السيد القائد في المحاضرة الرمضانية الـ١٨ يحث على أهمية الدروس الأخلاقية والتربوية والعملية من قصة موسى ويؤكد حاجة الأمة إليها للنهوض بالمسؤوليات
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
8 مارس 2026مـ – 19 رمضان 1447هـ
قدم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي_ يحفظه الله _شرحاً تفصيلياً لجزء من قصة نبي الله موسى _عليه السلام _ في محطة ما بعد وصوله إلى مدين، مشدداً على العديد من الدروس الأخلاقية والقيمية الإيمانية العظيمة، التي يجب الاستفادة منها على المستوى التربوي، والعملي، والإداري، والقيام بالمسؤوليات الخاصة والعامة، وأهمية تنمية قيم الإحسان والحياء والقوة والأمانة وعلاقتها بالعمل والعقود والمعاملات والعدل في هذه المرحلة.
وبين السيد القائد في المحاضرة الرمضانية الثامنة عشرة، على ضوء الآيات القرآنية المباركة من سورة القصص، كيف تغيرت الأمور لصالح موسى عليه السلام، ووفرت له المتغيرات ما يحتاجه من الأمن والسكن والعيش والعمل والزواج.
وقال: “بعد عودة الفتاتين في وقت مبكر إلى أبيهما ومنزلهما على خلاف العادة، تساءل الشيخ الصالح الذي يتحلى بمكارم الأخلاق: كيف كان ذلك؟ وكيف كافأ موسى عليه السلام على معروفه؟ وكيف هيأ الله لموسى استجابة دعائه حين تولى إلى الظل وهو بتلك الوضعية، والتجأ إلى الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}، فاستجاب الله دعاءه وهيأ له الرعاية الكاملة، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء”.
ركيزة الحياء في علاقة الإنسان بالله وبالناس
كما جدد التذكير بأهمية الخلق الكريم العظيم المتمثل في الحياء الذي كانت عليه الفتاتان، وأن خلق الحياء الذي ورد في الآية يتفاوت مستوى التحلي به بين الناس؛ فمنهم من هو عظيم الحياء كثير الحياء، وهذا الخلق الكريم متأصل فيه وهو على درجة عالية فيه، يبرز في سلوكياته، في أعماله، في تصرفاته، في أقواله، وفي معاملاته مع الناس، ومن قد يكون حاله في هذا الأمر بمستوى أقل، أو من هو قليل الحياء.
وأكد السيد القائد على أن الحياء مهم جداً في علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وكيف يوقر الله ويعظمه ويستشعر عظيم نعمته عليه، فيستحيي من الله من أي عمل أو تصرف مسيء، وأن لذلك أثره على علاقته بالله من خلال استقامته وتقواه وحذره من المعاصي والجرائم والرذائل والمفاسد ومن كل الأمور المعيبة.
وقال: “لأن الإنسان الذي يستحي هو أيضاً يحذر من الأمور التي يُعاب الإنسان بها، وتخدش في كرامة الإنسان كإنسان، وفي كرامته كمؤمن، وفي قيمه كمؤمن، وفي التزاماته ومواصفاته كمؤمن؛ فالحياء هو خلق عظيم كريم يجمع من مكارم الأخلاق الكثير، ومن المبادئ والقيم والمعارف التي تجعل الإنسان فعلاً يشعر بالحياء في نفسه وفي وجدانه”.
وعرّف الحياء بأنه شعور وإحساس في أعماق نفس الإنسان يتجلى على محياه وفي شكله وتعامله واهتمامه والتزامه في كلامه وغير ذلك، والحياء من الإيمان، مذكراً بالحديث النبوي الشريف: “الحياء من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له”، وكذلك حديث: “إن الله يحب الحيي الحليم العفيف المتعفف، ويبغض البذيء الفاحش الملحّ”، وحديث: “لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء”.
وأشار إلى أن في مقدمة ما يتصف به أنبياء الله ورسله أنهم على مستوى عظيم من الحياء، ومرتبتهم فيه عالية جداً، قائلاً: “ولهذا نقرأ في القرآن الكريم فيما يتعلق برسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، كيف كان عظيم الحياء إلى درجة أنه كان يستحيي من بقية المسلمين أكثر من حيائهم منه، وفي حيائه بلغ إلى درجة أن الله يتدخل في بعض الأمور لتأديب المسلمين آنذاك في تعاملهم مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؛ لحياء النبي من أن يكلمهم حول بعض الأمور المتعلقة بالتعامل معهم”.
