شهيد القرآن…حضور لا يغيب

1

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
16 يناير 2026مـ – 27 رجب 1447هـ

بقلمم// خديجة طه النعمي

في الأزمنة التي تختلط فيها الأصوات، وتضيع فيها البوصلة بين الشعارات والضغوط، تبرز الحاجة إلى استحضار النماذج التي لم تساوم على وعيها، ولم تفصل الإيمان عن الموقف، ولم تقرأ الواقع بعين الخوف، نماذج لم تتعامل مع الكلمة كترفٍ ثقافي، بل كمسؤولية، ومع القرآن لا كنصٍ يُتلى فقط، بل كمنهج يُحيا ويُدافع عنه، من هذا المعنى، يطل اسم شهيد القرآن السيد/ حسين بدر الدين الحوثي لا بوصفه ذكرى، بل كحضورٍ فكري ووجداني ما زال قادرًا على مساءلة اللحظة، وتصويب الاتجاه، وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والقرآن في زمن الاستكبار.

لم يكن السيد/حسين اسماً عابراً في زمنٍ مضطرب، ولا صوتاً ارتفع ثم خفت مع تقلب الأحداث، كان حالة وعيٍ تشكّلت في لحظة تاريخية حساسة، واستمرّت تتسع وتترسخ كلما حاول الاستكبار تضييق مساحتها، في حضوره، أعاد للقرآن موقعه الطبيعي، كتاباً يصنع الإنسان، ويهذّب الموقف، ويقود الأمة في مواجهة الظلم.

قرأ السيد/ حسين القرآن بوصفه مسؤولية لا ترفاً، ورسالة لا طقساً، ومنهجاً لا شعاراً، لم يتعامل معه كنصٍ معزول عن الواقع، بل كخطاب حيّ، يتقدّم إلى ساحات السياسة والاجتماع والثقافة، ويضع الإنسان أمام واجبه الأخلاقي والإنساني، ومن هنا جاءت كلماته مختلفة، صادقة، ومباشرة، لأنها انطلقت من وعيٍ يرى الصراع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.

تميّز خطابه بالوضوح الذي لا يهادن، وبالعمق الذي لا يستعرض، وبالصدق الذي لا يطلب تصفيقاً، كان يؤمن أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة ليس السلاح وحده، بل تغييب الوعي، وتحريف المفاهيم، وفصل الإيمان عن الموقف، لذلك ركّز على بناء الإنسان الحر من الداخل، الإنسان الذي لا يُهزم لأنه يعرف لماذا يقف، ومع من؟، وضد ماذا؟

لم يكن استهداف شهيد القرآن حدثاً معزولاً، بل اعترافاً غير معلن بخطورة ما كان يحمله، الفكرة التي تعيد للقرآن حضوره في معركة الكرامة تُربك مشاريع الهيمنة، والوعي الذي يربط الإيمان بالمسؤولية يُفشل كل محاولات التدجين، ومع ذلك، لم يؤدِّ غيابه الجسدي إلى غياب أثره، بل تحوّل حضوره إلى مساحة أوسع، تمتد في الوعي الجمعي، وتتجدد مع كل جيل، اليوم لا يُستحضَر السيد/حسين كشخصية من الماضي، بل كمعيار يُقاس به الموقف، وكبوصلة تُصحّح الاتجاه، وكصوتٍ ما زال يطرح السؤال الجوهري: كيف نكون مع القرآن في زمن الاستكبار؟ وكيف نحمل الإيمان دون أن نتنازل عن الكرامة؟

ومن هنا نجد أن الحديث عن شهيد القرآن، حديث عن وعيٍ مستمر، وعن مشروع لم يتوقف، وعن رؤية لا تزال تملك القدرة على إيقاظ الضمائر، فحين يتحول القرآن إلى موقف، ويصبح الإيمان فعلًا، يكون الحضور أقوى من الغياب، وتبقى الكلمة الصادقة قادرة على صناعة التاريخ.