اختراق “ثاد” وشلل الملاحة في هرمز.. اليوم الخامس من المواجهة يرسم معادلات جديدة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
6 مارس 2026مـ – 17 رمضان 1447هـ
في يومه الخامس، دخلت عملية “الوعد الصادق 4” مرحلة جديدة من حيث النوعية والتأثير الاستراتيجي، متجاوزةً مفهوم تبادل الضربات التقليدية إلى فرض معادلات رادعة على مستوى المنطقة، أبرز ما ميّز هذا اليوم هو الإعلان عن تنفيذ الموجتين 17 و18 من الهجمات الإيرانية، والتي حملت دلالات تكتيكية وتقنية بالغة الأهمية، ففي الموجة 18، أكد حرس الثورة الإسلامية نجاحه في استهداف أهداف استراتيجية حيوية في عمق الكيان الإسرائيلي، وتحديداً في مبنى “وزارة الدفاع” في الكيان الإسرائيلي ومطار “بن غوريون” في “تل أبيب” ولكن الأكثر دلالة هو تأكيد عبور هذه الضربات لمنظومة “ثاد” الأمريكية المتطورة للدفاع الجوي، هذا الإنجاز، إذا يمثل ضربة قوية لهيبة التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية ويشير إلى تطور كبير في القدرات الهجومية الإيرانية، سواء من حيث تقنيات التخفي أو المناورة أو استخدام صيغ جديدة من الصواريخ الفرط صوتية التي يصعب اعتراضها.
لم تقتصر العمليات على اختراق الدفاعات الجوية فحسب، بل سبقها ويواكبها جهد منظم وممنهج لتعمية شبكة الرادار الاستراتيجية للولايات المتحدة وأذرعها في المنطقة، فقد أكدت الحرس الثوري تدميره لأكثر من سبعة رادارات فائقة التطور، كان آخرها الرادار الاستراتيجي الأمريكي من نوع “Fps132” المتمركز في قطر، والذي تم القضاء عليه بالكامل بعد إصابته الجزئية في أيام سابقة، هذا الاستهداف المتعمد للرادارات، والذي طال أيضاً طائرات مسيرة من طراز “MQ9″ و”هرموس” في سماء إيران نفسها، يهدف إلى خلق ثقوب عمياء في غطاء المراقبة الأمريكي – الإسرائيلي، والنتيجة المباشرة لهذه الضربات هي إضعاف القدرة على تتبع الصواريخ والمسيرات الإيرانية والتنبؤ بمساراتها، مما يزيد من فاعلية الضربات ويصعب عملية الرد عليها أو اعتراضها، هذا التقدم في ميدان الحرب الإلكترونية وشلّ حركة العين الرقابية للعدو يمثل تحولاً نوعياً في توازن القوى، حيث لم تعد الصواريخ وحدها هي ما يصنع الفارق، بل أيضاً القدرة على إعماء” العدو قبل توجيه الضربة القاضية.
السيطرة على مضيق هرمز: قلب الاقتصاد العالمي بين فكي كماشة
على الجبهة البحرية، اتخذ التصعيد منحىً استراتيجياً بالغ الخطورة يتمثل في إعلان الحرس الثوري السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لعبور ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية، هذا الإعلان ترجم على الأرض من خلال شبه توقف تام لحركة الملاحة، حيث لم تعبر المضيق سوى ناقلتين فقط في اليوم السابق، مقارنة بمعدل طبيعي يصل إلى 60 سفينة، هذا الشلل الفعلي لمضيق هرمز يحوّل ورقة الضغط الإيرانية من تهديد محتمل إلى واقع ملموس يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية.
الانعكاسات الاقتصادية لهذه السيطرة بدأت تظهر بشكل متسارع وخارج نطاق المنطقة المباشر، شركات شحن كبرى مثل “ميرسك” علقت حجوزاتها إلى معظم موانئ الخليج، مما يعكس حالة الخوف وعدم اليقين التي تخيم على قطاع النقل البحري، والأكثر إيلاماً للاقتصاد الغربي هو الارتفاع الجنوني في تكاليف التأمين على السفن، التي قفزت 12 ضعفاً إلى 3% من قيمة السفينة، وهو ما يجعل عبور المضيق مجازفة مالية باهظة حتى مع وجود وعود أمريكية بالحماية، هذا الوضع يخلق أزمة ثقة بين شركات الشحن والتأمين، تجعلها تفضل التوقف التام عن المخاطرة بأصولها، مما يعزز فعلياً الحصار البحري دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة، كما أن هذا الاضطراب يلقي بظلاله على أسواق الطاقة، حيث يرتفع سعر النفط والغاز، فيما تواجه قطر، أكبر مصدر للغاز المسال، حالة “قوة قاهرة” توقف إنتاجها، مما يهدد سلاسل التوريد العالمية ويعمق أزمة الطاقة المحتملة.
