المنطقة على مفترق الحرب: مواجهة أمريكية-إيرانية قد تعيد رسم خريطة المنطقة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
29 يناير 2026مـ – 10 شعبان 1447هـ

تقريــر ||محمد ناصر حتروش

تتصاعد وتيرة التوتر الإقليمي في ظل مؤشرات عسكرية وسياسية متسارعة، تعكس حجم الصراع المفتوح على موازين القوة في الشرق الأوسط، وسط حديث متزايد عن احتمالات مواجهة كبرى قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، وتترك انعكاساتها على مستقبل المنطقة والعالم.

وفي خضم هذا المشهد المعقّد، تتراجع الرهانات على المواقف السياسية المعلنة، لصالح قراءة أعمق لطبيعة القرارات الاستراتيجية التي تحكم سلوك القوى الإقليمية والدولية، لا سيما في ظل تشابك المصالح والارتباطات الأمنية والعسكرية.

وتظهر الجغرافيا الخليجية بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة الصراع، في وقت تتباين فيه التقديرات حول إمكانية انخراط دول الخليج في أي مواجهة مقبلة، أو السماح باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية ضمن أي عمل عدائي محتمل. ويأتي ذلك في ظل واقع سياسي وأمني تفرضه شراكات وتحالفات طويلة الأمد، تجعل القرار السياسي محكومًا بقيود تتجاوز الاعتبارات الظرفية.

في هذا السياق، تتقاطع قراءات الخبراء العسكريين عند توصيف المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة ما قبل المواجهة، حيث يجري استعراض القوة وقياس القدرة على فرض التوازن، دون الانزلاق حتى اللحظة إلى حرب شاملة، رغم كلفتها المتوقعة وتعقيداتها الواسعة.

في السياق يرى الخبير العسكري عمر معربوني أن المؤشرات الميدانية والسياسية الراهنة تؤكد أن أي مواجهة عسكرية محتملة في المنطقة ستظل محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، مع دور صهيوني مباشر أو غير مباشر، دون انخراط فعلي لدول الخليج في المعركة. ويؤكد معربوني، بصياغة تحليلية، أن دول الخليج لا تبدو في موقع يسمح لها باتخاذ قرار مستقل بالمشاركة، أو السماح باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية لتنفيذ ضربات ضد إيران، نظرًا لما يترتب على ذلك من تبعات استراتيجية وأمنية باهظة.

ويشير إلى أن القيود المفروضة على القرار الخليجي ترتبط باتفاقات أمنية وسياسية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، تجعل الخروج عنها مكلفًا وجوديًا، وليس مجرد مخاطرة ظرفية، موضحًا أن أي استخدام محتمل لتلك القواعد سيكون مكشوفًا تقنيًا للقوات المسلحة الإيرانية، ما يجعل الرد الإيراني حتميًا، في ظل قرب المسافات الجغرافية، وقدرة طهران على استهداف منشآت حيوية بصواريخ متوسطة المدى.

ويفيد بأن ما يُطرح من مواقف سياسية مسبقة لا يعدو كونه تعبيرًا عن مرحلة اختبار للقدرات، وقياسًا لمدى قدرة إيران على فرض توازن ردع جديد، في معركة قد تكون مفصلية، لكنها حتى اللحظة لا تخدم الاستراتيجية الأمريكية رغم كلفتها العالية على جميع الأطراف.

وفق مراقبون وخبراء دوليون، فإن القراءة العسكرية للمشهد لا تنفصل عن التجارب السابقة في المنطقة، حيث أظهرت الأحداث ترددًا واضحًا لدى عدد من الدول العربية في الانخراط المباشر، مقابل الاكتفاء بأدوار غير معلنة أو دفاعية، وهو ما يعزز فرضية حصر المواجهة في أطرافها الرئيسية.

حول هذه الجزئية، يقول الخبير في الشؤون الدولية الدكتور محمد هزيمة إن دول الخليج، من حيث المبدأ، لن تنخرط في أي معركة مقبلة ضد إيران، ولن تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية في هذا الاتجاه، مشددًا على أن أي سيناريو معاكس سيقود إلى رد إيراني مباشر، نظرًا لقدرة طهران التقنية على رصد مصادر الهجوم وتحديدها بدقة.

ويضيف هزيمة أن المرحلة الراهنة تمثل استعراض قوة متبادل، سبق المعركة الفعلية، حيث تستخدم الأطراف التصعيد العسكري كأداة تفاوض غير مباشرة، في محاولة لفرض شروط سياسية وأمنية، دون الذهاب إلى مواجهة شاملة في الوقت الحالي.

وفي حديثه إلى برنامج نوافذ، يؤكد هزيمة أننا نعيش في مشهد إقليمي شديد التعقيد، تحكمه معادلات الردع وتوازنات القوة أكثر مما تحكمه التصريحات السياسية المعلنة. فالمواجهة المحتملة، وإن بدت أقرب من أي وقت مضى، ما تزال محكومة بسقف محسوب، يفرض على الأطراف الكبرى الاكتفاء باستعراض القوة ورفع منسوب التهديد، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة ذات كلفة غير قابلة للاحتواء.

وفق هذه المعطيات، تقف المنطقة عند مفترق حساس، حيث تتزامن الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن تقديم مسارات تهدئة حقيقية.

وفي هذا الإطار، تبقى فرضية الحرب الشاملة قائمة، لكنها مؤجلة، بانتظار لحظة كسر التوازن أو فشل أدوات الضغط غير المباشر.

وبينما يستمر التصعيد الإعلامي والعسكري، تظل الحقيقة الأبرز أن معركة التوازنات لم تُحسم بعد، وأن ما يجري اليوم ليس سوى فصل من صراع أطول، قد يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، ويحدد ملامح المرحلة المقبلة على المستويين الإقليمي والدولي.