واشنطن تلجأ لبطولات هوليود لتبرير فشل “أعظم عملية إنقاذ” أمريكية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 أبريل 2026مـ – 20 شوال 1447هـ

تقرير|| يحيى الشامي

شاهدناهم في السينما آلاف المرات: أبطال أمريكيون خارقون يهبطون في قلب الخطر، يقتحمون المستحيل، وينقذون الرفاق من فك العدو في عرض بطولي لا يُضاهى. إنها الرواية الأمريكية، محكمة الحبكة، دائمة الانتصار، تتغذى على الأساطير الهوليوودية لتصنع وعيًا زائفًا بـ”القوة التي لا تُقهر”. لكن ماذا لو تصدعت هذه الرواية؟ ماذا لو تحولت “واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ جرأة وتعقيدًا” في تاريخ العمليات الخاصة الأمريكية إلى كابوسٍ من الحطام والخسائر، وفضيحة إعلامية كشفت حجم التضليل وحقيقة العجز؟

من صحراء أصفهان، حيث تتناثر بقايا الطائرات الأمريكية ومروحياتها، لا تزال أصداء “الجمعة السوداء” و”الأحد الدامي” تتردد، لتكشف كيف أن “مسؤولين كباراً” في واشنطن اضطروا لتقديم قصة “إبرة في كومة قش” يائسة، وحملة تضليل من وكالة الاستخبارات المركزية، في محاولة بائسة لتغطية هزيمة استراتيجية، “الإنترسبت” تصفها -ساخرةً- بـ”بلاك هوك داون”، والصحف الغربية الكبرى تتساءل عن “أزمة الرواية الأمريكية”، وعن تعاظم القوة الإيرانية.

في عالمٍ تسيطر فيه السرديات وتتحكم بالرأي العام، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية -مستعينة بترسانتها الإعلامية الهوليوودية الضخمة- أن تصوغ لنفسها بطولات وهمية، وتحولات درامية على غرار أفلام الأكشن، لكنّ التاريخ -بسجله الدقيق- لا يرحم أو يُجامل. وفي جبال أصفهان، حيث تناثر حطام الأساطير الأمريكية، كُتب فصل جديد يذكر بحطام صحراء “طبس” بالأمس، مذكراً أن الفارق شاسع بين أفلام سوبرمان الخيالية التي استوحى الأمريكي سرديته من وحيها وبين معارك الحقيقة التي تفرضها قوة الفعل الإيراني. تلك الحادثة، التي وصفتها واشنطن بـ “واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ جرأة وتعقيدًا” في تاريخ العمليات الخاصة الأمريكية، ما هي -في الرواية الإيرانية- إلا دليلٌ جديد على حجم الخسارة الأمريكية وتهاوي سمعتها ومكانتها التي لا تعوّض، “وبغض النظر عن محاولات ترامب تغليف الإخفاق بمسحةٍ هوليوودية، بمنشوراته الرمزية المواكبة والمشاركة في عملية التضليل، فإن صور الحطام في أصفهان تفرضُ حقيقةً لا تُخطئها عين التاريخ: حطام الطائرات هنا في أصفهان يذكر بحطام صحراء طبس بالأمس، ومحنة ترمب اليوم لا تقل عن مصيبة جيمي كارتر في حينه، ولن تعود أمريكا عظيمة كما تمنى وسعى ترمب”.

جمعة سلاح الجو الأمريكي السوداء
لم يكن الثالث من أبريل مجرد طلعاتٍ في سماء إيران، بل كان “الجمعةَ السوداء” لسلاح الجو الأمريكي، ملطخة بدماء طياريه وحطام أساطيره: “ثلاث طائرات حربية مأهولة، و أكثر منها طائرات مسيّرة تجسسية، أسقطتها الدفاعات الجوية الإيرانية بعد ساعات من حديث ترمب عن القضاء على الدفاعات الإيرانية”. في غضون ساعات قليلة، تحولت المهمة الأمريكية من “فرض الهيمنة” إلى “رحلة بحث يائسة” عن طيارين مفقودين، رحلة ارتوت هي الأخرى من دماء الأمريكيين ولحومهم.

