الخبر وما وراء الخبر

السيد القائد.. عيد الجلاء جسرٌ لعبور معركة الهوية والسيادة بمواجهة مشاريع الصهيونية

18

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
30 نوفمبر 2025مـ – 9 جماد الثاني 1447هـ

في بيانٍ مفصلي بمناسبة الذكرى الـ 58 لعيد الجلاء الـ 30 من نوفمبر، قدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- رؤيةً شاملةً للصراع الراهن والمواجهة القادمة، رافضًا اقتصارها على حدود اليمن الإقليمية، ومؤطرًا إيّاه كجزءٍ أصيل من “مشروع استعماري غربي-صهيوني” متجدّد، لمنظومةٍ تاريخها كان ومازال “من أقسى المراحل إجرامًا، وطغيانًا، وظلمًا”.

بيانٌ حمل في طياته مضامين الهوية والسيادة، وجاء بمثابة إعلان رسمي لتوسيع مفهوم المعركة ورفع جاهزية الجبهة الداخلية لـ “جولةٍ قادمة” تتجاوز اليمن إلى محيطه الإقليمي، وليس لمجرد الاحتفاء بذكرى جلاء آخر جندي بريطاني من الأرض اليمنية، في الـ 30 من نوفمبر 1967م، بعد 128 عامًا من الاحتلال.

السيد القائد استهل بيانه، مساء أمس السبت، بتأكّيد البعد التاريخي لـ”الاحتلال البريطاني”، واصفًا تلك الحقبة بأنّها “من أقسى المراحل في تاريخ المجتمع البشري إجرامًا وطغيانًا”، لكن القراءة التحليلية تكمن في تركيزه على عاملين رئيسين ساهما في ديمومة هذا الاحتلال وطول أمده، وهي “همجية المنظومة الغربية، والدور السلبي للخونة من أبناء البلد”.

واعتبر أنّ من أبرز أسباب دوام الاحتلال كل هذه الفترة، أنّ المنظومة الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، مارست “الإبادة” بعشرات الملايين من البشر عبر القتل والتجويع ونشر الأوبئة، في سبيل “استغلالها ونهب ثرواتها واستعبادها”، والتي جاءت كعاملٍ خارجي.

وكعاملٍ داخلي، شدّد على أنّ “الخونة من أبناء البلد”، هم من سهلوا مهمة الاحتلال البريطاني، “بأقل كلفة ولزمنٍ طويل”، وذلك عبر تجنيد المقاتلين معه ومعاداة من يرفض سيطرته، وهذا التركيز الحاد على الخيانة الداخلية يهدف إلى تعرية ما يسمى “الشرعية” اليوم، من الخونة والعملاء والمرتزقة والأذناب داخل الساحة اليمنية، وربطهم بالتاريخ الاستعماري البغيض بالأمس، وكما هم عليه اليوم.

ويذهب بيان السيد القائد إلى ما هو أبعد من نهاية الاحتلال المباشر، مقدمًا تحليلاً عميقًا لتكتيكات الهيمنة الغربية الجديدة التي وُلدت بعد عجز بريطانيا عن الاستمرار في السيطرة المباشرة، مشيرًا إلى أنّ المنظومة الغربية “هندست الوضع” عبر “أنظمة عميلة وقوى مذهبية وثقافية” لتفكيك الأمة الإسلامية من الداخل ومنع سيادة الإسلام وأيّ “وحدة إسلامية” أو “نهضة حقيقية” للأمة.

وأكّد على سعي الغرب للتحكم “بالتعليم والإعلام والتثقيف” لضمان بقاء شعوب الأمة “مدجنة وخانعة وموالية لأعدائها ومتخلفة وجاهلة”، ولعل النقطة الأشد تركّيزًا في هذه الجزئية، تتمثل في أنّ تمكين الصهيونية من احتلال فلسطين لم يكن هدفًا بحدّ ذاته، وإنّما كان “مقدمة لاحتلال مساحة واسعة من الأرض العربية تحت عنوان (إسرائيل الكبرى)”.

وأراد أنّ يُرسخ في الوعي الجمعي أنّ العدوّ الصهيوني كـ”الوكيل” للمنظومة الغربية في المنطقة، برعايةٍ أمريكية ورثت الدور البريطاني، “في حمل راية الاستعباد للشعوب وإخضاعها للغرب وفق الحصص التي توزع بمستوى الأدوار والنفوذ”، وهذا التحديد يضع الصراع في إطار صراع “إرادات” ضد مشروع دولي شامل، وليس مجرد صراع محلي كما يدّعي العدوّ وأدواته، لافتًا إلى أنّ أيّ تحرك عسكري خارج حدود الرؤية المقاومة للمحتل، هو خدمةً للمشروع الصهيوني.

