سمات المشروع القرآني: الإطار الفكري والعملي لنهضة الأمة

8

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ

يُولد كل مشروعٍ نهضوي حقيقي من السؤالٍ “لماذا تتراجع الأمم، وكيف تستعيد معناها ودورها الحضاري؟ ومن هذا السؤال بالذات تَشَكَّل المشروع القرآني الذي قدّمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، كإعادة تأسيس لعلاقة الأمة بمصدر عزها ووعيها ونهضتها، بالسنن الإلهية التي تحكم صعوده، وبالتالي فقد تعامل شهيد القرآن مع واقع الأمة كنتاج تراكمي لاختلال في الرؤية قبل أن يكون خللًا في القوة المادية والمعنوية، وانطلاقًا من هذا الوعي أعاد شهيد القرآن الاعتبار للقرآن الكريم باعتباره مصدرا للوعي والمعرفة الحقيقية، وميزانا للحقائق، ومنهاجا لقراءة الإنسان والواقع والتاريخ معا، كون التغيير يبدأ من إعادة تشكيل الوعي، وتصحيح القناعات والرؤى والمعتقدات، وتنوير البصيرة التي بها يميّز الإنسان موقعه، وواجبه ومسؤوليته، واتجاه تحركه في الحياة. ومن هنا تبلور المشروع القرآني كمسارٍ تصحيحي وتنويري وأخلاقي ونهضوي متكامل، يتدرج بالإنسان والأمة من الإدراك للحقائق والإيمان بها إلى ترجمتها في الواقع العملي.

شهيد القرآن قدّم المشروع القرآني بوصفه مساراً تصحيحياً وتنويرياً وأخلاقياً ونهضوياً في آنٍ واحد؛ مشروعاً يواجه الواقع كما هو، لا كما يُتمنّى، ويتحرك بالناس من مواقع الوهن إلى فضاءات الفاعلية، ومن حالة التلقي السلبي لما يأتي من الأعداء إلى موقع الشهادة والمسؤولية، كمشروع يردّ الاعتبار للقرآن الكريم كمرجعية حاكمة، وميزان وعي، ودليل حركة في مختلف مجالات الحياة.

وتتجلى أهمية هذا المشروع في كونه أعاد وصل الدين الإسلامي بواقع الحياة وربط الإيمان بالفعل والموقف، وأعاد للأمة بوصلتها الحضارية وهويتها الجامعة، في مواجهة محاولات التفكيك والتغريب والتجهيل، فهو مشروع يواكب متغيراته، ويستبق أخطاره، مستنداً إلى رؤية قرآنية صادقة أثبت الواقع – مع تعاقب الأحداث – عمقها ومصداقيتها وأهميتها بالنسبة للإنسان والأمة.

إن سمات المشروع القرآني هي معالم عملية تجسدت في خطاب واعٍ، وتحذير مبكر، وبناء تراكمي للإنسان والأمة، بما يؤهلها للقيام بدورها الاستخلافي، والانتقال إلى مركز الفعل والتأثير، بعيدا عن التبعية والانكفاء على الذات والملذات إلى الشاهد الحضاري على عظمة الدين الإسلامي. ومن هنا، فإن استعراض هذه السمات هي قراءة في مشروع حي فاعل منفتح على المستقبل.

في كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في ذكرى شهيد القرآن لعام 1435هـ تحدث عن بعض سمات المشروع القرآني وعلى النحو التالي:

الطابع التصحيحي للمشروع القرآني: إصلاح الأمة من بوابة الوعي والثقافة
يتموضع المشروع القرآني، في جوهره العميق، كمشروعٍ تصحيحي يعالج علل الأمة من منابتها الأولى، بعيدا عن السطحية، وبالتالي فهو لا ينطلق من معالجة النتائج، وإنما يعمل على تصويب الأسباب، واضعًا التصحيح الثقافي في صدارة مسار التغيير، باعتباره المدخل الحتمي لإصلاح الواقع، ذلك أن حركة الأمة في التاريخ ليست إلا انعكاسًا مباشرًا لقناعاتها، وأفكارها، ورؤاها؛ فما يستقر في الوعي يتجسّد في الواقع، وما يختل في الفكرة ينعكس انحرافًا في السلوك والمآلات.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، يؤكد المشروع القرآني أن تغيير الواقع لا يمكن أن يتحقق دون تغيير ما بالنفوس، وفق السنّة الإلهية الخالدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فكل تصحيح في الرؤية يولّد تصحيحًا في القناعة، وكل تصحيح في القناعة يفضي إلى تصويب في الموقف، ثم إلى واقعٍ مختلف في نتائجه واتجاهاته.

