منشآت الطاقة في الخليج بين السيادة الوطنية والهيمنة الأمريكية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 فبراير 2026مـ – 2 شوال 1447هـ

تقرير || علي الدرواني

قبل دخول الحرب العدوانية التي تشنها أمريكا والكيان الإسرائيلي أسبوعها الرابع، استهدف الكيان الصهيوني -بتنسيق كامل مع واشنطن- منشآت الغاز والطاقة الحيوية في إيران. هذا العدوان وضع المنطقة أمام سيناريو الرد الشامل الذي طالما حذرت منه طهران، مؤكدة أن أي استهداف لمواردها النفطية والغازية سيقابله رد مباشر يطال منشآت الطاقة التابعة لدول العدوان في المنطقة.

التهديد الإيراني لم يكن ليستهدف الأصول الخليجية بمفهومها الوطني بقدر ما يصوب بدقةٍ نحو السيادة الاقتصادية الأمريكية في تلك المنشآت، والمتمثلة في عمالقة النفط والغاز المقيمين في هذه الحقول، فمن زاوية معينة تعد منشآت الطاقة تلك -في جوهرها- قواعد اقتصادية أمريكية، وإن كانت بلافتات محلية؛ حيث تدير شركات (مثل إكسون موبيل وشيفرون وهاليبرتون) مفاصل الإنتاج والتحويل التقني، وتتدفق أرباحها بمليارات الدولارات لتغذية النظام المصرفي في واشنطن ونيويورك.

من هنا -وحسب رؤية طهران- فإن وضع تلك المنشآت في بنك الأهداف هو في الحقيقة استهداف للذراع المالية والعصب الاقتصادي للولايات المتحدة في المنطقة. هذه المعطيات تقدم تفسيرا منطقيا لتحول هذه الشراكات الاستثمارية من ضمانة للأمن إلى مصدر مخاطر، وبالتالي إلى هدف استراتيجي.

الصورة المكبرة لتواجد الشركات الأمريكية في قطاع النفط الخليجي
تتجلى في الهيكلية التشغيلية لقطاع الطاقة صورة تثير التساؤل حول السيادة التشغيلية، فعلى الرغم من الصبغة الوطنية التي تحملها أسماء شركات النفط والغاز في دول الخليج، إلا أن الواقع الهيكلي يكشف عن هيمنة أمريكية ضاربة في عمق جذور تلك الشركات. فمن الناحية الاستثمارية تظل الشركات الأمريكية الكبرى والمصارف العالمية هي المحرك الفعلي لتمويل وتطوير الحقول العملاقة، ما يجعل العوائد المالية الضخمة تصب في نهاية المطاف في النظام المصرفي الأمريكي عبر تدوير “البترودولار” والاستثمارات السيادية الموجهة لخدمة الاقتصاد الغربي، بينما يقتصر الدور المحلي على إدارة النفقات التشغيلية وصرف الرواتب.

إحصائيات القوى العاملة الأمريكية في المنطقة
أما على الصعيد البشري والتقني، فتظل الوظائف الهندسية الكبرى، ومراكز التخطيط الاستراتيجي، وإدارة التكنولوجيا الحيوية حكراً على الخبرات الأمريكية، حيث يشغل المهندسون والمستشارون القادمون من وراء المحيط مفاصل القرار الفني، ما يجعل هذه المنشآت -الوطنية في جوهرها- امتداداً تقنياً واقتصادياً للمصالح الأمريكية، تعمل بأيادٍ وعقول دولية تحت لافتات محلية.

فعلى سبيل المثال، تشير بيانات التعداد والتقارير العمالية لعام 2022 وما تلاها إلى وجود أكثر من 20,000 مواطن أمريكي مقيم في السعودية، يعمل جزء كبير منهم لا يقل عن 5,000 إلى 7,000 بشكل مباشر في أرامكو والشركات المساندة لها (مثل هاليبرتون وشلمبرجير) والمشاريع الهندسية الكبرى.

لا يختلف الحال في الإمارات، حيث يقدر أن عدد الأمريكيين المقيمين في الإمارات بنحو 50,000 إلى 60,000 شخص.. حوالي 10% إلى 15% من هذا العدد ما بين 5,000 إلى 9,000 خبير يعملون مباشرة في أنشطة مرتبطة بالنفط والغاز، سواء في شركة أدنوك (ADNOC) أو عبر شركات الخدمات الأمريكية العملاقة مثل SLB شلمبرجير سابقاً وHalliburton.

وفي قطر يصل عدد الأمريكيين إلى نحو 15,000 إلى 20,000 شخص، ولكن نظرا لصغر مساحة البلد وتركيز اقتصادها الكلي على الغاز، فإن نسبة كبيرة جداً من الجالية الأمريكية تصل إلى 40% مرتبطة بقطاع الطاقة. يُقدر عددهم بنحو 6,000 إلى 8,000 خبير ومهندس.

