شديد: الاقتصاد الصهيوني يتصدع بفعل استمرار الحصار البحري اليمني والهجرة العكسية
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
20 يناير 2026مـ –1 شعبان 1447هـ
أكد الدكتور عادل شديد، الخبير في شؤون العدو الصهيوني، أن الاقتصاد الإسرائيلي يمر بتحول بنيوي عميق منذ ما قبل الحرب، لكنه دخل مرحلة تصدّع غير مسبوقة بعدها، نتيجة تراكم أزمات هيكلية تفاقمت بفعل الحرب والحصار البحري على ميناء أم الرشراش، واستدعاء الاحتياط، وانهيار الثقة، وتراجع القدرة المعيشية، وتصاعد الهجرة العكسية، إلى جانب تغييرات سياسية وقانونية ودينية تضغط على المجتمع الإسرائيلي.
وبيّن شديد في مداخلة خاصة على قناة المسيرة، أن المتابع للاقتصاد الإسرائيلي حتى قبل الحرب كان يلحظ وجود شكلين من الاقتصاد، اقتصاد رسمي حكومي بدا مستقرا نسبيا، واقتصاد منزلي أو فردي تأثر كثيرا بالسياسات الإسرائيلية وبالعولمة.
ولفت إلى أن المجتمع الصهيوني كان يتشكل من طبقات متعددة، تتصدرها طبقة عليا تسيطر على الجزء الأكبر من الموارد، بينما كانت شريحة اليهود العلمانيين في تل أبيب تهيمن بشكل أو بآخر على قطاع الهاي-تك الذي يشكل عصب الاقتصاد الإسرائيلي، مشيراً إلى أن عوائد هذا القطاع لا تصل إلى كل المجتمع، بل تتركز لدى مالكي الشركات وعشرات أو مئات الآلاف من العاملين فيه، في حين تبقى قطاعات واسعة خارج دائرة الاستفادة.
وأشار شديد إلى أن الحرب عمّقت الأزمة بشكل كبير، معتبرا أن أولى التداعيات الكبرى تمثلت في فرض حصار بحري محكم على ميناء أم الرشراش، ليس فقط لما له من آثار اقتصادية مباشرة، بل لما شكله من ضربة لصورة ومكانة إسرائيل الاقتصادية أمام العالم.
وقال إن الكيان الصهيوني كان يُقدَّم سابقا كقوة قادرة على فرض الحصار وتطويق دول المنطقة، بينما تُصوَّر ممراته البحرية والبرية والجوية كآمنة، لكن النتيجة جاءت عكسية لأول مرة منذ بداية المشروع الصهيوني، حين فُرض عليها حصار بحري فعلي على أهم شريان للاستيراد والتصدير عبر البحر الأحمر وباب المندب.
وأوضح أن هذا التطور مسّ صورة إسرائيل لدى الشركات العالمية، ودفع كثيرا منها إلى إعادة النظر في علاقاتها التجارية، بسبب ارتفاع أسعار التأمين والمخاطر الملاحيّة، خاصة بعدما تُرجمت تهديدات أنصار الله إلى واقع عملي عبر إغلاق الممر واستهداف سفن، وهو ما لم يكن ضمن الحسابات الإسرائيلية.
وأضاف شديد أن الكيان الصهيوني منذ عودة بنيامين نتنياهو الثانية للحكومة بعد عام 2009 كان يتعامل مع الاقتصاد كركن أساسي من أركان قوته إلى جانب العسكري والسياسي، وأن خدش هذه الصورة الاقتصادية وتصدعها يغيّر ميزان القوة الإقليمي للكيان.
وانتقل شديد إلى تداعيات الحرب الداخلية، مشيرا إلى أن عشرات الآلاف من الشركات والمشاريع الإسرائيلية انهارت أو أعلنت إفلاسها أو أغلقت، وأصبحت مدينة بمليارات الدولارات للبنوك والشركات الكبرى، نتيجة استدعاء مئات الآلاف من الإسرائيليين للخدمة الاحتياطية في حرب غزة.
وأكد أن هؤلاء اضطروا لترك حياتهم المدنية ومشاريعهم والذهاب إلى الجبهة، ما أفقدهم القدرة على الحفاظ على استمرارية أعمالهم، سواء كانت صغيرة أو متوسطة.
واستند شديد إلى تقارير مؤسسات إسرائيلية، وتحديدا بيانات “مركز الإحصاء الرسمي”، التي تفيد بأن أكثر من ستين ألف مصلحة أو شركة أو مشروع أغلقت أبوابها، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على مئات الآلاف من الأسر التي تملك هذه الشركات، ومئات الآلاف ممن كانوا يعملون فيها.
