سراب الجلاء الأمريكي عن سوريا.. فخ استباحة وتدوير للإرهاب

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 فبراير 2026مـ – 27 شعبان 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

في مشهدٍ يغلفه الكثير من الريبة، واصلت قوات الاحتلال الأمريكي حزم حقائبها من قاعدتي “التنف” و”الشدادي”، في استكمالٍ لمسلسلٍ بدأته في حقول “العمر” و”كونيكو”؛ ومع انشغال منصات الإعلام بنشر مقاطع فيديو لأرتال الشاحنات الأمريكية وهي تغادر معبر “اليعربية”، وترحيب دمشق بهذه الخطوة، يبدو أننا أمام خدعة جيوسياسية كبرى.

السيطرة الأمريكية على القرار في دمشق لا تعني بالضرورة انتهاء الاحتلال؛ ففي عالم السياسة، تظل التبعية السياسية أقوى أثرًا من الوجود العسكري، والانسحاب الحالي قد لا يكون إلا تمهيدًا لعقد اتفاقيات أمنية بعيدة المدى تكبّل سوريا لسنواتٍ طويلة قادمة.

وبينما تسوق وزارة الدفاع التابعة للسلطة في دمشق بقيادة “الجولاني”، هذه الانسحابات كإنجازٍ سيادي، يبرز تساؤل مشروع: هل هذا جلاءٌ حقيقي، أم أنه إعادة تموضع ذكية تهدف لرفع الحجاب عن سوريا وتركها أمام أنياب معادلة الاستباحة الإسرائيلية، وتدوير الإرهاب نحو العراق وإيران؟

كانت قاعدتي “التنف والشدادي” طوال السنوات الماضية، بمثابة الحارس الجيوسياسي الذي يقطع أوصال محور المقاومة ويراقب الحدود الإسرائيلية-السورية من العمق؛ واليوم، ومع إخلاءها بالكامل وتمركز الجيش التابع للجماعات المسلحة في دمشق فيها؛ فما هي وظيفتها؟

رغم إخلاء 7 قواعد من أصل 8، لا تزال قاعدة “قصرك” على طريق “إم 4” صامدة، ومعها نحو 1000 جندي ومراكز استخباراتية في “القامشلي”، وهذا الوجود الجراحي يثبت أنّ واشنطن تخلت فقط عن القواعد المكشوفة التي باتت أهدافًا سهلة ومكشوفة للمقاومة، لتركز جهدها في نقاط نوعية تضمن لها الإشراف على إعادة التشكيل الجيوسياسي للمنطقة.

ويؤكّد مراقبون أنّ واشنطن لم تعد بحاجة لجنودها هناك؛ لأنها ببساطة سلمت مفاتيح الأرض لهؤلاء المسلحين، والأجواء لكيان العدو الإسرائيلي بشكّلٍ كامل؛ وبالتالي؛ فالانسحاب الأمريكي يعني عمليًّا أنّ أيّ غارة إسرائيلية قادمة لن تكون مقيدة بوجود قوات صديقة؛ ممّا قد يحول البادية السورية إلى ساحة صيد مفتوحة بلا خطوط حمراء، وهو ما يفسر التوغل الإسرائيلي الأخير في القنيطرة وتكثيف الضربات الجوية تزامنًا مع هذا الانسحاب.

لكن.. المعطى الأكثر خطورة يكمن فيما وراء الحدود؛ فمنذ مطلع عام 2026م، بدأت القوات الأمريكية مهمة معلنة لنقل آلاف المعتقلين من تنظيم “داعش” من سجون شمالي شرق سوريا “الحسكة” إلى العراق، وهذا التفريغ الممنهج لملف الإرهاب من الساحة السورية نحو الساحة العراقية ليس إجراءً أمنيًّا، وإنّما قنبلة موقوتة تُلقى في حضن محور المقاومة.

فبدلاً من أنّ تتحمل واشنطن كلفة حراسة هؤلاء، قررت تصديرهم إلى العراق؛ ممّا يضع بغداد أمام تحدي الانهيار الأمني الممنهج، ويجبر إيران على الانكفاء نحو حدودها الشرقية والشمالية لمواجهة موجة جديدة من الإرهاب المُدار أمريكيًّا.

