قطاع الدواجن في اليمن: من فكّ الارتباط الاستيرادي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ
تقرير|| يحيى الربيعي
في لحظة تاريخية فارقة من مسيرة التحرر الوطني، وبناءً على الرؤية القرآنية التي أرساها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في ضرورة امتلاك الأمة لقوتها كشرط أساسي لامتلاك قرارها، تنطلق اليوم معركة الاكتفاء الذاتي في قطاع الدواجن كجبهة إستراتيجية لا تقل ضراوة عن جبهات المواجهة العسكرية، حيث تدرك القيادة الثورية أن الارتهان للمستورد قيدٌ أراد العدوان الصهيو-أمريكي تكبيل اليمن به ليبقى رهينة لسياسات التجويع والابتزاز. ومن هذا المنطلق، جاءت قرارات حكومة التغيير والبناء لتترجم هذه الرؤية إلى واقع ميداني يقطع دابر الهيمنة الاستيرادية، معتبرةً أن كل بيضة منتجة وكل دجاجة محلية هي طلقة في صدر الحصار، وخطوة عملية نحو انتزاع السيادة الغذائية من براثن القوى الاستعمارية التي سعت طوال عقود إلى تدمير البنية الإنتاجية لليمن وتحويله إلى سوق استهلاكية لمنتجاتها المشبوهة.
وتأسيساً على هذا التوجه الثوري، تحركت وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، ممثلة بوحدة الدواجن، وبرنامج سلاسل القيمة، لترجمة مصفوفة التغيير والبناء إلى حراك إنتاجي شامل بدأ من قلب تهامة النابض بالصمود، حيث صار التعامل مع قطاع الدواجن مشروعاً وطنياً بصبغة مقاومة تهدف إلى فك الارتباط بمنظومة سياسات الاحتكار التي تمارسها كبريات شركات الاقتصاد العالمي.
وفي سياق هذا التحول، تم إيقاف استيراد الدجاج المجمد كقرار سيادي شجاع، مفسحاً المجال أمام سواعد المربين اليمنيين لإعادة بناء الهوية الإنتاجية، وهو ما أدى إلى تحول جذري في موازين القوى داخل السوق المحلية، حيث تلاحمت جهود الجمعيات التعاونية مع القطاع الخاص الوطني لتشييد قلاع إنتاجية وخطوط تجميد محلية، معلنةً بذلك انتهاء عصر “الدجاج العابر للقارات” وبداية عصر السيادة الغذائية اليمانية الخالصة.
سلاسل القيمة أداة للتحرر
وفي هذا السياق السردي الذي يكشف عمق التحولات، كشف المهندس هلال محمد الجشاري، مسؤول وحدة الدواجن وضابط سلاسل القيمة بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، في تصريح لـ”موقع أنصار”، عن ملامح ملحمة إنتاجية أدت إلى إحلال الدجاج المحلي المجمد بدلاً عن المستورد بشكل كامل، معلناً بذلك انتصاراً تقنياً واقتصادياً في قطاع يمثل العمود الفقري للأمن الغذائي القومي، حيث لم تكن هذه القفزة وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة إستراتيجية إنتاجية منظمة تهدف إلى كسر احتكار الشركات العالمية المتمثل في إغراق الأسواق بمنتجات مستوردة تهدف إلى ضرب البنية الإنتاجية المحلية وإبقاء البلاد رهينة لمؤشرات البورصات العالمية والعملات الصعبة.
وتشير المعطيات التحليلية الدقيقة إلى أن قطاع الدواجن يساهم بنحو 19% من الناتج المحلي و40% من قيمة الإنتاج الحيواني، ما يجعله خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات الغذائية المفتعلة، خاصة وأن المهندس الجشاري أكد أن الدجاج وبيضه -بالإضافة إلى ما ذكرنا- يعد مصدراً مهماً للبروتين، كما أن هذا القطاع يعد محركاً استثمارياً ضخماً يستوعب مليارات الريالات، ويوفر سبل العيش لمئات الآلاف من الأسر اليمنية. ومنذ انطلاق المسار التنظيمي في عام 2025 برعاية الوزير الشهيد الدكتور رضوان الرباعي، بدأت اليمن مرحلة تطهير هذا القطاع من “العشوائية المفتعلة” التي كان يديرها وسطاء محليون مرتبطون بأجندات استيرادية عابرة للحدود، ترفع التكلفة على المنتِج والمستهلك، وتضع الاقتصاد الوطني في دائرة مفرغة من الاستنزاف للعملات الصعبة.
