بين المخزون الأبدي والواقع المستنزف.. قراءة في مفاهيم الردع والصمود

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
5 مارس 2026مـ – 16 رمضان 1447هـ

تحوّل العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران إلى اختبارٍ قاسٍ لقدرة واشنطن على إدامة قوتها تحت ضغط الاستنزاف، وبينما خرج ترامب معلنًا أنّ مخزون الذخائر “يكفي إلى الأبد”، كانت المؤشرات العملياتية الصادرة عن وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” ترسم صورة أكثر تعقيدًا، في سباقٍ مفتوح بين وتيرة الاستهلاك وسرعة الإنتاج.

في السياق، تدفع إيران بالمواجهة نحو مرحلة اللاعودة عبر خطوات تصعيدية لافتة كإغلاق مضيق هرمز واستهداف مصالح أمريكية ونفطية في الخليج، بهدف جعل الحرب مكلفة عسكريًّا واقتصاديًّا للغرب عمومًا في المنطقة، ورغم الخسائر الكبيرة، تراهن طهران على استراتيجية الصمود الطويل، حيث يُعد استمرارها في القتال بحد ذاته مكسبًا استراتيجيًّا.

في المقابل تبدو واشنطن بلا استراتيجية واضحة، ولطالما كان الكثير من المراقبين ضد الصبر الاستراتيجي الذي اعتمدته إيران في مواجهة أمريكا والغرب وكيان العدو الإسرائيلي، لأنه انتهى بارتقاء السيد الخامنئي شهيدًا على طريق القدس، لكن اليوم نشاهد تحولًا نحو صبر استراتيجي عسكري يقوم على استنزاف قدرات العدو الدفاعية، عبر استخدام صواريخ من أجيال أقدم لإضعاف الرادارات ومنظومات “ثاد وباتريوت ومقلاع داود” وغيرها، تمهيدًا لإدخال الصواريخ الفرط صوتية وفرض موقع الدفاع الدائم لدى الخصم.

وتصريح ترامب عن مخزون الذخائر لم يكن توصيفًا تقنيًا بقدر ما كان رسالة نفسية متعددة الطبقات؛ طمأنة للداخل، تثبيت للحلفاء، وردع استباقي للخصوم، غير أنّ الأرقام، كما هي عادة الحروب الحديثة، لا تنحاز للبلاغة الكلامية.

صواريخ “بي آيه سي 3” تُستهلك بوتيرة تجعل إنتاج عامٍ كامل يعادل أسبوع من المواجهة المكثفة، وصواريخ “ثاد” شهدت خلال 12 يومًا فقط من المواجهة العام الفائت، استنزافًا يقترب من ربع المخزون العالمي؛ فيما قد يُستهلك إنتاج سنة كاملة من صواريخ “إس إم 3” في مواجهة بحرية واحدة عالية الكثافة، وحتى قذائف “155” ملم، رغم توسعة الإنتاج فيها، تظل رهينة تعدد الجبهات في المنطقة وصولاً إلى أوكرانيا والمحيط الهادئ.

الأخطر أن معادلة الاعتراض نفسها تضاعف الاستنزاف؛ إذ يتطلب إسقاط هدف معادي من صاروخ باليستي متطور أو مسيّرة انقضاضية لا يتجاوز سعرها الألف دولار، إطلاق ثلاثة صواريخ اعتراضية لضمان الإصابة؛ ما يعني أن الدفاع ينفد أحيانًا أسرع من الهجوم، وبالتالي لا يعود السؤال عن حجم المخزون الإجمالي، وإنّما عن عمق المخزون في مسرح العمليات مقارنة بزمن الحرب.

في الإطار؛ بدا الجسر الجوي الأمريكي المكثف باتجاه المنطقة إشارة لوجستية لا يمكن تجاهلها؛ فلو كان المخزون الميداني “أبديًا” كما يدعي ترامب، لما استدعى الأمر نقل ذخائر عاجلة من مخازن أوروبا والداخل الأمريكي وشرق آسيا، وهذا التحرك أقرب إلى عملية دعمٍ إسعافية لخط دفاع يتعرض لضغط إيراني متصاعد، مع ما يعنيه ذلك من إعادة توزيع احتياطات استراتيجية من مسارح أخرى، وخلق هوامش مخاطرة في بيئات توتر موازية.