واستشهد بقوله سبحانه: {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}، متبعاً: “يعني بلغ به الحياء مراتب عالية جداً، فالحياء هو خلق رفيع وكريم وعظيم من مكارم الأخلاق، والإنسان كلما زاد حياؤه كلما ارتقى في أخلاقه وسما إلى درجة أن يتورع عن الكثير من الأمور التي ليست في عداد الرذائل أو في عداد المعاصي والذنوب، لكنها تنتقص من مروءته ومن قدره ومن مستوى أخلاقه، ولها علاقة مثلاً بما يتعلق بكرمه وشرفه الرفيع إلى غير ذلك”.
وأضاف: “يعني دائرة الحياء تشمل بالدرجة الأولى والأساسية التورع وانعدام الجرأة تجاه المعاصي والرذائل والمفاسد والذنوب، وتمتد لتشمل التصرفات التي تنقص من قيم الإنسان ومن مستوى أخلاقياته، ومن مستوى ما يتصف به كإنسان يتحلى بعظيم القيم ورفيع الأخلاق”. وتابع: “البعض من الأمور يُستحيى منها لأنها تنقص بهذا المستوى، إن لم تكن في مستوى الذنوب أو المعاصي أو الرذائل أو المفاسد، وقد يُعاب الإنسان ببعض الأمور التي فيها نقص من قيمه ومن مستوى أخلاقه وإن لم تصل بعد إلى درجة الذنوب أو المعاصي؛ فالحياء خلق رفيع وعظيم مهم للرجال وللنساء”.
المرأة والحياء
وشدد على عظمة وأهمية الحياء، وأنه من أهم المميزات للمرأة في سلوكها وتعاملها ومستوى حشمتها وطريقة حركتها ومشيتها، فهي تمشي على استحياء، وأن هذا الخلق المهم يجمع مجموعة من مكارم الأخلاق.
وتطرق إلى ما كان عليه الشيخ الصالح والد الفتاتين من مكارم الأخلاق، واهتمامه بالمكافأة عليه، مؤكداً أن من مكارم الأخلاق المهمة في القصص القرآني: التقدير للمعروف والمكافأة عليه، وأن من مروءة الرجل ومن كرم أخلاقه أن يقدر المعروف وأن يكافئ عليه، وأن المعروف شهامة وقيم عظيمة.
وانتقل السيد القائد يحفظه الله إلى قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، قائلاً: “بعد ذلك، وفيما نبي الله موسى عليه السلام ضيف عند ذلك الشيخ الصالح ليكافئه على معروفه، وفي تلك الأثناء اقترحت ابنة الشيخ الصالح (إحدى ابنتيه) مقترحاً مهماً لأبيها، وبادرت إلى هذا المقترح في قوله سبحانه: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، أي بادرت إحدى ابنتي الشيخ صالح بهذا المقترح لأبيها بالاستئجار لموسى عليه السلام للعمل معه أجيراً خاصاً”.
وأردف: “بناءً على تقييم دقيق ومعيار صحيح من جهتها، بفطنتها ووعيها، عرفت عن موسى عليه السلام صفات عظيمة ومهمة أثناء مبادرته للسقي لهما واهتمامه بأمرهما، وطريقة تعامله معهما أثناء السقي وما بعد ذلك، وحتى حينما ذهبت لإبلاغه الدعوة وذهب معها إلى والدها؛ فالأخبار أنه طلب منها أن يتقدم هو ويمشي قبلها وهي تدله على الطريق من يمين أو يسار إلى غير ذلك حتى تصل إلى منزلهم، فلاحظت هي في تعامله منذ البداية، مع حشمتها وعفتها وصونها لنفسها، لكن بالفطنة وبهداية الله سبحانه وتعالى؛ فتدبير الله وراء كل ذلك، إنما يجري الله الخير على أيدي أهله”.
ولفت إلى أن تلك الفتاة تنبهت لهذه المؤهلات والقيم المهمة جداً حتى أثناء تواجده في منزلهم، موضحاً بقوله: “عادة ما يتضح واقع الإنسان ويبرز في تصرفاته، في طريقة تعامله، في كلامه، وفي أعماله، إذا كان إنساناً جيداً يتصف بمكارم الأخلاق وبقيم معينة”.
القوة والأمانة
في هذا السياق قال السيد القائد: “ولذلك عرفت الفتاة ما هو عليه من المواصفات المهمة، فقدمت لوالدها هذا المقترح المهم الواضح في قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، يعني خير من تستأجره هو من يتصف بهاتين الصفتين: القوة والأمانة، وفعلاً تعتبر هاتان الصفتان من أهم الصفات للمهام والأعمال”.