ومع تفعيل “سلاسل القيمة” كأداة إدارية ورقابية صارمة، تمكنت الوزارة من تقليص حلقات الوساطة وربط المزرعة بالمستهلك مباشرة عبر مظلة الجمعيات التعاونية، وهو ما أدى إلى استعادة نشاط 1200 منشأة إنتاجية كانت قد أُخرجت من الخدمة بفعل سياسات الإغراق المتعمدة بالدجاج والبيض المستورد، ولم يتوقف الأمر عند حدود التربية، بل امتد ليشمل “ثورة لوجستية” تضمنت إعادة تشغيل 5 مسالخ كبرى وإنشاء 4 مسالخ آلية جديدة، بالتوازي مع توسيع البنية التحتية للتبريد لتصل سعتها الاستيعابية إلى أكثر من 20 مليون دجاجة، كما تم تثبيت سعر الكتكوت بما لا يتجاوز 350 ريالاً مع النقل إلى مربي الدواجن، وتعميم عدم البيع والتسويق دون فواتير رسمية محدد فيها السعر والمصدر والوجهة، ما خلق صمام أمان استراتيجي يمنع تقلبات الأسعار ويقطع الطريق أمام المتلاعبين بأقوات الناس في المواسم الحساسة مثل شهر رمضان المبارك، وصولا لسوق مستقر من الدواجن والبيض مع تحقيق فائض إنتاجي آمن لتعزيز الأمن الغذائي، وفي المقابل ستتخذ الوزارة إجراءات صارمة ضد المتلاعبين بالأسعار أو الجودة، وضد الممارسات الاحتكارية، ويأتي ذلك ضمن الجهود المستمرة لحماية المستهلك وضمان توازن السوق المحلي واستدامته.
معا لدعم المنتج الوطني
وفي عمق التحليل الوصفي لهذه التجربة، تبرز “معركة الأعلاف” كأخطر حلقات المواجهة، حيث يمثل العلف المستورد ما بين 70% إلى 80% من تكلفة الإنتاج، وهو ما جعل القطاع عرضة للابتزاز المالي الخارجي، وهنا يوضح الجشاري أن الوزارة تبنت رؤية “توطين صناعة الأعلاف” كمعركة استقلال لا تقبل القسمة على اثنين، حيث تم المضي قدماً في إحلال البدائل المحلية مثل الذرة الشامية والدخن وفول الصويا المزروع في أراضي تهامة والجوف والمناطق الشرقية، وتفعيل “الزراعة التعاقدية” التي ربطت مزارعي الحبوب بمصانع الأعلاف، ما أسهم في دعم المنتج المحلي وتخفيض فاتورة الاستيراد من الأعلاف. وقد تم التعاقد منذ بداية العام الحالي لأكثر من 200 طن ذرة شامية، ومستمرون. إضافة إلى أن نجاح زراعة محصول الصويا سيشكل نقلة كبيرة في تعزيز الاكتفاء الذاتي بداية بالاكتفاء من البذور هذا العام والتوسع في زراعته. كذلك -وهو الأهم- نجاح تجارب بحثية في تغذية الدواجن من خلال إدخال محصول الدخن الذي تنتشر زراعته في اليمن بنسبة كبيرة، وهذا سيساهم في استبدال أعلاف الدواجن المحلية بنسبة تصل إلى 75%، خصوصا من الذرة الشامية المستوردة. كل عذا وغيره سيؤدي إلى خفض الكلفة الإنتاجية بنسبة كبيرة بحجم التوسع في الزراعة والإنتاج، وتخفيض فاتورة الاستيراد التي تستنزف البلد أكثر من 800 مليون دولار سنوياً.