ومن هنا، جعل المشروع القرآني القرآن الكريم المرجعية العليا والحاكمة على سائر الثقافات والمذاهب والرؤى، انطلاقا من كونه ميزاناً معرفياً ومعيارياً يُحتكم إليه، وقد انطلق شهيد القرآن – رضوان الله عليه – في خطابه التصحيحي بنقد المفاهيم المغلوطة السائدة، داخل الإطار المذهبي وخارجه، بعيدا عن لغة الجدل والترف الفكري، من دوافع الإصلاح، وتصحيح المسار، وانتشال الأمة من واقعها المتردي المجمَع على سوء مآلاته.

يقول السيد القائد: “من أبرز سمات المشروع القرآني الذي قدمّه الشهيد القائد للأمة هو أنه تصحيحي، يصحح واقع الأمة بدءاً من التصحيح الثقافي الذي هو الخطوة الأولى في تصحيح واقع الأمة. لا يمكن أبداً بأي حالٍ من الأحوال تغيير واقع الأمة وإصلاحه إلا إذا ابتدأنا من التصحيح الثقافي، لأن الأمة في واقعها هي تتحرك بناءً على قناعاتها. لدى الناس قناعات، أفكار، رؤى، يتحركون على أساسها في الواقع، والواقع بكل ما فيه هو نتيجة لتلك القناعات، القناعات الصحيحة والرؤى السليمة، يترتب عليها نتائج صحيحة في الواقع، ويبتني على أساسها الواقع ليكون واقعا صحيحاً، والقناعات والأفكار والرؤى المغلوطة يترتب عليها نتائج سيئة في الواقع، تسوء بها الحياة، وتترك آثارها السيئة في الحياة وفي الواقع بكله، ولذلك عملية التغيير يجب أن تبدأ بالتصحيح الثقافي الذي يترتب عليه تغيير ما بالنفوس لأن الله سبحانه وتعالى يقول {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وكلما تصححت ثقافة ورؤية تصحح وراءها قناعة وتصحح وراءها بالتالي واقع وتصحح من وراء ذلك نتيجة وبالتالي المدخل إلى تغيير واقع الأمة السيء الذي هو بالإجماع واقعٌ سيء، المدخل إلى تغييره هو التصحيح الثقافي، وأعظم وأصدق وأسمى وأهدى ما يمكن الاعتماد عليه للتصحيح الثقافي هو القرآن الكريم، القرآن الكريم الذي يجب أن نجعل له حاكمية مطلقة على كل ما هناك من ثقافات ومذاهب وأفكار ورؤى، وهو كتاب الله، لا داعي لأن يأنف أحد أو يستكبر من حاكمية القرآن على ثقافته أو مذهبه أو رؤيته أو كتابه.

فمن أهم السمات لهذا المشروع أنه تصحيحي، ولذلك في معظم الدروس والمحاضرات التي قدمها الشهيد القائد رضوان الله عليه تناول الكثير من المفاهيم المغلوطة سواءً منها ما كان سائداً في داخل طائفته الزيدية أو خارج طائفته بشكلٍ عام، وليس نقداً لمجرد النقد، وليس من باب التهجّم أبداً ولا الاحتقار أبداً ولا لهدف الإساءة، إنما لهدف التغيير، لهدف تصحيح الواقع، لهدف إصلاح الوضع السيء الذي هو سيء كما قلنا بالإجماع”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

الطابع التنويري للمشروع القرآني: صناعة الوعي والبصيرة في قراءة الواقع
يتميّز المشروع القرآني بكونه مشروعًا تنويريًا بامتياز، يستهدف تحرير البصيرة أولاً، وصناعة وعيٍ عميق بالواقع، وبالمسؤولية، وبطبيعة الصراع، وبمنطق الأحداث والمتغيرات، فالقرآن – في منطق هذا المشروع – لا يقتصر على الجانب الروحي فحسب، وإنما هو نور كاشف يمنح الإنسان القدرة على التمييز، والتقييم الصحيح، واتخاذ الموقف الحق، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، والنور هنا هو نور الوعي، الذي يكشف زيف التضليل، ويهدي إلى القراءة الواقعية للأحداث، بعيدًا عن الانخداع بالشعارات أو الارتهان للسطحية، ومن هذا المنطلق أسهم المشروع القرآني في بناء إنسانٍ واعٍ، يمتلك بصيرة نافذة، وقادر على فهم ما يجري حوله ضمن سياقه الحقيقي، لا كما يُراد له أن يُفهم.

