حكاية أم إيرانية وسجدة الشكر التي هزت عروش الطواغيت
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
22 مارس 2026مـ – 3 شوال 1447هـ
بين أزقةِ حيٍّ هادئ، تآلفت جدرانه مع حكايا الصبر، مشت خُطى ثقيلة يحمل أصحابها أمانةً تنوءُ بها الجبال. كانوا كبار القادة، ببدلاتهم العسكرية الرسمية التي يعرفها ميدان المواجهة، يقصدون باباً يعرفه الله جيداً، ويعرف من يسكنون خلفه اللهَ كل المعرفة.
خلف ذلك الباب، كانت تقف امرأةٌ غزلَ الزمانُ من شيبها خيوط كرامة، وقلبها يرتلُ آياتِ التسليم منذ أن ودعت فلذة كبدها بابتسامة الرضا، ودعوات النصر وقبول القربان، والفوز بفضل الله العظيم وتجارتها الرابحة؛ مدركةً أنَّ المسار الذي سلكه ولدها هو الطريق الوحيد نحو العزة والكرامة والمجد.
عندما قرعوا الباب، ساد صمتٌ مهيب، وقف القادة بوقارهم المعهود، تسبقهم نظراتُ الإجلال لهذه السيدة التي تختصر تاريخاً من الصمود، والتربية على النهج القرآني المقاوم.
دخلوا الباب وجلسوا على “أرائك” المجلس، يلتفتُ كلٌّ منهم إلى الآخر، ليبدأ أحدهم بكسر الصمت والرد على الترحيب، والجواب عما يريدون.
نطق أحدهم بالخبر الذي يرتعد له الوجدان، ودموعه على خده تسبق الحروف المتناثرة من فمه: “لقد ارتقى ولدكِ شهيداً في سبيل الله”.
في تلك اللحظة، توقف الزمن، وشخصت الأبصار، توقع الحاضرون أن تفيض مآقي الأم بدموع الفقد، والصراخ، ولطم الخدود، لكن المشهد الذي تجلى أذهل العقول وحيّر القلوب.
بسكينةٍ استمدتها من محراب السيدة زينب (عليها السلام)، وبثباتٍ يضاهي رواسي الأرض، خرت تلك الأم ساجدةً لله.
كانت سجدة شكرٍ عميقة، التصق فيها جبينها بالأرض لتعلن عالياً أن التضحية جسرٌ نحو النصر، والفلاح في الدارين.
وبهذه السجدة قدمت الأم المحتسبة لربها “بياناً ثورياً” وفهماً دقيقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
إن الصمود الإيراني اليوم ليس غريباً على أمةٍ تنهل من القرآن الكريم، وعترة آل البيت (عليهم السلام)، ونهج الأنبياء والمرسلين؛ فكرها ودينها، وزكاء نفسها.
ففي مشهد نبي الله إبراهيم (عليه السلام) وهو يجسد قمة التسليم حين همَّ بتقريب ابنه إسماعيل قرباناً لله، ليأتيه الرد الصادق من ابنه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}؛ تقتفي الأم الإيرانية نهجها على ذات الدرب.
وهذا الإرث من “البيع والشراء مع الله” هو ما جعل هذه الأم ترى في شهادة ابنها فوزاً عظيماً، مستحضرةً قول الحق: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}.
لقد تحولت الغرفة الصغيرة إلى امتدادٍ لساحة كربلاء، حيث وقف الإمام الحسين (عليه السلام) في وجه الطغيان ليصون كرامة الإنسان، متمثلاً قول الله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}، مقدماً ابنه الصغير المطعون برمح جيش يزيد الملعون نحو السماء، وهو يهتف: “اللهم إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى”؛ فكان الجهاد والاستشهاد ولا يزال رحمةً وبناءً لإنقاذ الأمة من بطش الجبابرة والمجرمين.
إن ارتباط الشعب الإيراني المسلم بـ “ثقافة الشهادة” بات اليوم جزءاً من هويته الوجودية، حيث يرى في التضحية صوناً للمقدسات.
وهذا الصمود الأسطوري أضحى مدرسةً عالمية تلهم كل الأمهات ونساء محور المقاومة؛ عظمة الولاء لله ولرسوله وللذين آمنوا.
وعلى ذات النهج الفاطمي المقدس، نرى ذات المشهد منذ عقدٍ من الزمن يتكرر في اليمن، ومنذ عقودٍ في لبنان حزب الله، وغزة فلسطين الصابرة المجاهدة؛ أمهاتٍ يستقبلن أبناءهن بالزغاريد والحمد.
أمهاتٌ كهذه الأم يدركن أن هذه هي “التجارة المنجية” التي ذكرها الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}. رأى القادة في انحناءة تلك الأم، وسمو روحها المطمئنة، شموخاً لا ينكسر؛ فهي “المرأة الفاطمية” التي تدرك أن دماء الشهداء هي الضمانة لحرية الشعوب.
وإن سجدتها كانت إعلاناً للانتصار الروحي، وتجسيداً للثقة بوعد الله وأنه مع الصابرين: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.
فهنيئاً لهذا الشعب الإيراني المسلم المجاهد العظيم، مثل هذه الأم التي حوّلت الموت إلى حياة، والحزن إلى سجدة شكر، مصداقاً لقوله سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
قصة هذه الأم رسالة لكل الأحرار: أن الشعوب التي تعشق الشهادة لا يمكن أن تُهزم، وأن دماء الأبطال هي القربان الذي يُقرب الأمة من نصرها الموعود، مصداقاً لقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.
فهنا عظمةُ الإيمان التي تجعلُ من الفقدِ مكسباً، ومن الألمِ طريقاً نحو العزة والفلاح في الدنيا، والخلود الأبدي في جنات النعيم يوم الحساب.
