زلزال “ستانفورد” يضرب حصون “هارفارد”.. إرادة الطلاب تكسر مقصلة المانحين وتهديدات ترامب
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
14 فبراير 2026مـ – 26 شعبان 1447هـ
تقريــر || إبراهيم العنسي
في قضية محاكمة طلاب جامعة ستانفورد الأمريكية، أعلن قاضٍ في محكمة “سانتا كلارا” العليا الأمريكية، اليوم، بطلان محاكمة طلاب الجامعة، على خلفية الاحتجاجات المؤيّدة لفلسطين عام 2024، بعد وصول هيئة المحلفين إلى طريق مسدود. لقد كانت لحظة فارقة في تاريخ الحراك الطلابي الأمريكي، بما أحدثه قرار المحكمة الأمريكية من دويّ تجاوز حدود ولاية كاليفورنيا ليصل إلى أروقة جامعة “هارفارد” العريقة في ماساتشوستس، معيداً رسم خارطة الصراع بين جيل طلابي صاعد وبين تحالف قوى يجمع بين كبار المانحين الصهاينة واليمين السياسي المتطرف بقيادة دونالد ترامب.
هذا التطور القضائي لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل جاء كشهادة براءة سياسية لجيل اتُّهم بالتخريب بينما كان يمارس أسمى درجات الاعتراض الأخلاقي ضد حرب الإبادة الصهيونية في غزة.
تعتبر جامعة “هارفارد”، بوصفها “مصنع القادة” في العالم الغربي، الساحة الأكثر اشتعالاً في هذا الصراع؛ فالثقل السياسي لهذه المؤسسة جعلها الهدف الأول لضغوط المانحين الذين استخدموا سلاح التمويل لفرض سياسات قمعية غير مسبوقة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في قرار الإدارة بحظر جمعية “أكشن فلسطين” (PSC)، وهي الخطوة التي جاءت كاستجابة مباشرة لمناخ الترهيب الذي فرضه ترامب وحلفاؤه في الكونغرس، حين نجحوا بالفعل في الإطاحة برئيسة الجامعة السابقة كلودين غاي بعد جلسة استماع شهيرة تحولت إلى “محاكمة تفتيش” سياسية.
وفي الواقع أن إخضاع هارفارد لم يكن يهدف فقط لإسكات بضع مئات من الطلاب، بل كان محاولة لكسر الروح المعنوية للحراك الطلابي العالمي، نظراً لما تمثله الجامعة من مرجعية فكرية وسياسية. غير أن المشهد القانوني بدأ ينقلب لصالح الطلاب بشكل دراماتيكي؛ فبينما كانت هارفارد تحاول تبرير قمعها لجمعية “أكشن فلسطين” بذريعة الحفاظ على “النظام”، جاء الفشل القضائي في إدانة طلاب ستانفورد بمثابة صفعة للرواية الرسمية. فالمحلفون الأمريكيون، وهم مواطنون عاديون، رفضوا وصف الطلاب بـ “المجرمين” أو “المخربين”، ما يظهر مؤشرات حقيقية بتمتع الحراك الطلابي بشرعية مجتمعية تتجاوز أسوار الجامعات.
هذا الانتصار المعنوي يتزامن مع تحول أمني لافت في نيويورك، حيث واجهت منظمة “بيتار” الصهيونية الراديكالية قرارات بالتوقيف والحظر بعد ثبوت تورط أعضائها في أعمال تحريض وعنف ميداني ضد المتظاهرين السلميين. هذه المفارقة تضع إدارة “هارفارد” في مأزق أخلاقي وقانوني؛ إذ كيف يمكن للجامعة استمرار حظر منظمات طلابية سلمية مثل “أكشن فلسطين” بينما يلاحق القضاء المنظمات الصهيونية المتطرفة التي كانت تمارس البلطجة تحت غطاء “الدفاع عن النفس”؟. إنها مفارقات تاريخية، ستتجاوز بهارفارد الضغوط السياسية والاقتصادية لإدارة ترامب ومجتمع الصهيونية عاجلاً او آجلًا.
هذا الصراع المحتدم في هارفارد وستانفورد ليس معزولاً عن “تسونامي” الحراك في الجامعات الأوروبية، حيث شهدت السوربون في باريس وجامعة برلين صدامات مماثلة. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الطالب الأمريكي اليوم يواجه تحالفًا “مقدسًا” يسعى لاستئصال صوته؛ فمن جهة هناك المانحون الذين يهددون بسحب مليارات الدولارات، ومن جهة أخرى هناك ترامب الذي يتوعد بترحيل الطلاب الأجانب المشاركين في الاحتجاجات وإلغاء الاعتمادات الأكاديمية للجامعات “المتمردة”. وبالرغم من هذه “المقصلة” السياسية، أثبت الطلاب أنهم الكتلة الحرجة القادرة على الصمود، محولين ساحات الجامعات إلى قلاع للمقاومة الفكرية والسياسية.
ويمكن القول أن بطلان محاكمة ستانفورد، مقروناً بملاحقة “بيتار” في نيويورك، يفتح الباب واسعاً أمام جولة جديدة من المعارك القضائية التي قد تجبر هارفارد وغيرها من الجامعات على التراجع عن قرارات حظر الجمعيات الطلابية.
والمشهد في تطوراته يظهر أن الصراع الآن انتقل من الخيام الميدانية إلى قاعات المحاكم، حيث يبدو أن سردية “الاستثمار الأخلاقي” التي يرفعها الطلاب بدأت تجد صدى حتى لدى القضاة والمحلفين، وهو أمر يبشر بقرب انكسار موجة القمع التي قادها تحالف “المانحين-ترامب”.
وما يحدث اليوم هو إعادة تعريف لمعنى “القيادة” في هارفارد؛ فلم تعد القيادة تعني الانصياع لأجندات الممولين، بل أصبحت تتجسد في شجاعة هؤلاء الطلاب الذين قرروا حماية ضمائرهم قبل شهاداتهم الجامعية.