بدأت الحكاية بسقوط “الشبح الذي لا يُرى”، الطائرة إف-35 وفق رواية الحرس الثوري، أو “سترايك إيغل إف-15” وفق الرواية الأمريكية التي تعمدت التغيير للتخفيف من وطأة الصدمة، لتعلن بعدها القيادة الأمريكية عن إصابة وسقوط “خنزير الجو فاندبولت إيه-10” قرب مضيق هرمز المغلق. أُسدل الستار على فصول التفوق المزعوم، وبدأت رحلة الذل، استدعت القيادة العسكرية الأمريكية طائرات “البلاك هوك” للبحث، بينما على الأرض تَدافَع رجالُ إيران (فلاحون ورجال قبائل) إلى جانب البسيج والحرس والجيش، يدافعون عن أرضهم، ويشتبكون ببنادقهم مع المروحيات غير المرحب بها التي استمرّت حتى يوم الأحد. لقد أدركت واشنطن أن الأمر لم يعد مجرد بحث سهل، بل معركة وجودية على أرضٍ تعرف كيف تكسر شوكة الغزاة. “ومع أن الأمريكي تحفظ على كثير من تفاصيل العملية وخسائره فيها إلا أن الرواية الإيرانية المعززة بالمشاهد فرضت عليه الإقرار بما لا مفر منه من الخسائر”.

“سباق مروع مع الزمن” أم مسرحية هوليوودية فاشلة؟
لم ينتهِ المشهد عند هذا الحد، أمام فشل مهام البحث الأولى، اضطرت واشنطن لاستدعاء طائرات أخرى متخصصة بالإنقاذ، مثل (HC-130J) التي ذكرتها تقارير ملاحية وأكدتها لاحقاً التقارير الأمريكية، وكما تهكّم قاليباف: “تحولت هذه الحرب من تغيير النظام إلى رحلة البحث عن طيارين”. تلك الرحلة التي وصفتها الصحافة الأمريكية بـ”سباق حياة أو موت” دامت يومين، وشارك فيها نحو 100 عنصر من القوات الخاصة وطائرات متعددة والاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، في مسعى يائس للوصول إلى الملاح الجوي الجريح.

كان هذا “أسوأ سيناريو ممكن للبنتاغون”، كما أكد خبراء عسكريون لصحيفة وول ستريت جورنال، فـ “وقوع الطيار في الأسر كان سيمنح إيران ورقة دعائية هائلة وأداة ضغط حاسمة في خضم الحرب”. لذا، لجأت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) إلى “حملة تضليل” مكثفة، نشرت من خلالها معلومات مضللة داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية عثرت بالفعل على الطيار، وبدأت بنقله براً خارج البلاد. هذه الخدعة، وإن وصفتها بوليتيكو بأنها منحت القوات الخاصة الأمريكية “وقتاً ثميناً” في البحث عن “إبرة في كومة قش”، إلا أن “ذا إنترسبت” لم تُسْلِمها من التهكم على هذا الوصف، متسائلة: “مهمة قصوى للعثور على إبرة في كومة قش؟!” وساخرة من الترديد الإعلامي الأعمى لنفس العبارة التي نسبتها إلى “مسؤول كبير مجهول في الإدارة، وجاء في طليعة تقرير “ذا إنترسبت”: لقد روى الجميع نفس القصة بالضبط في نفس الوقت بالضبط، واعتمدوا جميعاً على نفس الكاذبين الذين أوقعونا في هذه الفوضى.

وبالفعل فالساخر في الأمر أن وصف “المهمة القصوى للعثور على إبرة في كومة قش” الذي تكرر في “نيويورك تايمز” و”أكسيوس” و”سي بي إس نيوز”، هو مجرد محاولة لإضفاء طابع بطولي على فشل ذريع، بينما الواقع يكشف عن قلق أمريكي عميق.

