إرادة المقاومة في مواجهة الانتحار الأمريكي.. قراءة في سيناريوهات المواجهة المقبلة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ
تقريــر || منصور البكالي
تتجه المنطقة نحو المزيد من عدم الاستقرار نتيجة التحشيد العسكري الأمريكي ومغامرة ترامب لتوجيه عدوان جديد على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتأتي هذه التحركات في ظل أزمة داخلية تعصف بالمجرم ترامب، ومأزق كبير للطاغية نتنياهو، وهي مغامرات تحذر منها كبريات الصحف الأمريكية التي ترى أن المنطقة لا تتحمل المزيد من الحروب.
ويرسم الكاتب توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز” صورة قاتمة لمستقبل الولايات المتحدة، واصفاً إياها بدولة تعيش مخاض “حرب شوارع سياسية”؛ إذ يرى أن هذا التصدع البنيوي الناتج عن استغلال الإدارة للأزمات الاجتماعية لتعزيز سلطة شمولية، هو ما دفع بصناع القرار في البيت الأبيض نحو تفعيل أدوات الضغط العسكري الخارجي كمهرب استراتيجي.
وعلى هذا الأساس، فإن تحريك حاملات الطائرات والمدمرات نحو مياه المنطقة يمثل محاولة بائسة لترميم الهيبة المتآكلة، وتصدير الأزمة الداخلية نحو جبهات خارجية عبر استراتيجية “الحرب التركيبية” التي تمزج بين الحصار الاقتصادي، والحرب النفسية، والتحشيد العسكري.
وبالحديث عن سيناريوهات المواجهة وميزان الردع، تتحرك المنطقة حالياً ضمن ثلاثة مسارات محتملة، تحكمها قدرة طهران على فرض معادلات ردع غير مسبوقة:
أولاً: سيناريو الضغط المركب (الواقع القائم): يعتمد فيه العدو الأمريكي على تضخيم الحشود إعلامياً وممارسة الابتزاز الاقتصادي بهدف استنزاف الدولة الإيرانية دون الدخول في صدام مباشر، وهو مسار يُواجَه بصلابة إيرانية ترفض التفاوض تحت التهديد، وتعتمد على تحصين الجبهة الداخلية وتفعيل بدائل اقتصادية استراتيجية.
ثانياً: سيناريو المواجهة المحدودة: تروج له دوائر صهيونية واصفةً إياه بـ “الضربات الجراحية”، إلا أنه يظل محفوفاً بمخاطر الانزلاق السريع نحو حرب شاملة؛ فالتجارب أثبتت أن أي اعتداء سيُواجَه برد إيراني صاعق يطال المصالح الأمريكية والقواعد المنتشرة في المنطقة، وصولاً إلى العمق الحيوي لكيان العدو، وهو ما أوضحته القيادة الإيرانية بجلاء في رسائلها لدول المنطقة خلال الأيام الماضية.
ثالثاً: سيناريو الحرب الشاملة: ويظل الخيار الأكثر كلفة واصطداماً بحائط المستحيل؛ فالقدرات الصاروخية والبحرية لمحور المقاومة قادرة على شل الملاحة في الممرات الدولية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، واستهداف بنك أهداف يمتد عبر القارة، مما يجعل هذا الخيار انتحاراً سياسياً واقتصادياً للعدوين الأمريكي والإسرائيلي وأدواتهما، إن سمحت الأخيرة باستخدام أجوائها وأراضيها منطلقاً للعدوان.
وحول الوضع الراهن وما يعانيه العدو الإسرائيلي من ارتباك، تؤكد تقارير موقع “المونيتور” أن كيان العدو يعيش حالة من الذعر والارتهان للمزاج الأمريكي المتقلب؛ لإدراكه عجز منظوماته الاعتراضية عن مواجهة أمطار الصواريخ الإيرانية، وخشية تحوّل فلسطين المحتلة إلى ساحة الرد الأولي.
ويتزامن هذا القلق الصهيوني مع حراك دبلوماسي إقليمي تقوده أنظمة تفتقر للاستقلالية، وتتحرك كـ “بيدق” لنقل الرسائل الأمريكية وممارسة الابتزاز السياسي تحت مسمى “الوساطة”، وهو مسار ترفضه طهران جملة وتفصيلاً ما دام يفتقر للاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
أما عن موقف طهران الحالي، فتؤكد بعثتها لدى الأمم المتحدة وقادة حرس الثورة أن زمن الإملاءات قد ولى، وأن إيران التي تبدي انفتاحاً على حوار قائم على الندية، تضع يدها على الزناد للدفاع عن ثرواتها القومية وخطوطها الحمراء، مشيرةً إلى أن ردها في حال تعرضها لأي حماقة سيكون بقوة “لم يسبق لها مثيل”.
وتستند هذه التصريحات الواضحة إلى عمق استراتيجي يمتد من “يمن باب المندب” ومعاركه البحرية التي أعجزت الأساطيل، إلى “لبنان حزب الله”؛ مما يجعل أي اعتداء شرارة لحرب كبرى كفيلة بتغيير واقع المنطقة كلياً.
إن الحقيقة الميدانية تؤكد اليوم أن موازين القوى قد تغيرت؛ فالبوارج التي هربت من البحرين الأحمر والعربي خلال 52 يوماً فقدت قدرتها على صنع السياسة، والحصار المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود قوى إرادة إيران، ليظل المستقبل مرهوناً بصلابة محور المقاومة الذي بات يمتلك زمام المبادرة، تاركاً لعدوه الأمريكي الأرعن خياراً وحيداً: الاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية أو مواجهة تداعيات انفجار يطال مصالحه وقواعده وما تبقى له من نفوذ في المنطقة والعالم أجمع.
