تحالف العدوان يستهلك كل أوراقه ويبدأ التآكل ذاتيا

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ

تقرير || وديع العبسي

شعّت شمس الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد بشعاع الاستقلال الكامل والتحرر من الوصاية والتبعية والارتهان لإرادة الخارج، فتداعت دول الشر لإدراك البلد قبل خروجه كلياً من عباءة الإذعان، وقبل تحرره من الخوف والتهيّب لقوى الخارج، وشحْذه لإرادة التحول إلى بلد يؤثر ويتفاعل مع المتغيرات الدولية من واقع امتلاك القرار وفرض السيطرة على أرضه وبحره وسمائه.

رسمت المؤامرة خطوط الاستهداف وحددت أدوات الإجرام، وذهبت تقتل بشكل بشع، وتحرق وتدمر بحقد شيطاني، وتحاصر الشعب وتعزله بلا وازع من ضمير أو أخلاق، ولما خلص الأعداء إلى استحالة كسر أمة تمتلك الإرادة، ثبّتوا الحال على قاعدة “لا حرب ولا سلم”، في انتظار نخر هذا البلد من الداخل.

هنا صار المتعاونون من أبناء البلد مع الأعداء -فعلياً- أدواتٍ ومعاولَ لسحق أكثر من 25 مليون يمني بمؤامرة التضييق والتلاشي، إلا أن هذا الشعب بالإرادة أيضاً صمد وقاوم وتكيف مع الإمكانات المتاحة.

ومع انفجار الوضع في الجنوب اليمني المحتل وتكشف أوراق اللعبة، انتظرت القيادة في صنعاء ما ستؤول إليه الأحداث، رغم أن الأمر كان يعرّض السيادة في المحافظات المحتلة إلى الخطر، إلا أن الموقف جاء متوافقاً مع ما يقتضيه ترقُّب مسار الأدوات في مواجهتهم لحجمهم الحقيقي لدى المحتل، وحجم امتلاكهم لحق اتخاذ قرار إدارة المحافظات التي زعموا أنها حرة، بُنيت الحكمة على واقعية أن الصراع الجاري بين قوى العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي مؤشر على انتهاء موسمهم في التواجد على الأرض اليمنية، فليعيشوا هذه التفاصيل الموجعة للحظاتهم الأخيرة.

من استلاب القدرة إلى الصراع
ومن التصريحات الجريئة لبعض القادة في المكونات، يتبين أن هناك إدراكاً فعلياً لهذه الحقيقة، إلا أن استلاب القدرة عن قول “لا” كان يسحقهم أكثر تحت إرادة العدو المحتل، وعقب سنوات من العدوان والحصار والتشنج وعدم السماح لصوت العقل في أن يجد طريقه للدفع في اتجاه تشكيل كتلة حقيقية قوية لمواجهة مطامع الاحتلال والتحرر من حالة الاستلاب، ذهب الوضع إلى صدام معلن بين الجميع.

الصدام الذي بدأت مؤشراته منذ أول عام للاحتلال كان نتيجة طبيعية لاشتغال الأعداء المحتلين على تفتيت هذه المكونات باللعب على طموحات كل منها، ثم تغذيتها ليوم أسود لا يقوون فيه على الاعتراض وإن رأوا أمامهم الوطن تتفكُّك أوصاله إلى قطع صغيرة تحكمها فئات تقبل بالفتات.

على هذا عمل المحتل لثقته بأن هؤلاء لو اتحدوا واتفقوا على كلمة سواء لما بقيت له باقية في الأرض اليمنية، فهم من ينتمون إلى هذه الأرض التي أخرجت أجيالاً من المقاتلين الأشداء الذين طافوا الأرض وفرضوا بصماتهم في أرجائها الأربعة.

تابع اليمنيون -في جميع المحافظات- كيف أن الباطل دائماً وأبداً طريقه محدود وإن شهد في بعض الفترات والجولات تفوقاً ونشوة انتصار لأحد مكوناته على آخر، وما يحدث في المحافظات المحتلة اليوم ليس حدثاً طارئاً، أو حتى مفاجئاً، فخلال سنوات الاحتلال عاشت هذه المكونات عداءً معلناً، حضرت معه التصفيات، وتفجير العبوات، وتأخير وصول لقمة العيش إلى فم المواطن، وحرمانه من الخدمات الأساسية، ليتأخر واقع هذه المحافظات كثيراً، وهي التي طمحت لأن يتبدل حالها إلى مستوى ما عليه دول الاحتلال ولو في أبسط مستوى مسموح به.

