العمل التعاوني الزراعي… من سؤال البقاء إلى السيادة الإقتصادية
ذمــار نـيـوز || مقالات ||
9 فبراير 2026مـ –21 شعبان 1447هـ
بقلم// إبراهيم مجاهد صلاح
لم تأتِ النجاحات المُشَهَدة في الواقع الزراعي اليمني المعاصر من فراغ، ولم تكن وليدة حماس عابر أو سياسات ظرفية، بل هي ثمرة لرؤية متكاملة قادها باقتدار الإتحاد التعاوني الزراعي، الذي اضطلع بدور محوري في إعادة صياغة دور الجمعيات التعاونية وتحويلها من كيانات شبه غائبة إلى أدوات تنموية حقيقية، تسهم في صياغة ملامح السيادة الغذائية والنهضة الاقتصادية.
لم يكتفِ الاتحاد برفع الشعارات، بل تبنّى فعلًا مؤسسيًا دقيقًا، استطاع من خلاله أن يُعيد الاعتبار للمشروع التعاوني في وعي المزارع، ويُعيد الثقة للمجتمع في منظومة جماعية كانت – ولزمن طويل – مرادفة للتكلّس والجمود والانتظار.
من الخمول إلى الفعل
عبر إشراف مباشر وتنسيق مؤسسي دؤوب مع الوزارات، والسلطات المحلية، وشركاء التنمية، نجح الاتحاد في إعادة هيكلة الجمعيات التعاونية، وتفعيل دورها كرافعة اقتصادية قادرة على إدارة موارد مجتمعاتها وتوجيهها نحو الإنتاج. تحول الكيان التعاوني من غياب طويل إلى حضور شديد الفعالية، يمتلك رؤية تنموية رشيدة، ومؤهلات بشرية مدربة.
فقد أرسى الاتحاد قواعد النهج المؤسسي في عمق البناء التعاوني، فلم يعد العمل يُدار بأهواء أو اجتهادات، بل بمنظومة ناظمة تخضع للرقابة المالية الشفافة والحسابات اليومية الدقيقة، وتدار بكفاءات هندسية وإدارية خضعت لمراحل تأهيل وتدريب متقدمة في فنون الإدارة، الإقراض، التسويق والإنتاج.
حارس الاكتفاء… وصانع القرار الإنتاجي
لقد أدرك الاتحاد منذ البداية أن المعركة على السيادة الغذائية ليست معركة بذر وحصاد فحسب، بل هي مواجهة شاملة مع منظومة اقتصادية صُمّمت لإبقاء اليمن تابعًا غذائيًا، ومن هنا، قدم العمل التعاوني مشروع سلاسل القيمة كبرنامج اقتصادي متكامل، يُعالج إشكالية الإنتاج منذ جذورها حتى تثميرها، متجاوزًا النظرة التجزيئية التي أغرقت المزارع المحلي في الإحباط لعقود.
اختار الاتحاد أن يكون شريكًا في الإنتاج، لا مجرد مراقب، وسعى إلى إحداث تكامل بين أنشطة الزراعة والتربية الحيوانية والتصنيع الغذائي، على نحوٍ أفرز نماذج نوعية، من أبرزها مشروع توطين الألبان، الذي لم يكن ليحقق نجحًا مستدامًا إلا بالعمل التعاوني الذي جسدته الجمعيات في تنظيم العلاقة بين المزارع، والمصنع، والسوق، بما حفظ قيمة المنتج، وقطع الطريق على هيمنة السلع المستوردة.
المعرفة بالمشاهدة.. والتغيير بالنموذج
انتهج الاتحاد التعاوني الزراعي استراتيجية فريدة التدريب على رأس العمل، عبر تنفيذ زيارات ميدانية بقيادة أمينه العام، إلى نماذج تنموية ناجحة في مختلف المحافظات. وهذه الجولات ليست استعراضية، بل هي مختبرات مفتوحة لتبادل الخبرات، وبناء السياقات المشتركة بين التجارب، والتسويق الداخلي بين الجمعيات.
ومن خلال هذه الفعاليات، تكرّس نمط جديد من التنافس التنموي البناء، حيث تتسابق العُزل والقرى والمديريات لعرض أفضل ما لديها، ما أفضى إلى نسج خارطة تنمية واقعية قائمة على الفعل لا الوعد، وعلى المبادرة لا التبعية.
ذراع الدولة… وضمانة السيادة
لقد أثبت العمل التعاوني أنه الذراع التنفيذي الأقوى للدولة في القطاع الزراعي، والنافذة التي عبّرت بصدق عن توجيهات القيادة الثورية والسياسية، وحولتها إلى شرايين حياة تمد الريف بالتنمية، والإنتاج، والثقة. مشاريعه ليست حبرًا على ورق، بل آبار محفورة، وبذور موزعة، وقروض صغيرة زرعت الأمل في صدور المزارعين، بعد أن ظنّوا أنه لا سبيل سوى الارتهان للخارج.
العمل التعاوني اليوم يتحرك بوصفه بوصلة الاقتصاد الوطني، يتقدّم بخطى ثابتة نحو اقتصاد إنتاجي محلي، ويؤسس لبنية مؤسسية منضبطة تُراكم الخبرات، وتحفظ الموارد، وتُعيد صياغة علاقة الإنسان بأرضه.
صوت المرحلة… ورهان المستقبل
وفي زمن تتصدر فيه معارك الشعوب على الهوية والسيادة، يدخل العمل التعاوني معركته بأسلحته النظيفة: التنظيم، التخطيط، التدريب، الحماية، والانحياز للفلاح. وهو بهذا لا يصنع منجزًا لحظيًا، بل يؤسس لتحوّل معرفي عميق يُعيد الاعتبار للزراعة كثقافة وركيزة للقرار الوطني.
إنه مشروع النهضة الهادئة التي تُصاغ في صوامع الحصاد، وتنضج في صمت خلف أكفّ الفلاحين. العمل التعاوني لا يصنع خبز الأرض فقط، بل يصوغ ملامح زمن جديد، بعرق ومبادرة وإيمان لا يعرف المستحيل.