“أمضى الطيار أكثر من 24 ساعة متخفياً، وقطع مسافة شاقة سيراً على الأقدام حتى وصل إلى سلسلة جبلية بارتفاع 7 آلاف قدم، ليختبئ داخل أحد الشقوق الصخرية العميقة”، هذا السيناريو الذي تبناه المجنون ترمب ووزير حربه، والذي حاولت واشنطن تقديمه كدليل على “صلابة الطيار” و”تفوق القوات الأمريكية” حسب ترامب، ما هو في حقيقته إلا شهادة على الفشل الذريع في حماية أجواء قواتها، وإجبارها على اللجوء إلى حيل استخباراتية مكشوفة لإدارة أزمة وجودية، “وحتى وكالة أسوشيتد برس استُدرجت لفخ البروباغندا الأمريكية حين وصفت المهمة بأنها ‘عملية إنقاذ جريئة’، كما أفادت عدة وسائل إعلام أنه عندما تمكن الطيار، أرسل عبر اللاسلكي عبارة ‘الله طيب’ قبيل أحد الفصح مباشرة — وهي نقطة درامية قد تجعل حتى متابعي مسلسل ’24’ يتأففون.” كما جاء في التعليق الساخر من “ذا إنترسبت” يختصر الكثير عن طبيعة السردية التي حاولت واشنطن ترويجها، بشكل لم يراعِ مشاعر المتلقي أو يحترم وعيه.

الخسارة الباهظة
مع كل هذا التحضير والتجهيز الاستخباراتي، وتجنب كبريات الصحف الأمريكية التحدث عن فشل أول محاولتين لاستخراج الجندي، لم تستطع وول ستريت جورنال إلا أن تشير إشارةً عابرةً إلى الكلفة الباهظة. ففي المحاولة الأولى أصابت إيران مروحيتين أمريكيتين أثناء اقترابهما من موقع الهدف، ما أدى لإصابة الطاقمين وانسحابهما لتلقي العلاج. وفي المحاولة الثانية واجهت القوات الأمريكية “مشكلة من نوع مختلف تماماً”، إذ هبطت طائرتان من “طراز إم سي-130 جيه” في قاعدة مؤقتة داخل إيران، “لكن المفاجأة كانت أن عجلاتهما الأمامية غرقت في الأرض، ما جعلهما غير قادرتين على الإقلاع مجدداً”.

بمشهد ومجموعة صور نشرها الحرس الثوري تروي -بكل تواضعٍ- بطولاتِ المجاهد الإيراني في التصدي والاشتباك مع الأمريكي تتبدد كل الأوهام الهوليوودية، ووفقاً للرواية الأمريكية اضطرت القوات الأمريكية إلى تدمير معداتها المتروكة، بما في ذلك طائرتان من طراز “إم سي-130 جيه” (تتجاوز قيمة الواحدة 100 مليون دولار) ومروحيتان، لمنع وقوع التكنولوجيا الحساسة في يد إيران، “مع فشل المحاولتين، لجأت القوات الأمريكية إلى خطة طوارئ، حيث أُرسلت 3 طائرات أصغر تَحملُ فرقاً متخصصة للوصول إلى الموقع”. وبصرف النظر عن صحة الرواية الأمريكية فإن حجم الخسائر التي مُني بها تمثل الحد الأدنى الذي لا يمكنه التهرب منه، وهي خسائر مادية تضاف إلى دماء الطيارين وجرحى الجنود الأمريكيين، ليست سوى جزءٍ من فاتورة أثقل: فاتورة سمعة أمريكا ومكانتها، التي وصفها عراقجي بـ”التي لا تعوّض”.

لقد كشف “ذا إنترسبت” -بتهكُّم لاذع- أن “الغياب الكامل لأي تشكك في هذه القصة ذات الطابع الهوليوودي من قِبل وسائل الإعلام السائدة كفيل بأن يُحرج حتى كتّاب برايتبارت”، وأشارت إلى التناقض الصارخ: “قبل يومين فقط من إسقاط الطائرة المقاتلة، كان ترامب يتباهى بأن الضربات الأمريكية تركت إيران ‘من دون أي قدرات مضادة للطائرات’، لكن عملية الإنقاذ الجريئة تقوم في أساسها على حقيقة واضحة جداً، وهي أن إيران لا تزال قادرة تماماً على إسقاط الطائرات الأمريكية”. هذه المفارقة تضع تصريحات ترامب في موضع السخرية، وتكشف حجم التضليل الذي مارسته إدارته.

