المرتكزات الاستراتيجية في خطاب السيد القائد.. قراءة في المبدأ ومعادلات الردع

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
26 مارس 2026مـ – 7 شوال 1447هـ

يمثل خطاب السيد القائد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- لمناسبة “اليوم الوطني للصمود 1447هـ”، مادة دسمة للدراسات التحليلية؛ كونه لا يكتفي بسرد الأحداث، وإنّما يؤسس لمنظومة قيمية وعملياتية تدمج بين الواقعية السياسية والمثالية الإيمانية، تهدف إلى تقويض كل الخطط والمشاريع الصهيونية الأمريكية اليي يشدّد على أنها دخلت مرحلة الانكشاف الكامل ولم تعد بحاجة لجهد استخباراتي لإثباته، بعد أنّ باتت معلنةً في أدبيات العدوّ وتصريحاته حول “تغيير وجه الشرق الأوسط” و”إسرائيل الكبرى”، وغيرها.

السيد القائد يُعيد صياغة تموضع اليمن في قلب المواجهة والصراع الإقليمي والدولي، متجاوزًا حدود الجغرافيا المحلية ليرسخ ملامح مرحلة قديمة جديدة من وحدة الساحات والتحالفات العضوية التي لا تقبل القسمة على الهوامش السياسية أو الصفقات العابرة؛ إذ يجعل من الدفاع عن الذات الوطنية منطلقًا أساسيًّا للتبني الكامل والمباشر لمسؤولية حماية الأمن القومي الإسلامي، واعتبار العدوان على إيران أو أيّ بلد عربي مسلم هو عدوان مباشر على اليمن.

الربط بين المظلومية اليمنية والمظلومية الفلسطينية والعدوان على إيران، يشكّل مثلثًا للصمود ويسعى السيد القائد من خلاله استنهاض الشعوب العربية والإسلامية، محذّرًا من أنّ الصمت والحياد الحالي لن يحمي البلدان العربية، وإنّما سيسهل استباحتها الواحدة تلو الأخرى وفق المخطط الصهيوني الذي لن يستثني أحدًا، من الجزيرة العربية والعراق إلى مصر والأردن وسوريا ولبنان حتى تركيا.

ويمكن سبر أغوار خطاب السيد القائد اليوم الخميس، من خلال أربع مسارات أساسية تشكّل أعمدة الموقف اليمني الراهن:

عسكريًّا؛تجاوز الخطاب لغة التهديد التقليدية ليشيد بـ “الزخم الناري” كمعيار للتقييم الاستراتيجي؛ فتأكيد السيد القائد على قدرة الصواريخ والمسيّرات -في إشارةٍ للرد الإيراني والمحور- على اختراق كافة طبقات الحماية، بدءًا من القواعد الأمريكية وصولاً إلى العمق الصهيوني، يعكس تحولاً في موازين القوى التكنولوجية.

هذا البعد يُشير إلى أن اليمن ينظر للصراع القائم كبيئة عملياتية واحدة تسقط فيها الجغرافيا السياسية أمام المدى المجدي للسلاح، والإشادة بالفاعلية العسكرية الإيرانية هي دعوة للاقتداء وتثبيت لمعادلة أن التفوق الصهيوني الأمريكي في الدفاع الجوي قد تآكل أمام استراتيجية الإغراق الصاروخي وتعدد جبهات الإطلاق؛ ما يجعل القواعد الأمريكية في المنطقة أهدافًا هشة تحت رحمة التطورات القادمة.

سياسيًّا؛يحمل الخطاب إعلانًا صريحًا بموت سياسة الحياد في الصراع الوجودي للأمة، من خلال التأكيد على أن اليمن ليس على الحياد تجاه العدوان على إيران، ويقطع السيد القائد الطريق أمام المحاولات الدولية الرامية لعزل الملف اليمني عن ملفات المنطقة مقابل إغراءات سياسية أو اقتصادية.

