الحشد العسكري الأمريكي: إدارة التصعيد أم تمهيد للمواجهة؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
31 يناير 2026مـ – 12 شعبان 1447هـ
يشهد “الشرق الأوسط” واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ سنوات، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، وتكثيف واشنطن حضورها العسكري بشكل غير مسبوق في نطاق مسؤولية القيادة المركزية، هذا الحشد، الذي يجمع بين القوة البحرية والجوية والاستخبارية يأتي في سياق صراع مفتوح على معادلات الردع، ومحاولة أمريكية لإعادة ضبط ميزان القوة في إقليم تتآكل فيه الهيبة التقليدية للولايات المتحدة.
ورغم ضخامة الانتشار ونوعيته، لا تزال المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن واشنطن لم تحسم خيار الحرب الشاملة، نظراً للمخاطر الكبيرة والكلفة الهائلة في حال جازفت في العدوان على إيران، لذلك يبدو أنها تتعامل مع القوة بوصفها أداة ضغط قصوى، تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة استنزاف نفسي واستراتيجي، من دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها، إلا أن وقائع الميدان تظهر أن واشنطن هذه المرة لم تتقن حتى لعبة حرب الأعصاب.
الاستعراض الأمريكي للقوة
خلال الأسابيع الماضية، دفعت الولايات المتحدة بأصول عسكرية ثقيلة إلى المنطقة، شملت حاملات طائرات، مدمرات صاروخية، غواصات نووية، وأسراباً جوية متقدمة، إضافة إلى منظومات دفاع جوي وقدرات استخبارية ولوجستية عالية الكثافة، وقد أطلق المجرم دونالد ترامب على هذا الحشد توصيف “الأرمادا”، في رسالة رمزية تستحضر منطق الحسم البحري والقوة الساحقة على غرار ما حدث بين إنجلترا وإسبانيا.
هذا الانتشار وفّر لواشنطن قدرة نارية كبيرة، خصوصاً مع تمركز مئات صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى على متن المدمرات والغواصات، إلى جانب ما تحمله مجموعة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” من قدرات هجومية متعددة الطبقات، كما عزّزت الولايات المتحدة حضورها الجوي بأسراب من طائرات “إف-35″ و”إف-15 إي” و”إف-16″ و”إيه-10″، مدعومة بطائرات استطلاع ونقل وتزويد بالوقود، ما يتيح لها تنفيذ عمليات واسعة النطاق في وقت قصير.
غير أن هذا الحشد، على الرغم من جاهزيته العملياتية، لم يتمكن من تغيير الموقف الإيراني أو يجبر طهران على تقديم أي تنازلات، بل تحولت الحشود الأمريكية الهائلة من نقطة قوة إلى مؤشر ضعف بعد اقترابها من مرمى الأسلحة الإيرانية.
التحركات الأمريكية لم تقتصر على الاستعراض العسكري، بل شملت نشاطاً استخبارياً مكثفاً، تمثّل في تكثيف طلعات الطائرات الاستطلاعية الاستراتيجية، ولا سيما الطائرة RC-135V Rivet Joint، المتخصصة في جمع الإشارات الإلكترونية ورصد أنظمة الدفاع الجوي المعادية، تحريك هذا النوع من الأصول يُعد مؤشراً بالغ الدلالة، إذ غالباً ما يسبق العمليات العسكرية الكبرى أو يواكب مراحل تحديث بنك الأهداف.
في السياق نفسه، أعلنت القيادة الجوية المركزية الأمريكية تنفيذ تمرين استعداد متعدد الأيام، يهدف إلى اختبار القدرة على نشر وتوزيع ودعم القوة الجوية في مسرح عمليات واسع، ورغم أن هذه التمارين باتت شائعة نسبياً، فإن توقيتها، المتزامن مع وصول حاملة الطائرات “لينكولن” يهدف إلى منح واشنطن بعداً سياسياً وردعياً واضحاً ويجعلها قابلة للتحول السريع من تدريب إلى عملية هجومية إذا ما اتُخذ القرار السياسي بذلك.
