طوفان الأقصى: مَن المحرج حقا في ميزان السياسة والعقيدة؟

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 فبراير 2026مـ – 28 شعبان 1447هـ

تقريــر || علي الدرواني

تعددت القراءات والتحليلات التي حاولت تفكيك مشهد ما بعد السابع من أكتوبر، إلا أن أخطرها وأخبثها تلك التي حاولت تصوير طوفان الأقصى كفخ صممه السنوار خصيصا لتوريط إيران في صراع إقليمي واسع، أو كأداة لإحراجها أمام حلفائها وشعوب المنطقة بسبب عدم دخولها العسكري المباشر في المواجهة. هذه السردية التي تروج لها منصات وأقلام معينة، لا تكتفي بتسطيح الصراع، بل تحاول حرف البوصلة عن مواضع الحرج الحقيقي والمسؤوليات التاريخية والأخلاقية التي تقع على عاتق أطراف أخرى كانت وما زالت أقرب لغزة جغرافياً وأيديولوجياً، كما هو حال تركيا وقطر، ونوعا ما مصر.

إن الحديث عن إحراج إيراني يبدو متناقضاً مع الواقع الميداني؛ فالمقاومة في غزة لم تخرج من فراغ، بل هي نتاج سنوات من الدعم اللوجستي والتسليح والخبرات التقنية التي كانت إيران الممول والداعم الرئيسي لها في وقت أغلقت فيه حدود أخرى في وجه السلاح. إيران -عبر استراتيجية وحدة الساحات- اختارت نمطا من الاستنزاف يخدم بقاء المقاومة وقدرتها على الصمود، وهو خيار عسكري وسياسي لا يعبر عن حرج بقدر ما يعبر عن إدارة صراع طويلة الأمد، على نمط حائك السجاد الذي لا يعرف الملل ولا يستعجل النتائج.

أما الحرج الحقيقي، فيتجلى بوضوح في موقف القوى التي ترفع شعار الإخوان المسلمين أو تدعي تمثيل تيار الإسلام السياسي السني، وعلى رأسها تركيا وقطر. فحماس، بوصفها حركة ذات جذور إخوانية، كان من المفترض أن تجد في هذه القوى سندا يتجاوز الوساطة أو التصريحات الرنانة.. فتركيا بقدراتها العسكرية الهائلة كعضو في الناتو وعلاقاتها التجارية الواسعة مع العدو الصهيوني اكتفت بخطاب عاطفي موجه للاستهلاك الداخلي، بينما استمرت المصالح الاقتصادية والسياسية دون تغيير يذكر. أما قطر، فقد اختارت دور الوسيط الموثوق للولايات المتحدة، وهو دور يضعها في موقف المحرج الذي يحاول إمساك العصا من المنتصف بين احتضان القيادة السياسية للمقاومة والحفاظ على تحالفات استراتيجية مع القوى الداعمة لـ”إسرائيل”.

على أن الموقف القطري يثير علامات استفهام كبرى حول طبيعة الاحتضان؛ فقد صرحت الدوحة علناً -وفي أكثر من مناسبة- أن استضافتها لقيادات المقاومة لم تكن نابعة من منطلقات أيديولوجية أو قيمية أو أهداف إنسانية نبيلة أبدا، وإنما بناء واستجابة لطلب مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية. حتى الأموال التي كانت تدفعها إلى غزة إنما كانت بطلب مباشر أيضا من واشنطن. هذا الاعتراف يضع قطر في موقف المتهم وليس المحرج فقط، حيث تحول دورها من سند مفترض إلى قناة اتصال تخدم الأجندة الأمريكية والإسرائيلية أكثر مما تخدم تطلعات المقاومة، ما يجعل وجود الحركة هناك مجرد ورقة لإدارة الأزمات بطلب أمريكي وليس دعما أصيلا لمشروع التحرر.

وعلى ضفة أخرى يبرز الحرج العربي والأنظمة المطبعة كأكبر سقطة إنسانية سياسية في التاريخ الحديث. هؤلاء لم يكتفوا بالصمت، بل إن بعضهم ظهر بمظهر المتآمر الذي ينتظر انكسار غزة ليتخلص من عبء القضية الفلسطينية التي باتت تعيق مسار التطبيع والاندماج في مشاريع إقليمية مشبوهة. لقد كشف الطوفان هشاشة هذه الأنظمة التي راهنت على أن القضية قد ماتت بمرور الزمن، ما وضَعَ هذه الأنظمة في مواجهة مباشرة مع ضمير شعوبها وتاريخها.

ومما ينسف فرضية الحرج الإيراني أو المتاجرة بالقضية هو الثمن الباهظ الذي دفعته ولا تزال تدفعه طهران منذ انطلاق ثورتها وحتى اليوم، فإيران تتحمل حصارا اقتصاديا خانقا وعقوبات دولية غير مسبوقة، لم يكن ذنبها سوى التمسك الصارم بالحق الفلسطيني ورفض الاعتراف بالكيان الصهيوني. ولو كانت القيادة الإيرانية تبحث عن المقايضة أو الاستثمار السياسي البراغماتي لكان الطريق أمامها معبدا للحصول على مكاسب كبرى وتفاهمات دولية تجعلها سيد المنطقة بلا منازع، ولأصبحت الأنظمة الإقليمية تابعة لسطوتها كما كان حال نظام الشاه الذي كان يحظى برضا الغرب ودعمه المطلق.

إن اختيار إيران لمسار المقاومة -رغم تكلفته الوجودية والاقتصادية- يثبت أن القضية بالنسبة لها هي مبدأ استراتيجي وعقائدي، وليست ورقة للمناورة كما يحاول البعض تصويرها للهروب من واجباتهم القومية والأخلاقية والانسانية.

في الختام، إن ميزان الحرج في معركة طوفان الأقصى لا يميل نحو من دعم بالسلاح والمال والتقنية وظل في خندق الإسناد وتحمل “الأكلاف” ودفع الأثمان الباهضة من الدم قبل المال، بل يميل -وبقوة- نحو من ملك أدوات الضغط الحقيقية، جغرافياً وسياسياً وعسكرياً، واختار أن يكون مشاهدا أو وسيطا أو متآمرا، تاركا أهل غزة يواجهون قدرهم في أعظم ملحمة للصمود في العصر الحديث.