وبين أن القوة كمفهوم عام يتعلق بأي مهمة هي امتلاك القدرة على القيام بتلك المهمة، وامتلاك القدرة على كل المستويات، وتعني القدرة النفسية والذهنية والبدنية التي تساعد الإنسان على القيام بتلك المهمة المطلوبة منه.
وفيما يتعلق بالأمانة ومفهومها الكامل، أكد أنها من أهم الصفات، وتتعلق بالحفاظ على الأشياء والرعاية لها، وهي ذات أهمية كبيرة جداً باعتبارها أيضاً من القيم الرفيعة والعظيمة والمهمة التي يتحلى بها الإنسان ويلتزم بها في حياته، وهي مهمة للإنسان كإنسان في كل مجالات العمل وفي كل المسؤوليات في هذه الحياة، وذات أهمية كبيرة للنجاح والفلاح باستقامة أمور الناس، للنجاح على المستوى الشخصي والنجاح على المستوى الجماعي؛ لأمة، لدولة، لشعب، لقبيلة، لمنظمة، لمؤسسة، لجمعية.
وأوضح أنه حيثما كانت الأمانة يكون النجاح، فإذا فُقدت الأمانة تكون الخسارة؛ لأن البديل عن الأمانة هو الغش والخيانة، معتبراً غياب الأمانة من أكبر أسباب الخلل والفشل في أي مجال من مجالات العمل، في أي مسؤولية من المسؤوليات، في أي وضع أو مستوى، سواء على مستوى الأسرة أو المسؤولية أو المجتمع، وفي أي نطاق للأمانة الأهمية الكبرى.
وشرح أنه إذا اقترنت القدرة المتكاملة (ذهنية ونفسية وبدنية) للقيام بأي مهمة مطلوبة بالأمانة، تتوفر أهم المعايير للمسؤوليات وأدائها وتحمل القيام بها ونجاحها.
كما قال: “لأهمية الأمانة أتى الحديث عنها في القرآن الكريم ليعنون بها كل مسؤولياتنا في هذه الحياة؛ مسؤولياتنا الدينية، وكل مسؤولياتنا في الأخير هي مسؤوليات دينية، مسؤولياتنا الحقيقية تتعلق بها التزامات من ديننا، من توجيهات الله ومن تعليماته، ومسؤولياتنا في هذه الحياة هي فيما ائتمننا الله عليه مما استخلفنا فيه في هذه الأرض، ولهذا أتى العنوان الكبير للأمانة في القرآن الكريم بتعلقه بمسؤولياتنا في الحياة، فقال الله سبحانه وتعالى ليقدم لنا مثلاً عجيباً عن عظم المسؤولية ومستوى أهميتها؛ قال جل شأنه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}”.
وبين أن الأمانة تتعلق بكل ما ائتمننا الله عليه واستخلفنا فيه، في كل مسؤولياتنا في هذه الحياة، وفي كل ما بأيدينا مما مكننا الله فيه واستخلفنا فيه تتعلق به الأمانة، حتى في نفس الإنسان؛ أنت متحمل مسؤولية الأمانة فيما أعطاك الله من حواس: حاسة البصر عليك فيها مسؤولية تتعلق بها أمانة، فلا تستخدم هذه الحاسة التي هي من أعظم نعم الله عليك في الخيانة أو في المعاصي التي لها أضرارها على نفسك، على زكاء نفسك، على أعمالك، على مجتمعك، وعلى الحياة من حولك؛ وكذلك حاسة السمع، نعمة اللسان والبيان، نعمة الجوارح والأعضاء (اليدين والرجلين)، كل هذه الحواس والأعضاء والجوارح التي وهبك الله، والطاقات والقدرات الذهنية والبدنية والنفسية.
وتابع: “حينما منحك الله ذكاءً لا تسخر ذلك وتخون الله فيه فيما فيه معصية، فيما فيه مضار أو مفاسد، وهكذا في غير ذلك؛ يعني ما أودعك الله في نفسك وائتمنك عليه، وما في محيطك بدءاً من محيطك الأسري في مسؤولياتك تجاه ذلك، ثم على نطاق أوسع بحسب مسؤولياتك ودورك في هذه الحياة، هذا كله تتعلق به الأمانة”.
وعن التعامل بين الناس قال يحفظه الله: “في معاملة الناس فيما بينهم، ما يأتمن عليه أي إنسان أياً كان هذا الإنسان، وقد ائتمنك على شيء من ماله أو ممتلكاته أو أي شيء آخر، كيف تتعامل بأمانة ولا تخونه في ذلك؟”، مذكراً بما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من تحذير في هذا الصدد، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، وقوله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له”.
