دروس من العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. كيف تحولت التكنولوجيا الروسية إلى فخ لـ “ستارلينك”؟

3

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

18 يناير 2026مـ –29 رجب 1447هـ

تقرير || إبراهيم العنسي

لم يكن مشهد تعثر خدمات “ستارلينك” في المدن الإيرانية مجرد صدفة تقنية، بل جاء مجسداً لذروة هجوم إلكتروني “متعدد الطبقات” أعاد رسم ملامح الصراع على الفضاء الرقمي؛ فمع احتجاجات العام 2026، كشفت التحليلات التقنية عن تنفيذ طهران استراتيجية “التعطيل الناعم” المستهدفة شلَّ الاتصالات عبر الأقمار الصناعية من خلال تزييف الجغرافيا واختطاف الإشارات، متجاوزةً بذلك أساليب التشويش التقليدية.

لقد شكلت حرب يونيو 2025، التي استمرت 12 يوماً وشهدت مواجهات مباشرة وقاسية، المختبر الحقيقي الذي استخلصت منه إيران دروسها القاسية؛ فبعد تعرض منظومات الدفاع الجوي لضربات موجعة وإنهاك شبكات الاتصال التقليدية، اتجهت طهران نحو تعويض خسائرها بالاعتماد الكلي على ترسانة “الحرب الإلكترونية” المتدفقة إليها من موسكو عقب ذلك النزاع، ومثلت تلك الحرب نقطة التحول المركزية في العقيدة السيبرانية الإيرانية، محولةً تلك المواجهات من مجرد صدام عسكري تقليدي إلى اختبار قاسٍ كشف عن ثغرات خطيرة في حماية المواقع النووية الحساسة، الأمر الذي قاد طهران إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن التهديد القادم من السماء لم يعد محصوراً في الصواريخ المتفجرة، بل امتد ليشمل سيل البيانات والقدرة الفائقة على توجيه المسيرات عبر إشارات نظام تحديد المواقع العالمي.

وبناءً على هذه الدروس المستفادة، تحركت المؤسسة العسكرية الإيرانية فور توقف العدوان عليها في الرابع والعشرين من يونيو 2025 نحو تكثيف استيراد منظومات الحرب الإلكترونية الروسية المتطورة، وعلى رأسها منظومة “كراسوخا-4” المعروفة بقدرتها الفائقة على تعمية الرادارات والأقمار الصناعية، سعياً لإنشاء ما يُعرف بالمظلة الكهرومغناطيسية التي باتت اليوم الأداة الرئيسية لشل حركة محطات ايلون ماسك “ستارلينك”.

واستخدمت السلطات في هجومها الأخير تقنية “انتحال نظام تحديد المواقع” (GPS ) ببراعة عسكرية؛ حيث عملت أجهزة البث الأرضية على إرسال إشارات وهمية أقوى من تلك المنبعثة من مدار الأرض، مؤديةً إلى إرباك محطات “ستارلينك” التي باتت تعتقد، بناءً على البيانات المزيفة، أنها في مواقع جغرافية بعيدة مثل مطار مهرآباد أو حتى في عواصم أوروبية وكندية، متسببةً في توجيه الأجهزة شعاعها نحو “فضاء وهمي” بدلاً من توجيهه نحو الأقمار الصناعية الحقيقية، ما أفضى إلى انقطاع الاتصال تماماً دون الحاجة لاستخدام طاقة تشويش هائلة.

ولم يتوقف الأمر عند الخداع الجغرافي، بل شهدت أحياء طهران عمليات “إغراق” لنطاق ترددات (Ku) بضوضاء عالية الطاقة، رافعةً معدلات فقدان البيانات إلى مستويات قياسية تجاوزت 80%، في مشهد يعكس بوضوح بصمة التكنولوجيا الروسية ونظام “سيبهر” الإيراني الذي استعرض قدراته في التلاعب بالترددات بعيدة المدى.

 

ولتعزيز حظر ستارلينك كمشروع صهيوني عابر، سارع البرلمان الإيراني إلى إقرار قوانين مشددة عقب حرب 2025، قاضيةً برفع عقوبة حيازة أجهزة الإنترنت الفضائي إلى مستويات قد تصل للإعدام بتهمة المساس بالأمن القومي، ما أشعل فتيل حرب تقنية غير مسبوقة بين مهندسي شركة “سبيس إكس” والوحدات السيبرانية الإيرانية، في ظل محاولات الشركة الأمريكية إرسال تحديثات برمجية طارئة لتجاهل إشارات الانتحال وتوجيه المحطات نحو الإشارات المدارية الضعيفة، وهو ما نجح نسبياً في خفض فقدان البيانات في بعض المناطق.

وفي المقابل، لم تكتفِ السلطات الإيرانية بالهجوم الإلكتروني بل نقلت المواجهة إلى الأرض عبر استخدام “أجهزة التشويش التكتيكية” المثبتة على شاحنات متنقلة، وطائرات مسيرة مزودة بمجسات ترددات دقيقة للتحليق فوق الأحياء السكنية، مستهدفةً رصد مواقع (الأطباق المصغرة) ومصادرتها فوراً، لتنجح طهران في تحويل السماء إلى حقل ألغام إلكتروني مستفيدة من “القبة الدفاعية” التي أنشأتها أصلاً لمواجهة المسيّرات، مقدمةً بذلك أول اختبار عالمي حقيقي لقدرة دولة على تحييد إنترنت الأقمار الصناعية بشكل كامل، في تجربة تترقبها القوى العسكرية الكبرى باهتمام شديد لاستخلاص دروس حاسمة لصراعات المستقبل.