضافة إلى تقييد القدرات العسكرية الإيرانية، وهذا هدف يصعب على الأمريكيين تحقيقه.
كما أن هناك نقطة مهمة، وهي أن إيران لا تحتاج في الواقع لنشر ألغام في مياه المضيق، بل يكفيها أن توهم الولايات المتحدة والدول الأخرى بأنها قامت بذلك، وهذا وحده يكفي لردع السفن المدنية عن عبور المضيق خوفاً من الأخطار المحتملة، وستضطر الولايات المتحدة لإرسال غواصين أو استخدام مركبات يُتحكم بها عن بعد، تُطلق من السفن وتعمل على إزالة الألغام، وهي مسألة قد تستغرق أسابيع وربما شهوراً.
وتقدر تقارير الكونغرس الأمريكي أن مخزون إيران من الألغام البحرية يشمل مزيجاً من ألغام التلامس المربوطة وألغام القاع، وهو مخزون تراكم على مدار أربعة عقود، عبر الاستيراد والإنتاج المحلي، فعلى مستوى الألغام التقليدية، تُقدر ترسانة إيران بنحو ألفي لغم، أبرزها ألغام “صدف” و”إم-8″، والأخير تحديداً هو الذي كاد أن يتسبب في إغراق الفرقاطة “صامويل بي. روبرتس” عام 1988.
أما الألغام الأكثر تطوراً لدى إيران فتشمل ألغاماً قاعية من فئة “إم دي إم-6” (MDM-6) الروسي، الذي يحمل رأساً حربياً ثقيلاً بوزن يصل إلى نحو 1100 كيلوغرام، إلى جانب لغم “إم سي-52” (MC-52) المصنوع من غلاف غير مغناطيسي بما يقلل احتمالات اكتشافه ويربك أنظمة الكسح، فضلاً عن لغم “ماهام-2” المحلي الإنتاج، غير أن التهديد الأكثر تعقيداً يتمثل في لغم “إي إم-52” (EM-52) الصيني المنشأ، وهو من فئة الألغام الصاعدة؛ إذ يستقر في القاع على أعماق قد تصل إلى 200 متر، وعند رصده الهدف، يطلق مقذوفاً عمودياً بإمكانه إصابة أسفل هيكل السفينة.
درس البحر الأحمر
وإضافة إلى ذلك، فإن شركات الشحن الكبرى لا يمكنها المخاطرة والمرور عبر المضيق في ظل وجود تهديدات، فهي تحتاج إلى ضمانة، وهذا ما تعجز عنه أمريكا، ولذلك يظل “مضيق هرمز” تحت رحمة الإيرانيين.
ويعد البحر الأحمر أبرز الأدلة على عجز الولايات المتحدة في تأمين مرور السفن، فخلال مشاركة اليمن في إسناد غزة في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، خلال عامي 2023 و2024، فشل العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني في إنقاذ ملاحة العدو الإسرائيلي، ونجح اليمن في إطباق الحصار وإغلاق ميناء أم الرشراش [إيلات] جنوبي فلسطين المحتلة، على الرغم من مشاركة حاملات الطائرات والمدمرات والقطع الحربية الأمريكية والبريطانية في ذلك.
ولهذا، فإن أمريكا والدول الغربية تجاهلت عبور البحر الأحمر خلال العدوان على إيران، متخوفة من القدرات العسكرية اليمنية التي كانت درساً مذهلاً، أصيبت البحرية الأمريكية بالخيبة بسببه، وجعلها تفكر ألف مرة في الدخول في معركة بحرية جديدة مع اليمن.
وفي هذا يقول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في خطابه الأخير الخميس الماضي: “إن من أهم نتائج جبهة اليمن تتمثل في منع العدو الإسرائيلي والأمريكي من الاستخدام العسكري للبحر الأحمر في الأعمال العدائية ضد إيران ودول المحور”.
ويعزز درس البحر الأحمر هذه الشكوك، فقد أنفقت الولايات المتحدة وشركاؤها أكثر من مليار دولار في العدوان على اليمن، وأسقط
وفي هرمز، تبدو المهمة أكثر تعقيداً، لا سيما أن منطقة الخطر فيه أكبر بخمسة أضعاف من باب المندب، وأن الخصم الإيراني أكثر تمرساً وتسليحاً، لذلك لا تبدو المشكلة في إرسال المزيد من السفن فقط، وإنما في القدرة على حماية ممر أوسع وأكثر حساسية واستراتيجية في الوقت نفسه.
لقد كشفت أزمة مضيق هرمز عن هشاشة الاعتماد الدولي على أمريكا في تأمين الممرات المائية، في وقت أظهرت فيه قدرة الدول على توظيف هذه الممرات لصالحها، ولا سيما عندما تتعرض لتهديدات عسكرية أو غزو من الخارج، ومن المناسب أن يفكر اليمن جدياً بالتجربة الإيرانية وتطبيقها على مضيق باب المندب، وخاصة أن تحالف العدوان الأمريكي السعودي لا يريد الخروج من اليمن رغم مرور 11 سنة، في حين لا تجد المملكة رغبة في السلام ودفع فاتورة حربها على اليمن.