هذا التحول نحو “الأعلاف الوطنية” مثل تحولاً اقتصادياً كبيراً يهدف إلى فك الارتباط بالشركات الاحتكارية العالمية، ولاسيما تلك التي تتحكم في بورصات الحبوب، حيث شملت الخطة استخدام مخلفات العصر ومسحوق الأسماك المحلي كمصدر بروتيني، جنباً إلى جنب مع التوسع في زراعة الذرة الشامية محلياً، وتوطين إنتاج اللقاحات البيطرية، فيما تبرز العقول اليمنية بابتكارات نوعية كأنظمة التدفئة بالطاقة الشمسية لمواجهة تقلبات المناخ وارتفاع تكاليف المشتقات النفطية، ما يمنح المنتج المحلي قدرة تنافسية وجودة صحية تتفوق على نظيرتها المستوردة المشبعة بالهرمونات والمضادات الحيوية، إضافة إلى ذلك يجعل “البيضة والسماد والدجاجة” أجزاء من دورة اقتصادية مغلقة تعزز السيادة النقدية.
البنك المتنقل وحارس التنوع
وعلى مسار موازٍ يتسم بالأصالة، أطلقت الوزارة مشروعاً وطنياً لإنقاذ “الدجاج البلدي” من شبح الانقراض الذي طارده بفعل الأمراض الفيروسية الوافدة وغياب التحصين، حيث يعكف خبراء المؤسسات البحثية وكلية الطب البيطري وقطاع الثروة الحيوانية بالوزارة على تحسين السلالات المحلية وصولا لإنتاج سلالة دجاج بلدية نقية، وهناك تجارب وتغذية معينة أدت إلى تقليص فترة تربيتها من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر مع الحفاظ على قيمتها الغذائية العالية، وتوزع عبر الجمعيات التعاونية ضمن برامج التمكين الاقتصادي، مع ضمانة التسويق وتزويد المربين بفقاسات صغيرة، والاستمرار في البحث والإكثار سعياً للوصول إلى اكتفاء ذاتي يعيد “الدجاج والبيض البلدي” إلى كل بيت يمني كرافد اقتصادي وصحي، ليبقى الرهان الأخير -كما يراه الجشاري- معقوداً على وعي المستهلك اليمني في دعم منتج بلاده، وعلى شجاعة القطاع الخاص في الاستثمار بالبدائل المحلية، لانتزاع السيادة الغذائية من الخارج ونقلها إلى يد المزارع اليمني في خنادق الإنتاج.
ولا يقل “الدجاج البلدي” أهمية عن نظيره التجاري، بل يراه المهندس الجشاري “مخزن غذاء وبنكاً متنقلاً” للريف اليمني، وفي مواجهة غزو السلالات المهجنة التي تحتاج لبيئات معقمة ومكلفة، برز الدجاج البلدي كمقاوم طبيعي للأمراض، غني بالمعادن والفيتامينات، ومرتبط بالهوية الإنتاجية للأسرة اليمنية، وقد سعت الوزارة -عبر برامج التمكين الاقتصادي- إلى توزيع أكثر من 3500 دجاجة محسنة من السلالات المحلية، وتدريب المزارعين على التربية شبه المكثفة، ما منح المرأة الريفية استقلالية مالية وقدرة على المساهمة في الأمن الغذائي بعيداً عن تقلبات السوق العالمية، وهو ما يجسد مفهوم “المقاومة بالإنتاج” في أبسط وأقوى صوره.