“من أهم سمات هذا المشروع أنه تنويري، نور، بصائر، يقدم وعياً ويصنع وعياً عالياً، وبصائر تجاه الواقع، تجاه المسئولية، تجاه الاحداث، تجاه المتغيرات، ومن خلال القرآن الكريم، كل هذا من خلال القرآن الكريم الذي هو نور، ومعنى أنه نور أنه يعطيك البصيرة يرشدك إلى الموقف الصحيح إلى الموقف الحق إلى التقييم الدقيق الذي هو حق، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}، فهذا المشروع القرآني هو مشروعٌ تنويريٌ توعويٌ، ثمرته وعيٌ عالٍ وبصيرة نافذة وتقييم صحيح وقراءة واقعية للأحداث والمتغيرات”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

الطابع الأخلاقي والقيمي: إعادة القيم إلى مركز الفعل
ينطلق المشروع القرآني من إدراك عميق بأن المعركة مع الأمة لا تقتصر على السلاح، وإنما هي في المقدمة معركة قيم وأخلاق، فاستهداف القيم هو أخطر أشكال الاستهداف، لأنه يفرغ الإنسان من مناعته الداخلية، ويحوّله إلى كيانٍ هشّ قابل للتطويع والانكسار، ومن هنا، يتقدّم المشروع القرآني باعتباره مشروعًا أخلاقيًا قيميًا، يسعى إلى إعادة الاعتبار للأخلاق القرآنية بوصفها أساسًا ناظمًا للسلوك الفردي والجماعي. فالقرآن الكريم في جوهره، مشروع أخلاق، ومن دون ترسيخ القيم في الواقع العملي، يفقد أي مشروع نهضوي روحه ومعناه؛ ولذلك عمل هذا المشروع على إعادة القيم لتكون حاكمة في السلوك، والقرار، والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ومع الناس، ومع قضايا الأمة.

“من أبرز سمات هذا المشروع القرآني أنه أخلاقيٌ وقيمي مشروع أخلاق وقيم يهدف إلى إعادة الأمة من جديد إلى قيمها وأخلاقها القرآنية لأن من أهم ما يستهدفنا فيه أعداؤنا.. هم يستهدفوننا في القيم، وهم يستهدفوننا في الأخلاق، إضافة إلى أن الواقع القائم واقع الأمة القائم.. فعلاً هناك تراجع كبير وملحوظ لدى الجميع، تراجع كبير في القيم وتراجع كبير في الأخلاق، ومن أهم ما في القرآن الكريم هو الأخلاق، الأخلاق والقيم العظيمة الإنسانية والفطرية والإلهية، فهو مشروع يرسي الأخلاق والقيم ويعمل على إعادتها إلى الواقع لتحكم واقع الإنسان وسلوكه وتصرفاته من جديد”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

الطابع النهضوي: من الوهن إلى الفعل
لا يقف المشروع القرآني عند حدود التشخيص أو الوعظ والجانب العاطفي، وإنما يتجاوزهما إلى التحريك العملي الفاعل والمؤثر، فهو مشروع يهدف إلى إخراج الأمة من حالة الصمت والقعود والتبلّد، إلى حالة الموقف والفعل والتحرك الواعي. مشروع يوقظ الإحساس بالمسؤولية، ويعيد للأمة ثقتها بقدرتها على النهوض.

وقد قدّم شهيد القرآن – رضوان الله عليه – في إطار هذا المشروع مقومات النهضة القرآنية “الإيمان الواعي، والوعي بالعدو، والالتزام العملي: الجهاد والتضحية، والصبر، والعمل المنظّم”، وهي عناصر كفيلة بانتشال الأمة من واقع الوهن والعجز والتخلف إلى أفق القوة والفاعلية والتأثير.