الأمانة والنهوض بالمسؤوليات
وعن أهمية ومقام الأمانة في المسؤوليات العامة، شدد على أنها من أهم قيم المسؤوليات الجهادية، سواء في العمل أو في الإمكانات، محذراً من مخاطر الغش والخيانة كونهما وزراً كبيراً ومن المساوئ الكبرى التي لها آثارها السيئة على الإنسان؛ تدمر زكاء نفسه وقيمه وشرفه وكرامته، وفي نفس الوقت يترتب عليها مشاكل في الحياة، واختلالات رهيبة في حياة الناس وفي العلاقة فيما بينهم، وفي المسؤوليات والأعمال وأدائها، وفي مستقبل الناس وعند الله.
وأشار إلى تركيز تلك الفتاة في مقترحها لأبيها على هذين العنوانين (القوة والأمانة)، وعلى ما هي عليه من حياء ودلالته على التربية الصالحة والنفس الزاكية وما تمتلكه من الفطنة والفهم والوعي، مشدداً على أن هذا ما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة اليوم.
واعتبر أن هذا المقترح كان لمصلحة الطرفين؛ مصلحة تلك الأسرة (الأب وابنتاه)، ولمصلحة موسى عليه السلام أيضاً، لأن ذلك الشيخ الصالح وابنتيه بحاجة فعلاً إلى أجير موثوق يمتلك هاتين الصفتين: القوة والأمانة، بمستوى أن يتولى القيام بشؤون تلك الأسرة الكريمة؛ لأن المسألة فعلاً تتطلب في واقعهما من يقوم بالاهتمام بأمرهما كأسرة، وموسى من جانبه بحاجة إلى أن يتوفر له سكن وظروف معيشية مناسبة في ظل أسرة جيدة، بل حتى في ظل رعاية أبوية من ذلك الشيخ الصالح، وهنا بادر ذلك الشيخ بطريقة وبرأي في مسألة الاستئجار وكيفيته.
ووصف هذا الاستئجار بأنه في غاية الصواب: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ}، قائلاً: “الثماني حجج تعني ثماني سنوات قمرية، وأن لموسى عليه السلام الحرية في ذلك، ويكون تبرعاً منه وليس إلزاماً”.
كما أشار إلى أن من مكارم الأخلاق ووضع العقود والمعاملات ما ورد في قوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}، باقتراح هذه الزيادة وفي المعاملة لك خلال فترة هذا الاستئجار، وأنها توحي بالتعامل على أساس العدل وعلى أساس الرحمة؛ لأن المشقة لدى البعض من الناس قد يتوخى فيها الإعنات، قد يتعمد التعامل بمشقة همه أن يحقق لنفسه المكاسب ولا يراعي الطرف الآخر بأي مراعاة.
وعن رد نبي الله موسى عليه السلام في قوله سبحانه: {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}، قال: “فهو يطمئنه بأنه سيجده في طريقة تعامله معه وفي رعايته له من الصالحين”، مشدداً على أن الصلاح عنوان مهم وعظيم وجامع لكل مكارم الأخلاق ولكل المبادئ والقيم العظيمة، ومراتب الناس في الصلاح متفاوتة، وله أهميته الكبرى في المعاملة؛ فحينما يكون الصلاح هو الأساس الذي ينطلق منه الإنسان في معاملته مع الناس، فهو يتعامل معهم بالخير، وبالعدل، وبالرحمة.
وحث على أن الصلاح أساس عظيم في التعامل فيما بين البشر، وفي نفس الوقت يقيهم الكثير من المشاكل في المعاملة فيما بينهم.
وتابع: “هذا العرض يجمع لموسى عليه السلام الكثير من الخير (سكن ومأوى وزوجة، ومعيشة واستقرار)، حيث كان في أمس الحاجة إلى الزواج وهو في ذروة وكمال قوته وطاقته وشبابه، وبحاجة إلى أن يكون له عمل يعتمد عليه كمصدر لتوفير متطلبات حياته”.
مكانة العمل وأثر بعض التصورات الخاطئة
وركز السيد القائد على أهمية العمل لاعتبارات كثيرة بالنسبة للإنسان، فيما يترتب عليه من مصادر الدخل وتوفير المتطلبات الأساسية، وفيما يتعلق بالجانب النفسي وما لدى الإنسان من إدراك لقيمة هذه الحياة وعدم رضاه لنفسه أن يبقى في حالة فراغ، وكيف يكون في إطار عمل واسع.