كما أنّ العراق بات يشتكي عدم قبول استلام كل الدول التي يحمل هؤلاء المساجين جنسيتها؛ بل وهناك تسريبات تتحدث عن رغبةٍ أمريكية لإطلاق سراح هؤلاء أو تهريبهم من السجون العراقية على غرار الكثير من العمليات السابقة؛ ما يعني أنّ الأمريكي يعمل على إطلاق سراح الفوضى لتمتد من بادية حمص إلى صحراء الأنبار، وهذا التحرك، يثير هواجس المراقبين حول تصدير المعركة؛ فبدلاً من أنّ تكون “داعش” عبئًا على واشنطن في سوريا، ستصبح مرةً أخرى خنجرًا في خاصرة العراق وإيران.

ويرى مراقبون أنّ إفراغ القواعد السورية في هذا التوقيت، لا يعني انتهاء الإرهاب، وإنّما يعني إطلاقه في بيئة جغرافية تستهدف استنزاف الحشد الشعبي وتفتيت الدولة العراقية، لتجد طهران نفسها مضطرة للانكفاء نحو الداخل لحماية حدودها المباشرة، خصوصًا مع توجيه هؤلاء نحو الأراضي الإيرانية.

اليوم، ومع هذا الإعلان الأمريكي، دخلت دمشق الجديدة في مرحلة اختبار حسن النوايا مع الغرب؛ فإن غياب الأمريكي يعني أنّ واشنطن باتت تكتفي بمهام الحليف الوظيفي داخل كيان الدولة السورية، وتحويل القواعد إلى ممر عبور واستهداف مفتوح مستقبلاً للطيران الإسرائيلي والأمريكي في العراق وإيران.

ووفقًا لمراقبين؛ فخروج واشنطن من خط النار لتراقب من برج القيادة، تاركةً الساحة السورية تغرق في صراعات سد الفراغ بين القوى المحلية والإقليمية؛ بينما تضمن هي عبر القرار في دمشق الموجّه غربيًّا، ومن خلال العقوبات الاقتصادية التي لم تُرفع إلا جزئيًا، أنّ تظل دمشق تحت جهاز التنفس الاصطناعي الأمريكي، لصالح تحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد و(إسرائيل الكبرى).

وبالعودة إلى التفاهمات التي رعتها واشنطن لدمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مؤسسات الدولة السورية تحت قيادة الجولاني، تبدو في ظاهرها وحدة وطنية، لكنها في العمق قد تكون لغمًا موقوتًا؛ فدمج قوات عسكرية لكلا الطرفين تربت في أحضان “البنتاغون” داخل جيش دولة ذات سيادة، يعني اختراقًا استخباراتيًّا طويل الأمد، وتحويل السيطرة على القرار من احتلال الأرض إلى احتلال المؤسسة؛ فإذا كانت دمشق قد استلمت القواعد، فهل تملك حقًا سيادة القرار فوقها، أم أنها أصبحت مجرد حارس لمصالح أمريكية صهيونية بوجوهٍ محلية؟

ما نراه اليوم هو انتقال من الاحتلال العسكري الخشن إلى الاستتباع السياسي والأمني الممنهج، وخلو القواعد لا يعني حرية الأرض، وإنّما بداية الاستباحة الكبرى؛ حيث تصبح سوريا ساحة لتصفية الحسابات الإسرائيلية مع خصومها دون أنّ تتحمل واشنطن وزر الدماء، وينتقل عبء محاربة الإرهاب إلى العراق وإيران لاستنزافهما في معركة بقاء جديدة.

خلاصة المشهد؛ السوريون اليوم مطالبون بوعي يفوق نشوة السيادة الظاهرية؛ فخلو “التنف والشدادي” من الجندي الأمريكي لا يعني خلوها من الأطماع الصهيونية، وانتقال “داعش” إلى العراق هو بداية فصل جديد من حرب الاستنزاف لا نهايتها، والمعركة الحقيقية بدأت الآن، معركة حماية الجغرافيا من الاستباحة الجوية، وحماية السيادة من الاختراق المؤسساتي.