الجزم اليمني بـ “عدم الحياد” في المعركة القائمة بين إيران والعدوّ الأمريكي والصهيوني، يمثل إعلانًا رسميًّا بسقوط كل محاولات عزل اليمن عن محيطه الجهادي المقاوم، وهو رد فعل طبيعي واستراتيجي على قاعدة “الوفاء بالوفاء” التي أرساها السيد القائد، مذكّرًا العالم بأن طهران كانت المتضامن الوحيد مع اليمن في ذروة محنته والعدوان عليه على مدى سنوات العدوان الماضية.

وبالتالي فالانحياز اليمني للجمهورية الإسلامية اليوم، هو التزام أخلاقي ومبدئي ينطلق من رؤية قرآنية ترى في اليهود الصهاينة وذراعهم الأمريكي “طاغوت العصر” الذي تجب مواجهته كفعلٍ تعبّدي وجهادي.

والتحليل السياسي لهذا الموقف يظهر أن صنعاء باتت تتحرك كدولة إقليمية وازنة تمتلك قرار الحرب والسلم بناءً على قوة عسكرية وقدرات استراتيجية وتحالفات عضوية وليست تكتيكية، كما أن نقد التورط العربي في الدفاع عن الكيان الصهيوني يهدف إلى تعرية الأنظمة الوظيفية وإعادة تعريف “العالم العربي الكبير” من منظور شعبي مقاوم، بدلاً من “الشرق الأوسط الجديد” الذي تروج له واشنطن لدمج (إسرائيل) في المنطقة.

فكريًّا؛يمثل البعد الديني المحرك الأساسي في خطاب السيد القائد؛ فالمواجهة لا توصف بصراع حدود أو مصالح، وإنّما كـ “واجب إسلامي في الجهاد ضد طاغوت العصر”، واستخدام مصطلح “طاغوت” و”المخطط الشيطاني” يمنح المعركة طابعًا قدسيًّا غير قابل للمساومة، وهو ما يفسر جملة “لا تقبل الصفقات السياسية”.

هذه المرجعية الدينية تعمل على صبغ الموقف العسكري، بحيث يصبح الجهاد فعلاً تعبديًّا والارتقاء في المعركة فوزًا عظيمًا، وربط الهوية الإيمانية بالفاعلية العسكرية يخلق مقاتلاً لا يخضع للحسابات المادية التقليدية، وهو ما يمثل أكبر تحدٍ لمراكز الدراسات الغربية والأمريكية التي تحاول فهم سر الصمود اليمني الأسطوري رغم فارق الإمكانات.

وفيما يتعلق بجبهة الوعي والبصيرة، ركز الخطاب على مفهوم “الانكشاف التاريخي”؛ إذ يرى السيد القائد أنّ المخطط الصهيوني الذي كان يُدار في الغرف المغلقة بات اليوم معلنًا في الأدبيات السياسية والعسكرية للعدوّ.

السيد القائد هُنـا يتجه نحو تحصين العقل الجمعي للأمة ضد التضليل الإعلامي، ويستهدف تحويل الوعي بالخطر الصهيوني من وعي نخبوي إلى وعي شعبي عام، محذّرًا من أن استهداف إيران أو غزة أو بيروت هو مقدمة لاستهداف مكة والمدينة والقاهرة وبغداد.

لذا فإنّ معركة الوعي في خطاب السيد القائد تهدف إلى خلق حالة استنفار فكري تسبق الاستنفار العسكري، لضمان استدامة المواجهة حتى تحقيق النصر الموعود القائم على الإيمان الراسخ والتمسك بالحق والتوكل على الله.

خلاصة خطاب السيد القائد، تكرس اليمن كقوةٍ سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها في أيّة ترتيبات إقليمية أو دولية، وهو خطاب اللاعودة إلى مربعات التبعية والوصاية، وخطاب الالتحام الكامل مع محور الجهاد والمقاومة والأمة جمعاء، حيث تذوب الخصوصيات الوطنية لصالح المصلحة الكبرى للأمة الإسلامية؛ ممّا يضع العدو الصهيوأمريكي أمام جبهة صلبة تمتد من صنعاء إلى طهران، مرورًا بغزة وبيروت وبغداد ودمشق.