ونوّه إلى تراجع دخل الإسرائيليين بشكل ملموس، مستشهدا بتقارير عبرية تحدثت عن أن كثيرا من الأسر لم تعد قادرة على دفع إيجار السكن الشهري أو أقساط الشقق، ما أتاح للبنوك والشركات الكبرى مزيدا من السيطرة.
وتطرق إلى ظاهرة جديدة تمثلت في انتقال عدد من الأسر اليهودية للعيش في قرى ومدن وبلدات عربية فلسطينية داخل أراضي 1948، مثل الناصرة وقرى الجليل والنقب، بسبب الضائقة الاقتصادية، رغم واقع انعدام الثقة والأزمة الحادة في العلاقات العربية اليهودية بعد السابع من أكتوبر، والاختلافات الأمنية والاجتماعية والثقافية.
ورأى شديد أن هذا الانتقال لم يكن ليحدث لولا الضائقة التي سببتها الحرب، معتبرا أن القلق الأكبر في فلسطين المحتلة يتمثل في تصاعد الهجرة العكسية إلى الخارج، لافتاً إلى أن الدراسات خلال العامين الماضيين حددت ثلاثة أسباب رئيسية لذلك، أولها العامل الاقتصادي الذي كشف هشاشة خطاب “بلاد العسل والسمن”، خاصة حين يصبح ثلث الإسرائيليين غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
أما السببان الآخران، فهما التغييرات القانونية والقضائية التي يقودها نتنياهو وشركاؤه، وفرض نمط حياة جديد يقوم على إحكام القبضة الدينية على الدولة وتشديد الجوانب الأمنية، بما يضيّق على فئات اعتادت على نمط حياة أكثر أريحية وترفيها.
وعرّج شديد إلى سيناريو التصعيد مع إيران، قائلا إن أي عودة للخيار العسكري الإسرائيلي الأمريكي ضد طهران ستجلب تداعيات اقتصادية جديدة وكبيرة، لأن كلفة الحرب ستكون عالية جدا.
واستشهد بتقارير دائرة الأملاك الإسرائيلية عقب مواجهة الاثني عشر يوما، التي أظهرت تقديم أكثر من مئة وخمسين ألف طلب تعويض عن أضرار في المنازل والمركبات والممتلكات، مؤكدا أن صاروخا إيرانيا ثقيلا واحدا قادر على إحداث دمار اقتصادي واسع.
وشدد على أن بقاء الخيار العسكري مطروحا يعني استمرار حالة عدم اليقين وانعدام الثقة بإمكانية تعافي الاقتصاد، خاصة بعد أن خفضت مؤسسات الائتمان العالمية تصنيف ومكانة إسرائيل الاقتصادية، وهو ما لم يكن ليحدث دون تراجع حقيقي في الأداء الاقتصادي.
وفي المقابل، أشار شديد إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن الشيكل الإسرائيلي ما زال ثابتا أمام الدولار والعملات الأجنبية رغم مرور أكثر من سبعة وعشرين شهرا على الحرب، بل ازداد قوة نسبيا نتيجة تراجع الدولار بفعل السياسات الأمريكية، ما يدل على وجود قرار أمريكي وغربي بإبقاء الاقتصاد الإسرائيلي مستقرا وقويا استعدادا لمواجهة الهزات والحروب.
واستدرك بالتأكيد على أن هذا الاستقرار لا ينعكس على المواطن الإسرائيلي العادي، إذ إن دخل الأسر تراجع خلال العامين الماضيين بما يعادل راتب شهرين في المتوسط، مع اتساع الفجوة الطبقية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وشرح شديد أن حكومة المجرم نتنياهر لا تُقسّم اقتصاديا إلى ثلاث طبقات تقليدية فقط، بل إلى عشر فئات عشرية، تبدأ بالعشرية العليا وتنتهي بالعشرية السفلى.
وبيّن أن العشرية العليا تسيطر على أكثر من تسعين بالمئة من المدخولات والأرصدة والثروات في المدن الفلسطينية المحتلة، بينما تتقاسم التسع فئات الأخرى أقل من عشرة بالمئة مجتمعة.
وختم شديد مداخلته بالتأكيد على أن الفئة العليا وحدها يصعب قياس تداعيات الحرب عليها، لكن باقي الفئات تتعرض لتداعيات اقتصادية ومعيشية كبيرة ومتراكمة، تجعل المجتمع الصهيوني يعيش حالة ضاغطة من القلق وعدم اليقين، وتكشف حدود القوة الاقتصادية التي طالما عُدّت أحد أعمدة المشروع الصهيوني.