الرواية الإيرانية “الحقيقة كما هي”
في غمرة تكسر الأجنحة الأمريكية، جاءت الصور المسربة من قاعدة “بيورنج” بالكويت لتقطع -من جديد- شكوك التواجد الأمريكي بيقين ضربات إيران المسددة في قلب القواعد الأمريكية وأصولها العسكرية، “مروحية ‘الشينوك’ (CH-47) مهشّمةً إثر ضربة جراحية أتت على واجهتها، كما فعلت قبل أيام بكسر عمود ‘الأواكس’ الفقري في قاعدة الأمير سلطان في السعودية”. ثم يأتي بعد هذا كله شكاوى دويلات الخليج مما يصفونه بـ”العدوان الإيراني”، وكأنها لم تجنِ على نفسها من الكأس الذي سقت منه سواها.

في هذا السياق أكدت “الغارديان” أن عدوان ترامب على إيران، القائم على “مزيج من الغطرسة والجهل”، تحول إلى “مأزق استراتيجي”، وذكرت في مقالها أن “دول الخليج منشغلة بهجمات إيرانية انتقامية، ومضيق هرمز مغلق، ولا توجد أي بوادر لانهيار النظام”، مضيفة أن “ما يواجهه ترامب هو خصم لا يفهمه لجهله”، وذهبت “نيويورك تايمز” أبعد من ذلك، معلنةً على لسان أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو روبرت إي. بيب أن “حرب ترامب ونتنياهو ضد إيران حولت إيران إلى قوة عالمية مهمة”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تواجه خياراً صعباً بين “الالتزام بجهود طويلة الأمد لإعادة السيطرة على مضيق هرمز، أو قبول نظام عالمي جديد تصبح فيه إيران مركزاً رابعاً للقوة”.

“فايننشال تايمز” هي الأخرى أقرت بأن إيران تنجح في مواصلة حملتها الصاروخية على الكيان ودول الخليج “في ظروف من شأنها عادة أن تشلّ أي جيش حديث”، رغم الهجمات الجوية المستمرة واضطرابات في شبكات الاتصالات، وعمليات اغتيال استهدفت كبار القادة. وخلصت الصحيفة إلى أنه “ورغم ما يدعيه مسؤولون صهاينة وأمريكيون من أن قدرة إيران على إطلاق الصواريخ قد تم تعطيلها بشكل شبه كامل؛ لا تزال طهران تحتفظ بقدرة مستمرة على تنسيق الضربات”، ما يشير -حسب الخبراء- إلى “وجود نظام مصمَّم لتحمل الاستنزاف في زمن الحرب”.

من الواضح أن التجربة الإيرانية أجبرتهم وأخبرت العملية الأخيرة تحديداً أن ثمة فرقاً بين أفلام سوبرمان الهوليوودية ومعاركهم الحقيقية، وأنّ أمريكا -مهما تنمّرت وطغت- لن تعود عظيمة إلا في أعين من لا يقدرون ذواتهم ولا يحترمون وجودهم، وتلك محنة هوية، ولعل في المعركة الجارية من العبر الوازنة ما يعيد للأعراب ثقتهم بأنفسهم، ويذكرهم بأن فاقد الحماية لا يعطيها، وأن بين طبس بالأمس وأصفهان اليوم تتأكد حقيقة واحدة: أمريكا ليست عظيمة، وسقطتها الأخيرة ليست مجرد حطام طائرات، بل حطام لأسطورة كاملة، فبالنسبة لإيران، في كل جولة من جولات المعركة تأكيد على سوء تقدير العدو لقدرة الإيراني على الصمود الأسطوري وقوته التي فرضت نفسها على أكبر قوة عسكرية في العالم. ويبقى أن الحقيقة أقوى من أي سيناريو هوليوودي، وأن “مهندسي حرب العراق” الذين “غطّت وسائل الإعلام التمهيد لهم لحربي العراق وأفغانستان” لم يستفيدوا من دروس التاريخ، والتاريخ هذه المرة تصنعه إيران وقوى المحور على نحو يفرض نفسه، ويَغْلب سردية الأمريكان رغم ضخامتها وسعة قدراتها التضليلية.