جباليا.. صمودٌ أسطوري يُسقط رهانات التهجير ويُعيد رسم خارطة الكرامة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ
تقريــر || هاني أحمد علي
تحت وطأة عدوانٍ صهيوني همجي تجاوز 700 يوم، وفي ظل سياسة الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال بالنار والتجويع، يرسم سكان مخيم جباليا والمناطق الشمالية في غزة ملحمة صمودٍ غير مسبوقة. فرغم الدمار الذي طال الأبراج السكنية والبنية التحتية، ورغم غياب أدنى مقومات الحياة، عاد الفلسطينيون إلى أرضهم ليؤكدوا للعالم أن “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.
وتتجه الأنظار مجدداً إلى شمال قطاع غزة، وتحديداً إلى مخيم جباليا، حيث يعود السكان إلى مناطقهم المدمرة، رغم حجم الخراب الهائل الذي خلّفه العدوان الصهيوني الهمجي، ورغم شح الخدمات وغياب أبسط مقومات الحياة.
وبحسب تقرير ميداني لقناة المسيرة، اليوم الاثنين، فإن مشهد العودة يأتي في ظل واقع إنساني بالغ القسوة، حيث تتكدس الخيام بين الركام، وتتحول الأبراج السكنية إلى كتل إسمنتية شاهدة على واحدة من أعنف الحملات العسكرية التي استهدفت المنطقة.
من المناطق الشمالية الغربية لمدينة غزة، وعلى مقربة من مخيم جباليا، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي توصيف. مبانٍ سكنية ضخمة سُوّيت بالأرض، وأحياء كاملة تعرضت لعمليات تدمير واسعة خلال أكثر من سبعمئة يوم من العدوان، شملت بيت حانون وبيت لاهيا والعطاطرة والكرامة والتوام، في محاولة لكسر إرادة السكان ودفعهم نحو التهجير القسري.
ورغم ذلك، يؤكد الأهالي أن خيارهم هو البقاء. خيام تُنصب بين الأنقاض، ومحاولات متواضعة لإعادة تنظيم الحياة اليومية في ظل انعدام المياه المنتظمة، وشح الغذاء، وغياب الكهرباء، واستمرار تحليق الطيران المعادي وإطلاق النار بين الحين والآخر. ومع كل ذلك، تتجلى حالة صمود لافتة، يعبر عنها السكان بعبارات تختصر المشهد: الأرض لنا، وهنا سنبقى.
أحد المزارعين من بيت لاهيا، التي كانت تُعرف بأراضيها الزراعية ومنتجاتها المحلية، يروي كيف دُمّرت أراضيه وتوقف نشاطه الزراعي، مؤكداً أنه يبحث اليوم عن أي عمل يسد به رمق عائلته، لكنه لا يفكر بمغادرة الشمال. يقول إن الزراعة كانت حياته، وإن العدوان دمّر مصدر رزقه، لكنه لم يدمر إرادته في البقاء.
سيدة أخرى تؤكد أنها عادت إلى الشمال رغم المخاطر، وأنها تفضّل العيش بين أنقاض بيتها على البقاء بعيداً عن أرضها، وأمٌّ وضعت مولودها الجديد في هذه الظروف القاسية تقول إنها لم تقبل أن يولد طفلها خارج منطقته، مشددةً على أن الانتماء للأرض أقوى من الخوف، وأن الشمال سيبقى عنواناً للثبات مهما اشتدت المعاناة.
الواقع في محيط حاجز زكيم، الذي تحوّل خلال العدوان إلى نقطة استهداف دامية للباحثين عن لقمة العيش، يعكس حجم المأساة التي عاشها السكان، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن إصرارهم على استعادة حياتهم ولو بالحد الأدنى من الإمكانات.
في جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا، يتكرر المشهد ذاته، دمار واسع، خدمات شبه معدومة، ومقابل ذلك إرادة جماعية ترفض التهجير وتتمسك بالبقاء. الأهالي يؤكدون أن الصمود هو الخيار الوحيد، وأن العدوان مهما اشتد لن ينجح في اقتلاعهم من أرضهم.
غزة اليوم، بركامها وخيامها وأصوات أطفالها المولودين وسط الحرب، تقدم صورة مكثفة عن شعب يتمسك بالحياة رغم كل شيء. وبين الأنقاض، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء، والإصرار على أن تبقى الأرض لأهلها، وأن يظل الصمود هو العنوان الأبرز في مخيم جباليا وكل شمال القطاع.
