كيف كشف العدوان على غزة زيف الشعارات وأعاد الاعتبار للمشروع القرآني؟

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 يناير 2026مـ – 28 رجب 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

تتقدّم غزة اليوم بوصفها العنوان الأبرز لانكشاف النظام الدولي، ومعيارًا أخلاقيًا حادًا يفرز المواقف ويكشف حقيقة الشعارات التي طالما رُفعت باسم القيم والإنسانية وحقوق الشعوب.

وفي ظل حرب إبادة مفتوحة يشنّها العدو الصهيوني، يقف العالم أمام مشهد دموي موثّق بالصوت والصورة، دون أن يترجم هذا الوضوح إلى مواقف مسؤولة توقف العدوان أو تحاسب مرتكبي الجرائم. ويتحوّل الصمت الدولي، ومعه التواطؤ السياسي والإعلامي، إلى جزء من الجريمة نفسها، في وقت تُترك فيه غزة تواجه المصير وحدها.

ويمتدّ هذا الخذلان ليشمل قوى إقليمية وأنظمة عربية وإسلامية تبنّت الصمت أو الحياد، واكتفت بمواقف لفظية محدودة، ما جعل معركة غزة محطة مفصلية كشفت الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة العملية، وأسقطت فعليًا كثيرًا من الشعارات التي لم تصمد أمام اختبار الميدان.

وفي مقابل هذا المشهد، يظهر موقف اليمن كاستثناء لافت، حيث يواصل إسناده لغزة رغم الحصار والعدوان، مترجمًا صدق شعاراته الإيمانية والمبدئية في الواقع العملي، مجسّدًا -قولًا وفعلًا- مقولة الشهيد أبي عبيدة: إخوان الصدق أنصار الله.

ويُقرأ هذا الموقف اليمني بوصفه نتاجًا مباشرًا للمشروع القرآني الذي أسّس له الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، ذلك المشروع الذي أعاد بناء الوعي على أساس قرآني تحرري، يرى في مواجهة الطغيان والاستكبار واجبًا دينيًا وأخلاقيًا لا يسقط بالتقادم أو بتغيّر موازين القوة. ومن هنا، يأتي الإسناد اليمني لغزة كترجمة عملية لمنهج قرآني حيّ، يربط بين الإيمان والموقف، وبين الوعي والفعل.

غزة معيار أخلاقي يكشف زيف النظام الدولي
في السياق، يربط الباحث والمفكر الجزائري الدكتور نور الدين أبو لحية بين ما تتعرّض له غزة اليوم وبين الانكشاف الأخلاقي والسياسي الذي يعيشه العالم، معتبرًا أن ما يجري لا يُمثّل مجرد عدوان عسكري، بل يشكّل امتحانًا إلهيًا ومعيارًا قرآنيًا لفرز المشاريع والتيارات والمواقف.

وفي حديثه لموقع أنصار الله، يوضح أبو لحية أن الجرائم المرتكبة في غزة موثّقة بشكل غير مسبوق، ما يُسقط أي مبرر للصمت أو الادعاء بعدم المعرفة، ويجعل التخاذل موقفًا مقصودًا لا تقصيرًا عابرًا، لافتًا إلى أن المشروع القرآني الذي دعا إليه الشهيد القائد ينطلق من فهم القرآن بوصفه كتاب مواجهة وتحرر وكرامة، لا كتاب وعظ منزوع من سياقه الواقعي.

ويرى أن الموقف اليمني تجاه غزة يمثّل التطبيق العملي لهذا الفهم، حيث يتحول القرآن من نص يُتلى إلى وعي يُحرّك الشعوب، ويصنع مواقف جريئة في اللحظات المفصلية، في إشارة منه إلى المشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه.

ويشير إلى أن كثيرًا من الخطابات الدينية والحركية سقطت في امتحان غزة، بعدما فرّغت الدين من بُعده التحرري، وقدّمت قراءات مهادِنة تبرّر الخضوع وتسوّق للصمت.

وفي المقابل، يؤكد أبو لحية أن المشروع القرآني أثبت بجدارة أنه وحده القادر على بناء أمة تقف مع المظلوم، وتواجه المستكبر، دون خوف أو حسابات مصلحية، مستشهدًا بالموقف التاريخي لليمن في مواجهة أمريكا و”إسرائيل” والتغلّب عليهما رغم فارق الإمكانيات، معتبرًا الموقف اليمني المساند لغزة حجة دامغة على الأمة العربية والإسلامية بلا استثناء.