وتساءل بقوله: “أحياناً البعض من الناس لماذا هو في حالة فراغ؟”، مجيباً: “لأن لديه فهماً ناقصاً فيما يتعلق بالعمل؛ لديه تصور معين في مسألة العمل المناسب له، وعادة ما يكون هذا التصور إما ناشئاً عن عقدة نفسية أو اعتبارات شخصية غير صحيحة وغير دقيقة. مثلاً في قصة نبي الله موسى عليه السلام، كان في مصر ربيب القصر الفرعوني، وبالتأكيد الأعمال المتاحة له هناك والأدوار كانت في إطار اعتباري رفيع؛ وهنا في مدين سيقوم بمهمة رعي الأغنام والسقي لها والاهتمام بشؤون أسرة شؤونها الحياتية والمعيشية!”.
وتابع: “الكثير من الناس مثلاً قد تكون هذه الفجوة ما بين دور ودور وعمل وعمل كارثة عنده، طامة كبرى بالنسبة له؛ بل غير ذلك، يعني معظم الناس مثلاً تصورهم الدائم أن يكون العمل دائماً عملاً وظيفياً مكتبياً إدارياً لا يبذل فيه أي جهد بدني، وهذا من الكوارث الكبرى حتى في مجتمعنا اليمني، ولا سيما في مخرجات التعليم العام (المدارس والجامعات)، في الذهنية العامة للطلاب، سواء في الجامعات أو في المدارس، ولا سيما عند التخرج من المرحلة الثانوية، هي وظيفة إدارية أو تعليمية في الأغلب، ولكن الوظائف الإدارية المكتبية التي سيجلس فيها على كرسي وطاولة ولا يبذل أي جهد بدني وفي فترة عمل محدودة جداً وأداء باهت وضعيف ومحدود، فارتبطت الحالة الذهنية والطموحات الشخصية عند أكثر الناس بهذا: كيف يصل إلى هذه النتيجة؟ وبالتالي يعتبر نفسه فاز وأمّن مستقبل حياته”.
واستنكر بقوله: “كيف يمكن لأي شعب أن ينهض بذلك؟ معظم الأعمال هي أعمال ذات جهد بدني، يعني عندما نريد نهضة للشعب فالنهضة تتعلق بالصناعة والزراعة والأعمال ذات الجهد البدني في الحياة، وإذا فقد الناس الروح العملية وأصبحت التربية النفسية والطموحات الشخصية مشبعة بالكسل والفتور والتواني والرغبة في الراحة الدائمة أربعاً وعشرين ساعة من دون عمل ولا جهد، فهي إشكالية كبيرة جداً؛ لا يمكن لأي شعب أن ينهض إطلاقاً”.
وعاد إلى سياق القصة بقوله: “وافق نبي الله موسى عليه السلام على هذا العرض؛ لأنه عرضٌ فيه الخير الكبير له، {قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}”، مشيراً إلى أن هذا كان أخذاً ورداً حول هذه المسألة ووصل إلى اتفاق تام بذلك.
ولفت إلى أن النص القرآني وضح تأكيد موسى عليه السلام على أن له الحرية فيما يتعلق بإضافة عامين على الثمان سنوات القمرية، فيما يتعلق بقوله سبحانه: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ}، يعني هذه المسألة إليه؛ إذا أراد أن يتم هذا الأجل (الأجل الثاني مع الأجل الأول) فلا بأس، وإلا فلا يلزم بما لم يلتزم به.
أهمية الصلاح في المعاملات
وعن قوله تعالى في ختام ذلك: {وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}، أكد السيد القائد على أن هذا درس في المعاملات، ومن أهم ما يتعلق بالمعاملات ما بين الناس (معاملات الإجارة، معاملات البيوع، ومعاملات تتعلق بأعمال مختلفة).
وحث على أن من المهم أن تقوم مختلف المعاملات على الصلاح والتراضي والعدل والتفاهم، وفي نفس الوقت على الوضوح في أن تخلو من كل غموض، مبيناً أن حالة الغموض تكون منشأ للخلافات وللمشاكل فيما بعد، وكذلك الإثبات للمعاملة والتذكر لرقابة الله.
وتابع أيضاً: “بناءً على هذا الاتفاق تمت الأمور على هذا النحو؛ موسى عليه السلام دخل في الإجارة وزوجه ذلك الشيخ الصالح إحدى ابنتيه، واستقر في مدين وقام بمهامه العملية وعمل كأجير لسنوات طويلة (أحد الأجلين)”، مشيراً إلى أن البعض يقول إنه أتم العشر السنوات، ومعتبراً ذلك درساً مهماً فيما يتعلق بالعمل والكسب الحلال.