“من أبرز سمات المشروع القرآني أنه نهضوي مشروع نهضوي يترتب عليه تحريك الأمة وتفعيلها والنهضة بها. فهو ينهض بالأمة إلى الأعلى من حالة الصمت إلى الموقف، من حالة القعود إلى القيام إلى التحرك، ثم يقدم المقومات اللازمة للنهضة بالأمة وانتشالها من واقع الوهن والضعف والعجز والتخلف، وهناك مساحة واسعة في الدروس والمحاضرات التي تتحدث عن أهم المقومات النهضوية التي تنهض بالأمة وتنتشلها من حالتها التي هي فيها، وهي حاله بئيسة ومؤسفة”. (ذكرى الشهيد القائد 1435).

الطابع الواقعي: التغيير من داخل الممكن
من أبرز سمات المشروع القرآني واقعيته العميقة؛ فهو لا يقدّم نموذجًا مثاليًا منفصلًا عن شروط الواقع، ولا يرسم صورة خيالية لا تراعي الإمكانات والظروف، وإنما ينطلق من الواقع كما هو، يقدّره، ويفهم تعقيداته، ثم يرسم مسارًا عمليًا للتغيير خطوةً خطوة، ودرجةً درجة. هذه الواقعية جعلت المشروع قابلًا للتجسّد، ومؤهلًا للتحقق، لأنه لا يحمّل الأمة ما لا تطيق، ولا يقفز على المراحل، بل يبني التغيير على فهم دقيق للواقع ومعطياته.

“من أهم مميزات وسمات المشروع القرآني أنه واقعي، يعني أحيانا قد يقدم لك البعض مشروعا مثالياً غاية في المثالية لكنه بعيد عن الواقع لا يتطابق مع الواقع، لا يتناسب مع الواقع، لا يقدّر الواقع، أما هذا المشروع فهو مشروع واقعي من حيث أنه يلامس الواقع، ومن حيث أنه يقدّر الواقع، ومن حيث أنه يرسم معالم واقعية يمكن للأمة أن تتحرك فيها من نفس الظرف الذي هي فيه.. من نفس الظرف الذي هي فيه، ويرتقي بها إلى الأعلى خطوةً خطوة ودرجةً درجة، وهكذا”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

الطابع المرحلي: التدرج وفق السنن الإلهية
يرتكز المشروع القرآني على الفهم العميق لسنن الله في التغيير، وفي مقدمتها سنة التدرج، فهو مشروع مرحلي، يواكب كل مرحلة بمقتضياتها، ويتفاعل مع المستجدات، دون أن يفقد بوصلته أو أهدافه الكبرى، وبمعنى آخر فإن المشروع القرآني يتعامل مع التغيير بوصفه مسارا تراكميا، يراعي مقتضيات كل مرحلة، ويواكب المستجدات دون تفريط في الثوابت أو الأهداف الكبرى.

“وهو أيضاً مرحليٌ من جانب يرتقي بالأمة، ووفقاً للمراحل بمقتضيات كل مرحلة وما يناسبها، ومواكب للمستجدات، مواكب للأحداث، مواكب للمتغيرات.. لأنه القرآن.. لأنه القرآن، لأنها عظمة القرآن، لأنه هكذا هو القرآن”. (ذكرى الشهيد القائد 1435).

الطابع الحضاري والبنائي: الاستخلاف وعمارة الأرض
يقدّم المشروع القرآني تصورا حضاريا متكاملا لدور الإنسان في الحياة، رافضا الفصل المصطنع بين الدين والواقع، فالإنسان -في الرؤية القرآنية- خليفة الله في الأرض، ودوره عمارة الأرض وفق هدى الله وقيمه، وليس الانسحاب من واقع الحياة، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ومن هذا المنطلق، يقدّم المشروع القرآني مقومات البناء الحضاري للأمة، ويعيد للدين دوره كقوة دافعة للحياة، لا كحالة روحية معزولة عنها.