وحين يتناول السيد القائد الأحداث الأخيرة في المنطقة؛ إنّما يؤكّد أنّ العدوان الصهيوني الراهن، بالشراكة الأمريكية والبريطانية، هو “امتداد للنهج الاستعماري الإجرامي الغربي”، المستعبد للشعوب، الناهب لثرواتها، المحتل لأوطانها، والساعي لطمس هويتها، وقد تجلت حقيقة هذه المنظومة “الصهيونية الغربية الكافرة”، لشعوب أمتنا بل ولكل شعوب العالم، “في إجرامها بحق شعوب فلسطين ولبنان وسوريا، وجرائمها المستمرة بحق الشعب اليمني”.

وأوضح أنّ أهداف مشروع (إسرائيل الكبرى) ومخطط “تغيير الشرق الأوسط”، قائمةٌ على الاستباحة والاحتلال التام والتهجير، مؤكّدًا أنّ العدوّ الإسرائيلي وبدعمٍ أمريكي يسعى لاحتلال قطاع غزة، وتهجير الشعب الفلسطيني، والسيطرة على لبنان، وصولاً إلى مشارف دمشق، “كجزءٍ من خطته لإقامة ما يسمى (إسرائيل الكبرى)”.

ويبيّن أنّ الهدف الأكبر للتحالف “الصهيوني-الأمريكي-البريطاني” هو تحقيق ما يسمونه “تغيير الشرق الأوسط”، الذي يعني “تسليم كل بلدان المنطقة لمعادلة الاستباحة والخضوع المطلق والسيطرة الشاملة لصالح العدوّ الصهيوني”، لافتًا إلى أنّ هذا المشروع يسعى لربط كل “أمور المنطقة ومصالحها الاقتصادية به”، وهو ما يُفسر سر “العداء الشديد” لأحرار الأمة الذين رفضوا هذا السيناريو.

وفي الجانب العملي من البيان، يُعلن السيد القائد بوضوح أنّ “الأعداء يعدّون العدّة لجولةٍ قادمة لاستهداف الشعوب الحرّة والقوى الحيّة في الأمة”، الأمر الذي يشدّد على ضرورة “الاستعداد بكل أشكال التحضير والإعداد للتصدي لطغيانهم وإجرامهم، مع اليقظة التامّة”، محدّدًا أنّ دعائم الموقف اليمني، قائمٌ على الشرف العالمي، مؤكّدًا أنّ الشعب اليمني حظي “بشرف الموقف العظيم الخالد في نصرة الشعب الفلسطيني”، متصدرًا بذلك الساحة العالمية في مواجهة العدوان الصهيوني الأمريكي البريطاني.

وشدّد على أهمية “الجهوزية العالية” والتعبئة المستمرة، مستشهدًا بـ”وقفات الجمعة” والوقفات الكبيرة والاستنفار المسلح للقبائل اليمنية، بالإضافة إلى الإنجازات العسكرية والأمنية، والتي يرى أنّها أهم دعائم الهوية الإيمانية للشعب اليمني كدافعٍ أساسي للصمود، مؤكّدًا أنّ هذا الشعب “لا يتخلى عن جهاده ولا يتراجع عن موقفه”؛ لأنّه يعي أنّ الخنوع يؤدي إلى “ذل وهوان واستعباد وخسارة للدنيا والآخرة، وهيهات هيهات لشعب الإيمان أنّ يقبل بالعبودية والاستسلام للمجرمين الطغاة”.

واختتم السيد القائد البيان بدعوةٍ مباشرة موجهة للشعب اليمني للمشاركة “حضورًا عظيمًا ومهيبًا وبمشاركة مليونية” في ميدان السبعين، وكل المحافظات، عصر الأحد، لتأكّيد الثبات والجهوزية للجولة القادمة، وتجديد الثقة بوعد الله في “زوال الكيان الصهيوني المؤقت”.

بالمحصلة؛ فبيان السيد القائد بمناسبة عيد الجلاء الـ 30 من نوفمبر، هو بمثابة خارطة طريق إيديولوجية سياسية وعسكرية تستلهم الماضي لتأطير الحاضر، ويضع اليمن في قلب المواجهة الإقليمية الكبرى ضد “الاحتلال الصهيوني-الغربي” ومشروع (إسرائيل الكبرى)، مستخدمًا مفهوم “الخيانة” لتجريد العملاء والخونة والمنتفعين المحليين من أيّ شرعيةٍ يدّعونّها زورًا وبهتانًا، ودافعًا للجبهة الداخلية إلى الوحدة والتعاضد ورفع مستوى الاستعداد للحرب المفتوحة القادمة.