من هروب المارينز إلى معارك البحر الأحمر.. عقد من الانتكاسات الأمريكية

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

12 فبراير 2026مـ –24 شعبان 1447هـ

في الحادي عشر من فبراير 2015م، كان المشهد في مطار صنعاء الدولي يمثل لحظة تاريخية فاصلة أعادت رسم المشهد اليمني والنفوذ الأمريكي. يومها غادر جنود المارينز الأمريكيون العاصمة اليمنية على عجل، تاركين خلفهم معدات محطمة، ووثائق محترقة، وسفارة تحوّلت إلى رماد في إعلان صريح عن نهاية مرحلة من الهيمنة المباشرة على القرار السياسي اليمني.

لسنوات طويلة، مثّلت السفارة الأمريكية في منطقة سعوان بالعاصمة صنعاء مركز ثقلٍ يتجاوز الأعراف الدبلوماسية، فبدلا من أن تكون مبنىً للعلاقات الثنائية، كانت غرفة عمليات لإدارة ملفات سياسية وأمنية واقتصادية. السفير الأمريكي تحوّل –وفق وقائع تلك المرحلة– إلى صاحب الكلمة النافذة في تفاصيل المشهد الداخلي؛ ينسج العلاقات مع قوى قبلية وسياسية، يدعم أطرافًا ضد أخرى، ويتدخل في مسارات الدولة الحساسة.

تمركزُ المارينز بكثافة في محيط السفارة، وتجهيزُها بمدرعات وتحويلها إلى ثكنة عسكرية كان رسالة واضحة بأن الحضور الأمريكي لم يكن رمزيًا في تلك الفترة، كانت الطائرات الأمريكية تنفذ ضربات داخل الأراضي اليمنية، فيما تغيب المواقف الرسمية الرافضة، ويجري تبرير العمليات تحت عناوين متعددة، بينما تُحاصَرُ الأصوات المطالبة بالسيادة ووقف التدخل.

جاء 11 فبراير 2015 ليقلب الطاولة، أُحرق الأمريكيون وثائقهم، حطموا الأجهزة والسيرفرات، وخضع الجنود للتفتيش قبل المغادرة، وغادروا في مشهد غير مألوف لقوة اعتادت أن تغادر من أبواب النصر لا من مخارج الارتباك. كان ذلك اليوم تتويجًا لمسار بدأ مع ثورة 21 سبتمبر 2014م، حين تحوّل شعار التحرر إلى فعلٍ سياسي أنهى الوصاية المباشرة على مركز القرار في صنعاء.

من تحرير العاصمة إلى معارك البحر
خروج المارينز كان بداية مسار تصاعدي أعاد تشكيل موقع اليمن في الإقليم، السنوات اللاحقة شهدت تحولات كبيرة؛ فبعد أن كانت واشنطن تدير ملفات أمنية معقدة (من توظيف ملف تنظيم القاعدة إلى بناء قواعد بيانات مرتبطة بمؤسسات الدولة) وجدت نفسها خارج المشهد المباشر، تحاول استعادة نفوذها عبر أدوات إقليمية وتحالفات متعددة.

العدوان الذي بدأ في مارس 2015م قُرئ كردة فعل على خسارة النفوذ المباشر، ومحاولة لإعادة إنتاج الوصاية عبر واجهات إقليمية. غير أن مسار المواجهة كشف تحوّلا تدريجيا في موازين القوة، فخلال عقد كامل من العدوان والحصار تطورت القدرات العسكرية اليمنية على نحو لافت، وانتقلت المعركة من الدفاع عن العاصمة إلى فرض معادلات ردع في البحرين الأحمر والعربي وباب المندب.

في السنوات الأخيرة -ومع تصاعد التوترات الإقليمية- برز اليمن لاعبًا مؤثرًا في معادلة البحر الأحمر، تقارير غربية تحدثت عن كلفة مالية باهظة تكبدتها الولايات المتحدة في عملياتها البحرية، وعن تحديات غير مسبوقة واجهتها قواتها أمام قدرات صاروخية وجوية وبحرية يمنية آخذة في التطور، فالصورة التي رُسمت لعقود عن بحرٍ خاضع لهيمنة أحادية بدأت تتصدع، ومعها تآكلت هيبة الردع التقليدي.