أبرز الشركات التي تعمل في قطاع النفط السعودي:
شركات الإنتاج الأمريكية:

تتحرك شركات الإنتاج والتكرير الأمريكية الكبرى في قطاع الطاقة السعودي كأذرع تشغيلية واستثمارية لا تملك الحقول سيادياً، لكنها تسيطر على مفاصل القيمة المضافة وعمليات الإدارة والتقنية. وتتصدر إكسون موبيل بقيمة سوقية تبلغ 670 مليار دولار، وهو بهذا المشهد شريك تاريخي في مجمعات التكرير والبتروكيماويات العملاقة مثل “يانبت” و”سامرف”، حيث تساهم هذه الأصول بتقديرات تتراوح بين 5% إلى 8% من صافي أرباح قطاع التكرير العالمي للشركة. ومن جانبها، تبرز شيفرون بقيمة سوقية تبلغ 390 مليار دولار كلاعب استراتيجي فريد، فهي الشركة الأمريكية الوحيدة التي تدير عمليات إنتاج مباشرة في “المنطقة المقسومة” بحقل “الوفرة”، وهو ما يرفد ميزانيتها بمليارات الدولارات سنوياً، حيث يمثل إنتاج هذا الحقل ما بين 2% إلى 4% من إجمالي إنتاج شيفرون العالمي. أما كونوكو فيليبس بقيمة سوقية تبلغ 152 مليار دولار، فتركز ثقلها على تكنولوجيا الغاز الطبيعي والمسال والمشاريع المشتركة، محققةً مئات الملايين من الدولارات كأرباح صافية من “هوامش التكرير” ورسوم التراخيص التقنية الحصرية. وفي المحصلة، فإن هذه الشركات تعتمد في ربحيتها على “كفاءة التحويل” الصناعي، حيث يتم تدوير ما يقرب من 30% إلى 40% من تدفقاتها النقدية الناتجة عن هذه الشراكات كأرباح لمستثمريها في الأسواق الأمريكية، ما يجعل المنشآت النفطية الخليجية مغذياً حيوياً للمَحافظ الاستثمارية في الولايات المتحدة تحت غطاءٍ من التعاون الفني المشترك.

شركات الخدمات النفطية

هذه الشركات هي التي تدير عمليات الحفر وصيانة الآبار في الحقول السعودية، وعلى رأسها شركة إس إل بي، شلمبرجير سابقاً ، والتي تقدر قيمتها السوقية بحوالي 68 مليار دولار، تعتبر أكبر مقدم خدمات لأرامكو، وتدير رقمنة الحقول وتقنيات الحفر العميق. وتأتي بعدها شركة هاليبرتون، والتي تهيمن على خدمات إكمال الآبار والتكسير الهيدروليكي، وتعتبر السعودية من أكبر أسواقها الدولية خارج أمريكا، وتصل قيمتها السوقية إلى حوالي 30 مليار دولار.

تحصل شركات مثل (SLB) وهاليبرتون على عقود سنوية من أرامكو تُقدر بـ مليارات الدولارات. على سبيل المثال، يمثل السوق السعودي وحده ما بين 10% إلى 15% من إجمالي الإيرادات الدولية لهذه الشركات.

بالنسبة لإكسون موبيل وشيفرون، فإن أرباحهما تأتي من “هوامش التكرير” وحصص الإنتاج في المناطق المشتركة. تصل أرباح هذه الشركات من عملياتها المرتبطة بالسعودية إلى المليارات من الدولارات سنوياً، حسب أسعار النفط العالمية.

المبررات المنطقية للاستهداف الإيراني
تشكل هذه الهيمنة الاستثمارية والتقنية لشركات الطاقة الأمريكية في العمق الخليجي مبرراً جيوسياسياً لطهران لاستهداف هذه المنشآت والرد على العدوان الأمريكي، حيث لا يُنظر إليها في العقيدة العسكرية الإيرانية كـ”مرافق وطنية” سعودية أو إماراتية خالصة، بل قواعد اقتصادية أمريكية، فمن وجهة النظر الإيرانية، يمثل استهداف هذه المصافي وحقول الغاز ضربة مباشرة لتدفقات الأرباح التي تغذي البنوك والمحافظ الاستثمارية في وول ستريت، وتعطيلاً لآلية البترودولار التي تمنح واشنطن نفوذاً مالياً عالمياً.

لذا، فإن العمليات العسكرية التي طالت رأس لفان الصناعية الهدف الاستراتيجي كونها تضم مجمعات إسالة الغاز العملاقة، والشراكات الكبرى مع إكسون موبيل وكونوكو فيليبس. واستهداف هذه المنطقة يمثل ضربة مباشرة للاستثمارات الأمريكية في حقل الشمال، وكذلك مجمع سامرف (ينبع) وهو المجمع المشترك مع شركة إكسون موبيل الأمريكية، ولا يختلف الأمر مع مصفاة ميناء عبدالله، التي وقعت عقود تطوير ضخمة مع شركات نفطية أمريكية مثل شركة إل إس بي، وشركة بيكر هيوز.

ولهذا تنظر إليها طهران على أنها في جوهرها استهداف للذراع الاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة؛ فالإيرانيون يدركون أن تعطيل الإنتاج في حقل الوفرة الذي تديره شيفرون، أو شل حركة التكنولوجيا التي توفرها هاليبرتون، يضغط مباشرة على صانع القرار في واشنطن عبر تهديد مصالح كبريات الشركات الأمريكية، وهو ما يحول هذه المنشآت إلى ساحة اشتباك بين القوة الأمريكية المعتمدة على هذه الموارد والردود الإيرانية الساعية لتقويض هذا النفوذ.