الرد الإيراني: جاهزية محسوبة ورسائل ردع غير مباشرة
في المقابل، لم تتعامل إيران مع هذا التصعيد من موقع الانفعال أو الرد الفوري، بل اختارت استراتيجية رفع الجاهزية الدفاعية بشكل مدروس، فقد عملت على تعزيز شبكة دفاعها الجوي عبر إدخال منظومات جديدة ونشر رادارات إنذار مبكر قادرة على توسيع نطاق الرصد والكشف، بما يمنحها وقتاً إضافياً للتعامل مع أي اختراق محتمل.
إلى جانب ذلك، اعتمدت طهران خطاباً ردعياً مدروساً، تجلّى في رسائل إعلامية وعسكرية، أبرزها نشر مشاهد قريبة لحاملة الطائرات الأمريكية، مرفقة بإيحاءات واضحة حول القدرة على استهدافها، هذه الرسائل لا تهدف إلى التصعيد بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلة ردع قائمة على الحرب غير المتماثلة، خصوصاً في مجال المسيّرات والصواريخ الدقيقة، التي تُعد نقطة قوة مركزية في العقيدة العسكرية الإيرانية.
في ذات السياق، أصدر قائد الجيش الإيراني الأدميرال أمير حاتمي، التوجيهات بدمج ألف طائرة مسيّرة استراتيجية في الهيكل العملياتي لفروع الجيش الأربعة، طُوّرت هذه الطائرات المسيّرة بما يتماشى مع التهديدات الأمنية الناشئة والدروس العملياتية المستفادة من حرب الأيام الـ 12 الأخيرة؛ حيث أنتج هذه الأنظمة متخصصون من الجيش الإيراني بالتعاون مع وزارة الدفاع.
وصُمّمت هذه الطائرات لتناسب فئات عملياتية متعددة، تشمل الضربات والهجمات والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وهي مُخصصة لاستهداف أهداف ثابتة ومتحركة مُحددة في المجالات البحرية والجوية والبرية.
وعن طبيعة الأهداف قال الأدميرال علي شمخاني، مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران: إنّ الحديث عن “ضربة محدودة” ضد الجمهورية الإسلامية ما هو إلا محض وهم يراود مخيلة أعدائها، وشدّد على أنّ أيّ عمل عسكري أمريكي، وبغض النظر عن منطلقه الجغرافي أو مستواه العملياتي، سيُنظر إليه فورًا باعتباره بدءًا رسميًّا للحرب، وهو ما يفرض واقعًا ميدانيًا لا رجعة فيه.
وأكّد أنّ الرد الإيراني لن يكون تقليدياً أو محصوراً في إطار جغرافي ضيّق، وإنّما سيكون رداً فورياً وغير مسبوق في تاريخ الصراع، يستهدف المعتدي المباشر وكافة الأطراف المؤيدة والمسهلة للعدوان، وصولاً إلى استهداف قلب (تل أبيب) بشكّلٍ مباشر.
الجهوزية العسكرية الإيرانية واتساع خياراتها وبنك أهدافها يضع واشنطن بين خيارات ضيقة، فلا يمكنها الصمود أمام استهداف الكيان الصهيوني، ناهيك عن وقوع قواتها المنتشرة في المنطقة تحت تهديد الأسلحة الإيرانية التي أثبتت فاعليتها خلال حرب الـ12 يوماً.
بين الحرب والتفاوض: حسابات الكلفة وحدود الخيارات
رغم كل مظاهر التصعيد، لا يزال خيار الحرب الشاملة محاطاً بكوابح سياسية واستراتيجية قوية، فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مع إيران لن تكون عملية محدودة أو سريعة الحسم، بل قد تتحول إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات، يهدد المصالح الأمريكية وحلفاءها، ويضغط على الداخل الأمريكي سياسياً واقتصادياً.
في المقابل، تُظهر التصريحات الصادرة من واشنطن وطهران إشارات مزدوجة، تجمع بين التهديد والاستعداد للتفاوض، فالإدارة الأمريكية تُبقي الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية لكن هذا الأسلوب لا يمكن للولايات المتحدة أن تتخذه إلا في حالات الارتباك والشعور بالقلق أمام الخصم، خاصة وأن تاريخ أمريكا يقوم على سحق الخصوم بشكل نهائي دون طرح جدي لخيارات التفاوض.