بين عامي 2015 و2026، تشكّلت رواية مختلفة، بداية من هروب مرتبك في مطار صنعاء، إلى انسحابات متكررة لقوى بحرية كبرى من محيط باب المندب. تحالفات أُعلنت تحت عناوين متعددة (إقليمية أو أوروبية أو مشتركة)، واجهت واقعًا ميدانيًا معقدًا، فيما استمر اليمن بكونه قوة تفرض معادلات جديدة، لا كملفٍ أمني هامشي.

كلفة الهيمنة وهزيمة الأدوات
لم تقتصر مرحلة ما قبل 2015م على النفوذ السياسي والأمني؛ فقد امتدت التبعية إلى كل مفاصل الدولة ومن بينها الاقتصاد: تعطلت مشاريع تنموية، أُضعفت قطاعات إنتاجية، جرى الدفع نحو خصخصة مؤسسات استراتيجية، وتراجعت خطط التوسع في زراعة محاصيل أساسية كالقمح، رغم امتلاك البلاد مقومات زراعية ومعدنية وبحرية واسعة، وكانت الدولة تسير في مسارٍ يجعل قرارها الاقتصادي مرتبطًا بشبكات خارجية، ويُبقي قدراتها رهينة توصيات وشروط.

في الملف الأمني استُخدمت أدوات متعددة؛ من الطيران المسيّر لضرب المناطق اليمنية إلى بناء شبكات معلومات واسعة. ومع خروج المارينز وإغلاق السفارة انكشفت هشاشة هذا البناء، خصوصا مع اعترافات سابقة بوجود مكاتب استخباراتية داخل البعثة الدبلوماسية. فجأة، وجدت واشنطن نفسها بلا شبكة معلومات ميدانية متماسكة، وهو ما أشار إليه مسؤولون أمريكيون لاحقًا عند تفسير صعوبات المواجهة اللاحقة.

تجارب التاريخ القريب -من فيتنام إلى العراق وأفغانستان- كانت تلاحق صورة القوة الأمريكية، وفي اليمن انضم فصل جديد إلى تلك السلسلة؛ فصل يؤكد أن التفوق العسكري لا يكفي حين تصطدم القوة بإرادة مجتمع يرى في السيادة قضية وجود.

عقد من التحولات وسيادة تُكرَّس
بعد أحد عشر عامًا على ذلك اليوم، لم يعد 11 فبراير 2015 مجرد ذكرى انسحاب، بل عنوانًا لمرحلة سياسية جديدة في الوعي اليمني، ارتبط التاريخ بإنهاء الوصاية وصياغة حكمٍ يمني مستقل القرار. أما في القراءة الاستراتيجية الأوسع، فقد شكّل محطة كشفت حدود الهيمنة حين تواجه مشروعًا تحرريًا مستندًا إلى قاعدة اجتماعية صلبة.

من إحراق الوثائق في سفارة واشنطن، إلى أصداء المعارك البحرية في البحر الأحمر، يتبدّى خطٌ واحد، مسار يتدرج من استعادة القرار الداخلي إلى التأثير في المجال الإقليمي. قد تختلف التقديرات حول حجم التحول ومآلاته، لكن الثابت أن اليمن لم يعد ساحة لقوى الهيمنة.

إن تجربة العقد الماضي تقول إن الشعوب -حين تعيد تعريف ذاتها خارج معادلة الوصاية- قادرة على تغيير قواعد اللعبة مهما بدا ميزان القوة مختلًا. في هذا السياق، يظل 11 فبراير 2015م علامة فارقة؛ يومًا خرج فيه المارينز الأمريكي من صنعاء، ودخلت اليمن مرحلة جديدة عنوانها السيادة، ومعادلتها أن الإرادة حين تتجذر تصبح الجغرافيا عصية على الانكسار.