كيف كشفت غرينلاند مشروع الهيمنة الأمريكية وعمّق انقسام الغرب؟
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
25 يناير 2026مـ – 6 شعبان 1447هـ
تستمر غرينلاند في واجهة الأحداث والجدل السياسي والإعلامي الغربي، مع تصاعد خطاب الرئيس الأمريكي المعتوه ترامب حول ذريعة “التهديدات الأمنية” في القطب الشمالي، ومحاولته تبرير رغبته بالسيطرة على الجزيرة بذرائع تتناقض مع ما تقرّ به المؤسسات الأمريكية والأوروبية نفسها.
وبينما تنفي التقارير الاستخباراتية وجود أي خطر صيني أو روسي فعلي، تتحول الأزمة إلى نموذج صارخ لسياسة الابتزاز السياسي التي ينتهجها العدو الأمريكي في سياسته الخارجية مع الخصوم والحلفاء، وتكشف في الوقت ذاته هشاشة التماسك داخل المعسكر الغربي.
وفي هذا السياق نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين تأكيدهم عدم امتلاكهم أي معلومات استخباراتية تشير إلى أن الصين أو روسيا تشكلان تهديدًا لغرينلاند، لافتين إلى أن الجزيرة تخضع أصلًا للمظلة الأمنية لحلف الناتو.
ويعود القلق الغربي المعلن بشأن الصين في القطب الشمالي إلى رحلة كاسحة الجليد الصينية “التنين الثلجي” قبل أكثر من أربعة عشر عامًا، حين أعلنت بكين أن ذوبان الجليد فتح أجزاء واسعة من طريق البحر الشمالي.
ورغم حديث الصين عن توسيع التجارة والوصول إلى ممرات الشحن والموارد الطبيعية، ظل حضورها الفعلي محدودًا، ولا يرى خبراء ومسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون أنها تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية في غرينلاند أو محيطها، حتى في ظل التنافس العالمي بين واشنطن وبكين.
وتتناقض هذه الخلاصة بشكل مباشر مع ما يطرحه المجرم ترامب، الذي يكرر أن “الأمن القومي” هو السبب الرئيسي لرغبته في الاستحواذ على الجزيرة.
وفي اجتماع عُقد بواشنطن في الرابع عشر من يناير، سأل نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو كلاً من الدنمارك وغرينلاند عن قدرتهما على حماية الجزيرة من “تهديد محتمل” من الصين، دون أن تقدم الإدارة الأمريكية أي معلومات استخباراتية تثبت وجود هذا التهديد.
ورغم حديث الناتو عن تعاون صيني روسي في دوريات بحرية وقاذفات بعيدة المدى في المنطقة القطبية، يؤكد مسؤولون أنه لا يوجد خطر وشيك، وأن غرينلاند محمية أصلًا ضمن منظومة الحلف.
وللتوضيح أكثر قدّم مؤسس مركز بروغن للدراسات رضوان قاسم، ، قراءة تحليلية تؤكد أن حديث المعتوه ترامب عن المخاطر الصينية أو الروسية يفتقر لأي أساس واقعي، ويقع في إطار عملية خداع مزدوجة تستهدف الرأي العام الأمريكي من جهة، والحلفاء الأوروبيين من جهة أخرى.
ويشير قاسم في حديثة اليوم لبرنامج صدى الخبر على قناة “المسيرة “، إلى أن واشنطن نفسها تعترف بعدم وجود معلومات استخباراتية عن تهديد فعلي، ما ينسف جوهر الذريعة الأمنية التي يكررها ترامب.
ويرى أن المجرم ترامب يسعى إلى الظهور بمظهر “البطل القومي” القادر على حماية أمريكا وتوسيع نفوذها الجغرافي، مستخدمًا خطاب الأمن كغطاء لمشروع توسعي واضح المعالم، ويريد في الوقت نفسه الضغط على الدول الأوروبية وحلفائه داخل الناتو، وكذلك على كندا، لإخضاعهم لإرادته السياسية والاقتصادية، وهو ما يجعل هذه الذرائع بلا قيمة حقيقية على أرض الواقع.
ويؤكد أن هذا النهج ليس جديدًا ، مستشهدًا بما جرى في ملف فنزويلا، حيث جرى التذرع بمحاربة المخدرات، قبل أن يتضح أن الهدف كان الضغط للسيطرة على النفط والغاز، وكذلك في إيران، حيث استُخدمت ذرائع أمنية وسياسية لتبرير سياسات الحصار والابتزاز، معتبراً أن هذا الأسلوب بات سمة ثابتة في تعامل ترامب مع المناطق الغنية بالطاقة والمعادن النادرة أو ذات الأهمية الجيوسياسية.
يوضح أن الحديث عن مخاطر تهدد أوروبا أو أمريكا لا يستند إلى واقع، خاصة وأن الجزيرة تقع ضمن مظلة الناتو، فضلًا عن وجود قاعدة أمريكية هناك، وإمكانية توسيع وجودها العسكري بموجب اتفاقية عام 1951، التي لا تزال سارية وتحظى بقبول دنماركي.
ويتساءل عن جدوى التهديد بالسيطرة المباشرة وفرض الرسوم والعقوبات، وتحويل الحليف إلى خصم، بدل تعزيز التعاون القائم، رابطاً هذا السلوك بـ“جنون العظمة” الذي ينظر إلى الحلفاء الأوروبيين باعتبارهم غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم دون الوصاية الأمريكية، ويسعى إلى فرض صورة أمريكا كقوة لا تُردّ، وتفرض ما تريد عبر القوة العسكرية والاقتصادية دون أي اعتبار للشراكة.
ويحذر من أن المسار الذي تدفع إليه أمريكا سيؤدي في النهاية إلى نتيجة واحدة، سواء عبر مفاوضات واتفاقيات “ناعمة” أو عبر التهديد بالقوة، وهي إخضاع غرينلاند للهيمنة الأمريكية.
وبهذا تكشف الحقائق والمعطيات الميدانية أن خطاب “الأمن القومي” الذي يرفعه المعتوه ترامب مجرد غطاءً لمشروع توسعي وابتزاز سياسي، يضعف الثقة داخل حلف الناتو ويحوّل الحلفاء إلى أدوات ضغط، وفي ظل غياب أي تهديد حقيقي، تتحول غرينلاند إلى مؤشر خطير على عمق الانقسام داخل الغرب، وعلى تراجع قدرة أوروبا على اتخاذ موقف مستقل في مواجهة سياسات الهيمنة الأمريكية.
وتُعد غرينلاند واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية في القطب الشمالي، وتخضع أمنيًا لمظلة حلف الناتو، فيما تمتلك رأس الشر أمريكا وجودًا عسكريًا محدودًا فيها مقارنة بفترة الحرب الباردة.
ورغم تصاعد الحديث الغربي عن تنافس دولي في المنطقة القطبية، تؤكد تقارير أمريكية وأوروبية أن الصين تركز عسكريًا على آسيا والمحيط الهادئ، وأن روسيا لا تشكل تهديدًا مباشرًا لسيادة الجزيرة، ما يعزز الاعتقاد بأن الطروحات الأمريكية الأخيرة ذات طابع سياسي توسعي أكثر من كونها استجابة لمخاطر أمنية حقيقية.