غير أن الصورة تكتمل عند النظر إلى البعد الاقتصادي والسياسي لمنظومات الدفاع الجوي التي تبيعها واشنطن لحلفائها الخليجيين بأرقام فلكية؛ فهذه الدول تموّل شراء منظومات باهظة الكلفة من ثرواتها الوطنية، لتجد نفسها في لحظة التصعيد تستخدم تلك المنظومات في حماية قواعد ومقرات أمريكية على أراضيها؛ بينما يبقى القرار العملياتي والبرمجي والتحديث التقني في يد واشنطن.

المفارقة الاستراتيجية اللافتة، أن الحليف يمول منظومة الردع، لكن هندسة استخدامها تبقى ضمن شبكة السيطرة الأمريكية، ما يحول الأمن الإقليمي إلى جزء من دورة التمويل الصناعي العسكري الأمريكي قبل أن يكون تعبيرًا كاملًا عن سيادة مستقلة؛ وما نسمعه من تصريحات لقادة ومسؤولين عسكريين خليجيين وهم يتحدثون بشكّلٍ دائم عن مخزونهم الاستراتيجي من الدفاعات الجوية الأمريكية التي يمتلكونها حمايةً للقواعد والمقرات الأمريكية في بلدانهم، أيضًا يضع أكثر من علامة استفهام.

المعضلة الحقيقية إذن ليست في نقص مطلق للقدرة الشرائية وتغطية النفقات والتكاليف، وإنّما في إدارة استنزاف متسارع ضمن شبكة التزامات مترامية؛ فأمريكا لا تدير جبهة واحدة، بل توازن بين دعم كيان الاحتلال الصهيوني، وإسناد أوكرانيا، والحفاظ على جاهزية عالية في المحيط الهادئ، تحسبًا لعمليات صينية في تايوان، أيّ أن استنزاف طويل الأمد في مسرحٍ واحد يفتح نافذة اختبار في مسرحٍ آخر، وهنا يتحول الردع من مسألة قوة نارية إلى مسألة قدرة إنتاج وزمن تعويض وتوزيع موارد.

كما أنّ تصريحات ترامب المرتفعة السقف حول “الأبدية” و”الخيارات البرية” تدخل ضمن استراتيجية خلق حالة عدم يقين لدى الخصوم، وشراء الوقت سياسيًا ريثما تلحق المصانع بوتيرة الميدان، لكنها في الوقت ذاته تعكس إدراكًا ضمنيًا بأن حرب الاستنزاف الطويلة تفرض حسابات مختلفة عن الضربات الخاطفة؛ فالتاريخ العسكري يعلم أن الضجيج يربك الخصم، لكنه لا يملأ المخازن.

وهكذا، يتكشف المشهد على حقيقته، ليست المسألة من يملك أكثر، وإنّما من يستطيع الصمود أطول دون أن تتشقق شبكة مخزونه الدفاعي؛ فبين “مخزون يكفي إلى الأبد” وواقع تحكمه معادلات استهلاك دقيقة، يقف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران أمام اختبار الزمن حيث تصبح المصانع بقدر الصواريخ جزءًا من معركة البقاء الاستراتيجي، كونها حرب حسابات باردة تحت سقف نيران ساخنة، ومن يكسب معركة الزمن، يكسب ما بعدها.

وعليه؛ فنحن اليوم أمام حرب متدحرجة قد تمتد لأشهر، مع كلفة عالية واحتمال تصعيد خطير، وربما ضربة نووية تكتيكية محدودة، في مقابل إعلان الحرس الثوري الإيراني، وتأكيده بأنّ وتيرة الضربات في عملية “الوعد الصادق 4″، ستصبح أكثر شدةً واتساعًا قريبًا، وستكون إيران شريكًا في تشكيل النظام العالمي الجديد؛ فيما سيبرز دور روسيا والصين تدريجيًا دفاعًا عن مصالحهما مع اتضاح ملامح المرحلة المقبلة.