في نفس الوقت تؤكد إيران أنها لا ترفض التسوية، شرط أن تحافظ على مصالحها القومية وسيادتها مع الإعلان الصريح عن الجهوزية للمواجهة الشاملة دون اكتراث لأي حشد عسكري أمريكي بالرغم من ضخامته، وهذا الثبات لدى إيران ينبئ عن جهوزية كاملة وإعداد جيد لمواجهة مختلف السيناريوهات.
هذا التباين في الموقف ينبئ أن الولايات المتحدة واقعة في مأزق ناتج عن سوء تقدير في الموقف، بعد مسارعة واشنطن بالحشد العسكري استناداً إلى الواقع الداخلي الإيراني قبيل الحشد، والمشحون بالفتن الداخلية والأزمة الاقتصادية، إلا أن اليقظة الرسمية والشعبية في إيران كانت كفيلة بتغيير المعادلة في وقت قياسي، ناهيك عن استخدام إيران أهم أوراق الضغط على واشنطن والمتمثلة في التهديد باستهداف الكيان الصهيوني حال تعرضت لعدوان، وهو الأمر الذي لم تضرب واشنطن حسابه، فطوال الأيام الماضية حرصت على إبقاء الكيان الصهيوني بعيداً عن المشهد.
ساحات الإسناد وتوسّع المخاطر الإقليمية
ما يزيد من خطورة المشهد هو دخول قوى إقليمية على خط الأزمة، عبر إعلان استعدادها لدعم إيران في حال تعرضها لعدوان، هذا العامل يحوّل أي مواجهة محتملة من صراع ثنائي إلى صراع إقليمي واسع، تتداخل فيه ساحات متعددة، من البحر إلى البر، ومن الخليج إلى البحر الأحمر.
هذا الواقع يفرض على واشنطن حسابات دقيقة، إذ إن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة السيطرة على مسار الصراع أو نهايته، في ظل قدرة خصومها على توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها إلى مستويات غير متوقعة، خاصة وأن واشنطن لا تزال عالقة في تبعات هزيمتها المذلة خلال المعركة مع الجيش اليمني في البحر الأحمر والتي اضطرت معه واشنطن لعقد صفقة بوساطة عمانية لإخراجها من المستنقع اليمني بعدما فقدت حاملات طائراتها سمعتها وأصبحت مثلاً للفشل.
خاتمة
في ضوء هذا المشهد المركّب، يتضح أن الحشد العسكري الأمريكي، على ضخامته ونوعيته، لا يعكس بالضرورة إرادة حسم عسكري بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي تعيشه واشنطن في مواجهة خصم لم يعد قابلاً للاحتواء بأساليب الضغط التقليدية، فالولايات المتحدة، وهي تستعرض قوتها، تدرك أن الانتقال من الاستعراض إلى الفعل سيضعها أمام معادلة مفتوحة على احتمالات غير قابلة للضبط، تبدأ من استهداف مصالحها وقواعدها وحلفائها، ولا تنتهي عند حدود جغرافية أو زمنية محددة.
في المقابل، تُظهر إيران أنها انتقلت من موقع الدفاع إلى تثبيت توازن ردع فعلي، قائم على الجهوزية الشاملة، واتساع بنك الأهداف، وتعدّد أدوات المواجهة، ما يجعل أي رهان أمريكي على “ضربة محدودة” أو حرب قصيرة الأمد ضرباً من الوهم الاستراتيجي، ومع انخراط ساحات إقليمية متعددة في معادلة الردع، باتت كلفة الحرب أعلى بكثير من قدرتها على تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية واضحة لواشنطن.
وعليه، يبقى الإقليم معلقاً بين خيارين: تصعيد محسوب يُدار بعناية لتفادي الانفجار، أو انزلاق غير محسوب نحو مواجهة شاملة لا تمتلك واشنطن القدرة على التحكم بمسارها أو مآلاتها، وفي هذا المشهد، تتكشف حقيقة المشهد أن القوة، حين تفقد قدرتها على فرض الإرادة، تتحول من أداة حسم إلى عبء ثقيل، وأن المنطقة باتت اليوم أقرب إلى الانعتاق من الغطرسة الأمريكية.
