تصريحات “هاكابي” بين الخطر الداهم وكارثة الرد العربي.. مواقف تفتح شهية المشروع الصهيوني
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
22 فبراير 2026مـ – 5 رمضان 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
أعادت تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، فتح أخطر ملفات الصراع في المنطقة، والتي يرتبط بها مصير أمة، بعد حديثه الصريح عن ما سماه “حقًا توراتيًا” لكيان الاحتلال في السيطرة على المساحة الممتدة “من النيل إلى الفرات”، في موقف أمريكي صريح بتبني مشروع ما يسمى “إسرائيل الكبرى” الذي يستهدف المنطقة العربية.
تصريحات سفير أمريكا، الراعي الرسمي للعدو الصهيوني ومشاريعه، صدرت عن ممثل رسمي لواشنطن، لا عن ناشط هامشي، ما يمنحها بعدًا سياسيًّا لا يمكن التقليل من خطورته.
وبموازاة ذلك، فكلامه كان طرحًا أيديولوجيًّا مباشرًا، ليس قابلًا للتأويل أَو سوء الفهم، ويضرب عرض الحائط بمفاهيم السيادة والحدود، ويعيد إحياء سردية توسعية تستبطن إعادة رسم جغرافيا المنطقة وفق عقيدة دينية زائفة ومتطرفة في ذات الوقت، هدفها الأوضح هو إخضاع أمتنا للهيمنة الصهيونية.
هاكابي تحدث بوضوح ليتجرد عن لغة الدبلوماسي الذي يزن عباراته، وتكلم بلغة واعظ أيديولوجي يمنح غطاءً عقائديًّا لمشروع استعماري، حَيثُ نسف مفهوم الاحتلال، وأنكر صفة “الضفة الغربية”، واعتبر الاستيطان عودة مشروعة، واضعًا “النصوص الدينية” الباطلة فوق كُـلّ الاعتبارات، ومتعاملًا مع دول المنطقة العربية المستهدفة وكأنها كيانات طارئة في خارطة يعتقد أنها مرسومة سلفًا في نصوص توراتية.
وفي مقابل هذا الخطر الواضح، فإن الصدمة الكبرى تأتي في مستوى الرد العربي على الطرح الأمريكي الرسمي المعلن، حَيثُ جاءت ردود الفعل من دول المنطقة في موقف متدنٍ للغاية، وكأن الأمر لا يعني نسف حقوق شعوب تعدادها مئات الملايين.
السعوديّة، المستهدفة ضمن المشروع، وبما يُروج لها من ثقل سياسي وفوقه اعتبار ديني يرتبط بالأمة، لم تتجاوز في ردة فعلها بيانًا سقفه “المطالبة بإيضاح رسمي من الإدارة الأمريكية”.
هذا الموقف يتعامل مع التصريحات الأمريكية وكأنها ملتبسة أَو أسيء فهمها، أَو كأن قائلها مواطن أمريكي عادي غرّد خارج السياق، لا سفيرًا يمثل بلاده رسميًّا في واحدة من أكثر الساحات حساسية.
طلب الإيضاح هنا يوحي بمحاولة سعوديّة لتجنب مواجهة كلامية مباشرة مع أمريكا، وكأن المشكلة تكمن في غموض العبارة لا في جوهرها التوسعي الصريح الذي يشكل الخطر على المملكة كدولة، وعلى المسلمين كجغرافيا تتمحور فيها أقدس مقدساتهم. وحين يُطرح مشروع “من النيل إلى الفرات”، فإن السؤال ليس: ماذا قصد السفير؟ بل: ماذا ستفعل الدول المعنية إزاء هذا الطرح؟
وهنا أَيْـضًا كان الموقف المصري أكثر إثارة للقلق. بيان مقتضب، فقرة واحدة بإدانة بروتوكولية، نُشر على صفحة وزارة الخارجية في فيسبوك، وانتهى الأمر. هذا بينما الحديث طال “النيل” صراحة، أي شريان الدولة المصرية ورمزها الجغرافي والتاريخي.
موقف مصر الخجول أمام الخطر الداهم لم يُستدعَ فيه السفير الأمريكي، لم يُعلن عن احتجاج رسمي قوي، لم يُفعّل أي مسار دبلوماسي تصعيدي، فقد بدا المشهد وكأن القاهرة أرادت تسجيل موقف شكلي سريع ثم طي الصفحة، رغم أن التصريح يمسها مباشرة في عمقها الجغرافي والرمزي.
بقية البيانات العربية سارت في السياق ذاته: إدانة، تحذير من زعزعة الاستقرار، تأكيد على مخالفة القانون الدولي. لغة محفوظة، مكرّرة، خالية من أي إشارة إلى إجراءات عملية.
والحديث عن القانون الدولي، في مواجهة خطاب يستند إلى “حق ديني” مزعوم ويستقوي بدعم أمريكي وغربي، وعربدة صهيونية في ثلاث دول عربية، يبدو أقرب إلى التمسك بأدَاة أثبتت عجزها مرارًا في وقف الإجرام الذي يمارسه العدوّ على جغرافيا كبيرة في المنطقة منذ عقود طويلة.
كما أن المشكلة ليست في خلو البيانات من عبارات قوية؛ فبعضها تضمّن توصيفات حادة ورفضًا قاطعًا. لكن في الإطار العام، تبقى هذه الإدانات مُجَـرّد مواقف شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع ما لم تتحول إلى سياسات عملية تردع الخطر، لتبدو الفجوة بين حجم التهديد وحجم الرد صارخة للغاية، والعالم كله يدرك أن ما يجري مشروع يتحدث عن إعادة رسم حدود المنطقة، في مقابل بيانات لا تتجاوز سقف الاستنكار.
والأخطر أن التعامل العربي بدا وكأنه يجزّئ التهديد، فتعاملت كُـلّ دولة معه كأنه يخص غيرها بقدر ما يخصها، لا كمشروع خطير يستهدف الجميع.
وعلى الضفة الأُخرى، جاء موقف المقاومة الفلسطينية أكثر وضوحًا في توصيف التصريحات كجزء من مشروع توسعي يستهدف المنطقة بأكملها، معتبرة أن الاكتفاء بالإدانة لا يردع مخطّطا يقوم على فرض الوقائع بالقوة، وأن الرد الحقيقي يتطلب مواقف تتجاوز البيانات إلى أفعال، وهي خير من يترجم الأقوال إلى أفعال تُرهق العدوّ، وقد أسهمت في تحصين الشعوب العربية والإسلامية بكل قوة طيلة أكثر من سبعة عقود، حتى صارت أجساد الفلسطينيين متارس، رغم أن الجوع والعطش قد أكلا الجزء الأكبر منها، لتكشف عن عجزٍ عربي وصل حَــدّ الفشل عن إدخَال علبة ماء ورغيف خبز لإطالة صمودها وفعاليتها في التصدي، فما بالنا بإدخَال خيارات حقيقية شاملة تردع الخطر.
إجمالا، غاب التنسيق الجاد، وغابت أية دعوة لتحَرّك عربي موحد يتجاوز اللغة الإنشائية، وهذا يمنح الاحتلال ومن يقف خلفه انطباعًا بأن السقف العربي الذي يظنونه منخفضًا ليس موجودًا أصلًا، وأن أقصى ما يمكن أن يصدر هو بيان إدانة جديد يُضاف إلى أرشيف طويل من البيانات التي لم تغيّر واقعًا، ما يدفع العدوّ الصهيوني إلى “أن يتمدد ولا يبالي”.