ثورة البيع بالوزن
ولم يكن المسار الإنتاجي ليكتمل دون ثورة في التشريعات التجارية، حيث تم تكليف لجنة مشتركة من الزراعة، والاقتصاد والصناعة لدراسة آلية “البيع بالوزن” بدلاً عن “الرأس”، والذي سبقه نقلة في الثقافة الاستهلاكية السائدة، وتفعيل البيع بالوزن طوال العام الماضي ضمن الزراعة التعاقدية وتسويق دجاج مجمد منتج محلي وإحلاله بديلاً عن المستورد. ورغم محاولات التشكيك والمقاومة من بعض لوبيات التجارة التي اعتادت تحقيق أرباح مضاعفة عبر “غبن الحجم”، إلا أن آلية الزراعة التعاقدية عبر الجمعيات التعاونية وشركات ومسالخ الدواجن تمت خلال العام الماضي وصولا لتسويق 3500 طن من الدجاج المجمد المنتج محلياً بمبلغ يزيد عن 7 مليارات ريال، إضافة إلى تفعيل سلاسل إمداد، وتنظيم تسويق الدواجن محليا عبر الجمعيات التعاونية، وتسويق دجاج طازج ومبرد، وكله تم بالبيع بالوزن كمعيار أخلاقي واقتصادي يضمن حق المزارع في كل جرام من جهده، ويحمي المستهلك من التدليس. هذا الانتقال إلى “لغة الميزان” -إضافة إلى ما ذكر- سيتيح للدولة بناء قاعدة بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج الحقيقي بالطن، وهو ما يسهل عمليات التخطيط الاستراتيجي، ويمنع انهيار الأسعار في مواسم الذروة، مدعوماً بآلية رقابية صارمة تبدأ من المسالخ والحراجات وصولاً إلى موازين محلات التجزئة الإلكترونية.
من المنتج إلى المائدة
وبالنظر إلى المستقبل، فإن خطة عام 2026 تهدف إلى تسويق وتجميد ما بين 30 إلى 40 مليون دجاجة محلياً، مع سعي حثيث للوصول إلى تغطية 100% من احتياجات المدن الكبرى والمطاعم، هذا الطموح تسانده أرقام واقعية، حيث تم بالفعل تسويق أكثر من 5 ملايين دجاجة مجمدة بقيمة تتجاوز 7 مليارات ريال منذ بداية 2025، ما أدى إلى تجفيف منابع الاستيراد كلياً، ويشكل هذا الإنجاز قفزة نوعية ضد السياسات التي كانت ترى في اليمن مجرد سوق استهلاكية للمنتجات المنتهية الصلاحية أو المغشوشة والمشكوك فيها وفي مصادرها والكيانات التابعة لها .
إن الشراكة بين القطاع الحكومي والتعاوني والخاص -تحت إشراف اللجنة الزراعية والسمكية العليا، ووزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية ممثلا بقطاع التسويق والتجارة الزراعية وقطاع الثروة الحيوانية والاتحاد التعاوني الزراعية والجمعيات التعاونية الزراعية- قد أثبتت أن اليمن قادر على انتزاع سيادته من فم التحديات، فالقطاع الخاص الذي كان يتوجس سابقاً، بات اليوم شريكاً في بناء المسالخ والمصانع والمعامل، مدركاً أن “الاستثمار في الأرض والإنسان اليمني” هو الرهان الوحيد الرابح في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى، ومع استمرار تطوير وتوسع الاستثمار المحلي في قطاع الدواجن وإدارته الإدارة الصحيحة وتحول المستوردين إلى منتجين محليين، مع كل هذا تقترب اليمن من لحظة الاكتفاء الذاتي المطلق، حيث تصبح “الدجاجة اليمنية” رمزاً للكرامة الوطنية، وحائط صد منيعاً أمام محاولات التجويع والتركيع التي يمارسها أعداء الأمة.
ختاماً، يظل قطاع الدواجن في اليمن شاهداً على عظمة الإرادة حين تقترن بالرؤية العلمية والروح الجهادية، فما حققته وزارة الزراعة هو استعادة للقرار الوطني من مخازن الشركات الأجنبية، وتحويل الريف والمدن اليمنية إلى خلايا إنتاجية ترفض الركون إلى “اليقين” الاستيرادي، وتصنع فجرها بأيدي أبنائها، مؤكدة أن السيادة تبدأ من “اللقمة”، وأن سلاسل القيمة هي في الحقيقة سلاسل من الحرية والكرامة والشموخ اليمني الذي لا ينكسر.