حقائق وإن تم تعتيمها بالمغالطات
وظل الجميع طوال الوقت مع ما هم عليه من شتات يرددون أسطوانة استعادة صنعاء، رغم أنها كانت مفتوحة للجميع بكونها عاصمة الجميع، وظل واقع أي طموح يرتبط به ملايين الناس مرهوناً بصدق التوجه للمصلحة العامة وليس لأهداف خارجية لا تفيد الداخل بشيء بقدر ما تستهدف سرقة سيادته وتنهب ثرواته وتسيطر على مواقعه الاستراتيجية.

ولَمّا غاب نبل الهدف وصدق التوجه وحضرت مطامع أطراف العدوان والاحتلال، انفجر الوضع فاختلط كل شيء وظهر المشهد منزوع السيادة والاستقرار.

ومع ارتفاع ضجيج الخلاف بين أهداف السعودية والإمارات، بدأت المكاشفات تقف بالشعب على حقائق حاولت الأبواق تعميته عنها بالمغالطات لما يُراد للبلد من سلب كامل للسيادة، وفي سياق الخلافات قادت الرياض عملية تفتيت واسعة وقاسية للقوى التابعة لأبوظبي، ثم حشدت جميع القوى إلى طاولتها لمرحلة جديدة من الهيمنة وفرض الطموحات الاقتصادية.

حتى وقت قريب ظن الجميع أن الوحدة اليمنية -وإن كشّر الاحتلال عن أنيابه- تبقى بالنسبة له خطاً أحمر، غير أن ما كشفت عنه المستجدات أعادت الجميع إلى حقيقة أن هدف التفتيت للقوى الداخلية أو لليمن عموماً، والمحدد منذ بدء الاحتلال، ما يزال قائماً، فالوحدة بالنسبة للمحتل ليست إلا عبئاً معيقاً لعملية السيطرة، ولا يمكن مع وجودها تمرير أجندات التطويع للجغرافيا وللإنسان من أجل تنفيذ المصالح، كالمرور بالأنبوب النفطي السعودي إلى البحر العربي.

غرق المواطن في تداعيات صراع الأجندات
صار التحالف اليوم بكل تفريعاته إلى تناثر، ويظن البعض أنها ليست إلا مرحلة لفرض الرياض سلطتها بحيث تصير المتحكم الأوحد بالمناطق المحتلة، بينما الواقع يشير إلى أن الوضع مؤهل للدخول في مرحلة من أعمال العنف وفوضى أمنية ستعكس نفسها بشكل مباشر وقوي على حياة المواطن، خصوصاً وأن النزاع يمثل طرفي الاحتلال.

قد تتحرك السعودية إلى رسم المشهدية الجنوبية بالرؤية التي تتفرد فيها بالقرار، إلا أن الإمارات -التي بذلت الجهد والمال طوال عقد من الزمن- لا يبدو أنها في وارد الاستسلام بسهولة، وعليه سيغرق واقع الناس في تداعيات صراع الأجندات بلا سبب سوى أن من يفترض بهم أنهم قادتهم قد سلموا قرار البلاد للأطراف الخارجية، ثم باتوا ينتظرون من هذه الأطراف الحلول.

نتائج استمرار الرهان على المحتل
واقع اليوم يقدم شاهداً على ما يخبئه المحتل للبلاد والمجتمع، إلا أن الفاعلين ما زالوا يراهنون على امتلاك المحتل للحلول، وهنا تبرز إشكالية أخرى لهذه الحلول، فكل طرف يرى أن الحل يتجلى في ترجمة قناعاته وطموحاته، وما لم يسر الحل وفق رؤيته فإن القبول بالتوجيهات إنما سيكون بمثابة إخفاء النار بالرماد في انتظار توقيت مناسب لانفجار الوضع من جديد، وعلى هذا يقدم اليمنيون -بما فيهم قادة الفعل السياسي والعسكري- أثمان سيطرة القوى الخارجية واختلاف الأجندات.

في كل الأحوال، سارت مآلات تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي إلى هذا الانحدار فتناثر عقده وتفككت روابطه، لأن فعله غير صالح، بُني على العدوان على الآخرين من أجل المطامع، وقام بشرذمة أبناء الوطن، وعلى نوايا تجريد الوطن من قراره وثرواته.

ولم يكن للجيش اليمني أو القيادة في المحافظات الحرة يد في هذه المآلات، وإنما هي الفطرة التي تؤكد بأنه ما بُني على خراب أمة لن يحيق إلا بأهله.

المصدر: “موقع انصار الله”