“هو أيضاً مشروعٌ حضاريٌ وبنّاء، المشروع الذي قدمه مشروع قرآني حضاري بنّاء، فهو قدم من القرآن الكريم المقومات الحضارية اللازمة، والمسألة هذه مسألة مهمة جداً، مسألة مهمة للغاية، لأنه لدى الكثير في التثقيف الديني والتعليم الديني يفصل الدين تماماً عن الحياة وكأنه لا صلة له بالحياة ولا أثر له في الحياة ولا قيمة له في الحياة، ويحاول أعداء الإسلام أن يرسخوا هذا المفهوم المغلوط في الذهنية العامة: أن الدين لا قيمة له في واقع الحياة وأنه للآخرة فحسب، أو هو حالة روحية خاصة يعيشها الانسان مع الله بعيداً عن الواقع وبعيداً عن الحياة، لا، الإنسان الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقه، وبالتالي أيضاً هو الذي رسم له دوره في الحياة، والدور المرسوم للإنسان وفق المفهوم القرآني الصحيح في الحياة هو دورٌ حضاري، الله جل شأنه قال {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}، هذا الإنسان الذي أستخلفه الله في الأرض ليعمّر هذه الأرض، وليستخرج خيرات هذه الأرض، وما أعد الله له في هذه الارض، ولكن على أساسٍ من هدى الله وعلى أساسٍ من القيم ومن الأخلاق وبرسالة ومشروع هادف في هذه الحياة، فضمن هذا المشروع القرآني يقدم المقومات اللازمة للحضارة الاسلامية التي نحتاج إليها أن تكون هدفاً سامياً لأمتنا حتى لا تبقى بلا هدف وبلا مشروع. والقرآن الكريم -في ما يتناوله- هو يتناول كل ما يحتاج إليه الإنسان، كل ما يعني هذا الانسان، يفتح الآفاق الواسعة والكبيرة لهذا الإنسان لأنه كتاب الله الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}. (ذكرى الشهيد القائد 1435).

تأصيل الهوية الجامعة: الأمة الواحدة والمسؤولية المشتركة
عمل المشروع القرآني على إعادة بناء الهوية الجامعة للأمة، القائمة على وحدة الانتماء، ووحدة القضية، ووحدة المسؤولية، فكل ما يصيب أي جزء من جسد الأمة هو شأن عام، ومسؤولية جماعية، لا قضية هامشية أو بعيدة، بالتالي فالمشروع القرآني يرفض التجزئة لمعركة الأمة تجاه العدو الأمريكي الإسرائيلي.

“من أهم معالم وسمات المشروع القرآني والتحرك الجاد الذي قام به الشهيد القائد رضوان الله عليه تأصيل الهوية الجامعة، ولذلك دائماً ما يتناول الحديث عن القضايا الرئيسية للأمة، ويتحدث عن أي حدث في أي قطرً من أقطار العالم الإسلامي يطال أي مسلمين باعتباره حدثاً يعنينا، نحن ونتحمل مسئولية تجاهه”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

الاستباقية والمصداقية في الرؤية القرآنية: قراءة المستقبل قبل وقوعه
تتجلّى إحدى أعظم سمات المشروع القرآني في استباقية رؤيته وصدق تحليله، فقد حذّر مبكرًا من مخاطر كبرى، ومن طبيعة المؤامرات، ومن دور العدو الأمريكي والإسرائيلي، ومن توظيف أدوات داخلية لضرب الأمة من الداخل، ومع مرور الزمن، قدّم الواقع شواهد متلاحقة على دقة هذه الرؤية ومصداقيتها، فقد أثبتت الأحداث أن التحذير لم يكن تهويلًا، وأن الصمت والتخاذل مكّنا الأعداء من التقدّم، فيما كان المشروع القرآني ينادي بالتحرك الواعي قبل فوات الأوان، سواء على مستوى الأمة، أو على مستوى اليمن، الذي تحققت فيه كثير من المخاطر التي حذّر منها شهيد القرآن مبكرًا.