قراءة في خذلان الأمة واستثناء اليمن
ورغم حجم المظلومية الكبرى التي تلقتها غزة إزاء العدوان الصهيوني الوحشي، إلا أنها مثّلت محطة مفصلية أسقطت عمليًا كثيرًا من الادعاءات التي رفعتها تيارات وأنظمة سياسية ودينية لعقود باسم نصرة فلسطين، فمعركة غزة تحوّلت إلى معيار كاشف لصدق المواقف، وفرز حقيقي بين من امتلك مشروعًا قادرًا على الفعل، ومن اكتفى بالشعار والخطاب.

وحول هذه الجزئية، يقول الباحث السياسي اللبناني الدكتور إسماعيل النجار: «ما جرى ويجري في غزة فضح حالة الانفصام بين الخطاب والممارسة لدى عدد واسع من الأنظمة والتيارات، التي رفعت شعارات المقاومة والدفاع عن المقدسات، لكنها عجزت عن اتخاذ أي موقف عملي عندما وُضعت أمام اختبار حقيقي».

ويضيف، في حديث خاص لموقع أنصار الله: «هذا العجز لا يمكن فصله عن أزمة وعي عميقة، تغذّيها حسابات سياسية ضيقة، وخطاب ديني منزوع البعد التحرري، جرى توظيفه لتبرير الصمت أو الحياد أمام جرائم العدو الصهيوني»، مؤكدًا أن أحداث غزة فضحت الواقع المخزي للأمة الإسلامية، وكشفت ضعفها وهوانها.

وفي مقابل الخزي والذل والهوان الإسلامي تجاه أحداث غزة، يظهر الموقف اليمني المساند لغزة بوصفه حالة استثنائية في الواقع العربي والإسلامي، حيث يقدّمه النجار كنموذج حيّ لتحويل الوعي إلى فعل، والموقف الأخلاقي إلى ممارسة ميدانية. ويربط هذا الإسناد بالمشروع القرآني الذي أسّسه الشهيد القائد، باعتباره مشروعًا أعاد الاعتبار للقرآن كمرجعية تصنع الموقف، وتُرسّخ أن نصرة قضايا الأمة ليست خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل واجب ديني وأخلاقي.

ويرى النجار أن هذا النموذج يجيب عمليًا عن سؤال جوهري: كيف يمكن للأمة أن تستعيد دورها؟ مؤكدًا أن امتلاك مشروع قرآني واضح، وخطاب ديني حيّ مرتبط بالتحرر ومقاومة الظلم، هو الشرط الأساس للخروج من دائرة الخذلان، وصناعة مواقف قادرة على مواجهة التحديات الكبرى.

غزة تكشف واليمن يقدّم الإجابة
في المحصلة، تحولت غزة من ساحة مواجهة عسكرية إلى مرآة كاشفة لحقيقة النظام الدولي، وميزان أخلاقي يفضح ازدواجية المعايير، ويعرّي زيف الخطابات التي طالما تزيّنت بشعارات الإنسانية وحقوق الشعوب.

فحجم الجرائم المرتكبة، ووضوحها غير المسبوق، أسقط أي ذريعة للصمت أو التذرّع بالعجز، وجعل المواقف أو غيابها فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا محسوبًا.

وأمام هذا، تتقدّم غزة بوصفها لحظة فرز تاريخية للأمة، تكشف من امتلك مشروعًا قادرًا على الفعل، ومن ظلّ أسير الخطاب والشعار. وفيما تهاوت مواقف أنظمة وتيارات دينية وسياسية عند أول اختبار حقيقي، برز النموذج اليمني ليكسر معادلة الخذلان، ويعيد تعريف معنى المسؤولية والانحياز لقضايا الأمة.

ويمكننا القول إن الإسناد اليمني لغزة يعدّ ثمرة من ثمار مسار ثقافي وتربوي وإيماني طويل، أسّسه المشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، مشروع أعاد الاعتبار للقرآن كمرجعية حيّة تصنع الوعي والموقف، وتربط الإيمان بالفعل، وترفض الفصل بين القيم والواقع.

وهكذا، تظل غزة عنوانًا مفتوحًا للاختبار، فيما يقدّم اليمن شاهدًا حيًا على أن امتلاك مشروع قرآني واضح، وإرادة موقف صلبة، قادران على إعادة رسم معادلة الصراع، وترسيخ حقيقة أن الكرامة لا تُقاس بحجم الإمكانات، بل بصدق الانحياز وثبات الموقف.

المصدر: “موقع أنصار الله”