الخسائر البشرية والاستنزاف: حسابات خاطئة لواشنطن
يقدم الحرس الثوري أرقاماً متزايدة للخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية، مؤكدا مقتل أكثر من 500 جندي أمريكي خلال الأيام الخمسة الأولى من العدوان، إضافة إلى مئات الجرحى، هذه الأرقام، تشير إلى حجم النيران المركزة التي تتعرض لها القواعد الأمريكية في المنطقة، وهي تضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة سياسية وعسكرية صعبة، حيث تتحول الحرب الجبانة إلى مستنقع يبتعد عن كونه مجرد ضربات جوية من مسافة آمنة، ليصبح مواجهة مفتوحة تتكبد فيها واشنطن خسائر بشرية فادحة قد تفوق ما اعتاد عليه الرأي العام الأمريكي.
في المقابل، تظهر المؤشرات جهداً أمريكياً محموماً لتعويض النقص الحاد في مخزونات الأسلحة، لا سيما الذخائر الموجهة والصواريخ الباهظة الثمن مثل “توماهوك”. اجتماع البيت الأبيض المرتقب مع كبرى شركات الدفاع، والطلب العاجل لميزانية تكميلية بقيمة 50 مليار دولار، يكشفان عن حجم الاستهلاك الهائل للذخيرة خلال الأيام القليلة الماضية، وعن قلق حقيقي من قدرة المخزون الاستراتيجي على الصمود في مواجهة حرب استنزاف طويلة، الضغط على الشركات لزيادة الإنتاج على حساب أرباح المساهمين يعكس حالة الطوارئ القصوى في واشنطن، التي تدرك أن استمرار العمليات العسكرية بهذه الوتيرة قد يستنزف قدراتها بشكل غير مسبوق، ويجبرها على الدخول في سباق تسلح مع إيران، وهو ما كانت تسعى لتجنبه.
الاستعداد للمعركة الطويلة: التعبئة الشاملة ورسائل الردع
في الوقت الذي تتصاعد فيه العمليات، تتخذ القيادة الإيرانية خطوات استباقية للانتقال إلى مرحلة “المعركة الطويلة”. دعوة قدامى المحاربين في الجيش للانضمام إلى صفوف الدفاع، وتنظيمهم تحت قيادة موحدة، تعكس رؤية استراتيجية تستعد لأسوأ السيناريوهات، وهي حرب برية محتملة أو توسع كبير في رقعة المواجهة، هذه الخطوة، بالإضافة إلى كونها تعبئة معنوية للمجتمع، تضخ خبرات قتالية ثمينة في المنظومة الدفاعية، وتؤكد للخصوم أن إيران مستعدة لاستنفار كل إمكانياتها البشرية والعسكرية للدفاع عن أراضيها، مما يرفع من كلفة أي مغامرة عسكرية واسعة النطاق ضدها.
الرسائل الإيرانية تتجاوز الحدود الإقليمية لتطال العمق الدبلوماسي للخصوم، التهديد باستهداف جميع سفارات الكيان الإسرائيلي في العالم إذا ما تم استهداف السفارة الإيرانية في لبنان، يرسم خطاً أحمر جديداً ويحذر من توسيع دائرة الصراع لتشمل البعثات الدبلوماسية، كما أن الرد المباشر على تهديدات ترامب بمرافقة السفن، بدعوته الساخرة لتنفيذ تهديده، والتأكيد على أن أي سفينة حربية لا تجرؤ على الاقتراب لمسافة 800 ميل من السواحل الإيرانية، يهدف إلى تعزيز صورة الردع والقدرة على السيطرة، كل هذه العناصر ترسم صورة لمواجهة شاملة، تُدار فيها العمليات العسكرية والسياسية والنفسية والإعلامية بشكل متكامل، بهدف فرض معادلات جديدة في المنطقة تجعل من استمرار العدوان مكلفاً للغاية بحيث لا يُحتمل.