“من أهم سمات المشروع القرآني هو استباقية الرؤية ومصداقيتها، والشواهد في الواقع كثيرة جداً مع مرور الزمن وتسارع الأحداث واستمرارية الأحداث والمتغيرات، تحدث عن أشياء كثيرة، عن مخاطر حقيقية، عمّا يمكن أن يصل إليه واقع الأمة إن لم تتحرك، عن طبيعة المؤامرات والمكائد التي يتحرك من خلالها الأعداء، وبالتالي فعلاً الزمن بكل ما فيه من متغيرات قدم الشواهد الكثيرة على مصداقية تلك الرؤية، الخطر الأمريكي والإسرائيلي تزايد، المؤامرات بما فيها توظيف التكفيريين لنشرهم كذرائع والاستفادة منهم في تدمير البنية الداخلية للأمة، أشياء كثيرة، المخاطر التي نتجت عن صمت الكثير وتنصلهم عن المسؤولية، تواطؤ الأنظمة، أشياء كثيرة تحققت في الواقع مما كان قد نبه عليها وحذر منها، وكما قلنا الواقع مليء بالشواهد، لو تأتي إلى كثير من أقطار العالم الإسلامي نبدأ مثلاً من فلسطين، ماذا وصل إليه الوضع في فلسطين خلال عشر سنوات، ساء الوضع كثيراً، المخاطر التي تتهدد المقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى الشريف، مخاطر كبيرة ومتقدمة، العدو الصهيوني الإسرائيلي حقق تقدماً في أشياء كثيرة هناك، النشاط الاستيطاني متزايد، التراجع في الواقع العربي تجاه القضية الفلسطينية تزايد، شعور الشعب الفلسطيني بالخذلان العربي يتزايد أيضاً، إشكالات كثيرة، مخاطر كثيرة، تحديات كثيرة، في مجمل الأمر أن الوضع يسوء أكثر فأكثر، ما حصل في سوريا أيضاً، ما يحصل في العراق، ما يحصل الآن في ليبيا، في ليبيا خطر يتهدد ليبيا وبشكلٍ كبير، ما حصل ويحصل في مصر، ما يحصل في أفغانستان، التهديدات المستمرة ضد إيران، ما يلحق بالمسلمين في دول أخرى في بقاع أخرى من العالم، في آسيا وفي أفريقيا من قتل جماعي، من تهجير، من جرائم إبادة”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

“على مستوى الساحة الداخلية المحلية على مستوى بلدنا اليمن، التحذيرات الكبيرة التي كان يطلقها الشهيد القائد وهو يحاول أن يستنهض الشعب اليمني ليدرك طبيعة المخاطر والتحديات المستقبلية ليتحرك تحركاً استباقياً فيدفع الكثير من الأخطار قبل أن تتحقق. نجد خلال هذه الفترة الماضية فعلاً أشياء كثيرة وسيئة مما حذر منها تحققت. آنذاك كان البعض يسخر، كان البعض يقولون (أين هي أمريكا! لا توجد أمريكا، أساساً أمريكا لا تريد أن تستهدف اليمن). هكذا كان يقول البعض، (وأمريكا لا تريد أبداً أن تلتفت إلى اليمن، ليس هناك أي خطر أمريكي على اليمن). وخلال هذه العشر السنوات ما الذي حصل؟ تحققت كثير من الشواهد على أرض الواقع، ولكن للأسف، للأسف أن يصمت الكثير، أن يتخاذل الكثير حتى تتاح الفرصة للأمريكيين ومن معهم أن يحققوا هذا التقدم الكبير فيما فيه شر وخطر على شعبنا وعلى أمتنا!”. (ذكرى الشهيد القائد 1435)

ختاما
إن استعراض سمات المشروع القرآني، كما قدّمها شهيد القرآن وبيّنها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، هو وقوف أمام مشروعٍ حيّ، ما يزال يتفاعل مع الواقع، ويقدّم أجوبة عملية على أسئلة الأمة الكبرى، فهو مشروعٌ تصحيحي يبدأ من الوعي، وتنويري يحرّر البصيرة، وأخلاقي يعيد القيم إلى مركز الفعل، ونهضوي ينقل الأمة من الوهن إلى الحركة، وواقعي يراعي الممكن، ومرحلي ينسجم مع السنن الإلهية، وحضاري يعيد للدين دوره في عمارة الأرض وصناعة الإنسان.

لقد أثبتت الأحداث -مع تعاقب السنوات وتسارع المتغيرات- صدق الرؤية القرآنية واستباقيتها، وكشفت أن ما حذّر منه شهيد القرآن لم يكن تهويلًا، بل قراءة واعية لمآلات الصمت والتفريط والتخاذل. ومن هنا، فإن المشروع القرآني سيظل مشروعا منفتحا على المستقبل، صالحا لكل زمان ومكان ولأي وضعية، لأنه يستند إلى القرآن الكريم، كتاب الله الخالد، الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تبلى دلالاته.

إن العودة إلى هذا المشروع باتت ضرورة وجودية للأمة، وطريقا عمليا لاستعادة هويتها، وبناء وعيها، والنهوض بدورها الاستخلافي، في عالم لا يعرف إلا لغة القوة.