سقوط الأمم المتحدة في اليمن

بقلم / د. حبيب الرميمة

هناك كثير من المثالب التي تؤخذ حول الدور الركيك والمشبوه التي تقوم به الأمم المتحدة في شرعنة الصراعات وتأجيجها بما يتنافى مع الهدف الرئيسي الذي قامت من أجله المتمثل في حفظ الأمن والسلم الدوليين ابتداءً بخلق الصراع العربي الفلسطيني في المنطقة العربية – والذي يرجع في جوهره إلى التوصية رقم (181) التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29نوفمبر 1947م والتي بموجبها أقرت مشروع التقسيم للأراضي العربية الفلسطينية، وما ترتب عليه من خلق كيان عنصري يهودي في قلب العالم العربي والإسلامي وشرعنة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ماحدا بالدول العربية آنذاك إلى رفضها، وهذه التوصية في جوهرها كانت الأساس الدولي الممهد لإعلان “دولة” الكيان الإسرائيلي في 14مايو 1948م، على أثرها بيوم واحد أعلنت الجيوش العربية (سوريا – لبنان- مصر- الأردن) تحرير فلسطين وماتلاها من انتفاضات وحركات مقاومة إلى يومنا هذا في مقابل الدور السلبي والمتواطئ لها حيال القضية الفلسطينية. مرورا بدورها الصامت لاحتلال الولايات المتحدة لفيتنام ولم تتدخل إلا بعد أن تقدمت الولايات المتحدة في 1966م بطلب إلى مجلس الأمن الدولي بالتدخل وكان هذا الطلب لإنقاذ الولايات المتحدة نفسها من الخسائر التي تكبدتها جراء المقاومة الفيتنامية.

ثم دورها السلبي في الصراع بمنطقة البلقان أثر تفكك الاتحاد السوفيتي، وثم موقفها المتواطئ من غزو الولايات المتحدة للعراق بحجة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل- وما ترتب عليه من تدمير لمقدرات هذا البلد – والتي تبين فيما بعد اعتراف الولايات المتحدة عدم صحة امتلاكه لهذه الأسلحة وأنها كانت بناء على معلومات غير صحيحة، وغير ذلك من المواقف المتخاذلة للأمم المتحدة والتي تعرضنا لها في كتابنا (دور الأمم المتحدة في تحقيق الأمن الجماعي الدولي، ط1، الناشر المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2017م، وهو في جوهره نسخة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس ، كلية الحقوق 2016م) وعلى وجه العموم لن أتعرض هنا لدور الأمم المتحدة المتواطئ والسلبي لشرعنة العدوان السعودي الأمريكي على اليمن ويأتي على رأس ذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2216) 14 أبريل لسنة 2105. والذي بني على رسالتين قدمت من مندوبة قطر أقل ما يقال فيهما أنهما شابهما التضليل والمغالطة – وهو ما سنفرد له بحث خاص – وما تلاه من بيانات رئاسية للمجلس، لكن السقوط المروع الذي لم تعهده الأمم المتحدة تمثل في البيان الرئاسي الصادر مؤخراً من المجلس بتاريخ 16/6/2017م ، والذي تضمن فقرات تتنافى مع أبسط المعايير للشرعية الدولية المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلانات العالمية الصادرة من المنظمة و التي تمثل قواعد قانون التنظيم الدولي، من حيث تأكيده على دعم المبعوث الدولي لليمن والذي أظهر انحياز تام لطرف العدوان وأصبح يتحرك ضمن أجندات تتنافى وما رسمه ميثاق المنظمة للوساطة في المادة (33) كأحد وسائل حل النزاعات بالطرق السلمية بين الدول من حيث الأصل أو ما طرأ على المجلس بعد ذلك من تحديات وسعت من مهامه في نظر النزاعات الداخلية داخل الدول “كالحروب الأهلية ” مع أن هذا التوسع لازال يلقى كثير من الاعتراض لدى جمهور واسع من فقهاء القانون الدولي باعتبار أنه يمس بمبدأ أصيل تقرره الفقرة السابعة من المادة الثانية من الميثاق والتي لا تجيز للمنظمة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وعلى هذا فإن المسألة واضحة لا لبس فيها أن الوساطة كأحد وسائل حل المنازعات وفقا لنصوص الميثاق والذي يعد بمثابة “وثيقة دستورية للمنظمة ” من حيث الأصل هي أحد الوسائل لحل الخلافات بين الدول الأعضاء ، وهذا الإجراء افترض فيه واضعوا الميثاق لتفادي وصول الدول إلى استخدام القوة المسلحة، وهو إجراء – أي الوساطة – يقوم به من حيث الأصل العام طرف ثالث له ثقة بين الطرفين المتنازعين، لكن بعد استخدام القوة من أحد الدول ضد دولة أخرى فإن الميثاق حدد الإجراءات التي ينبغي على مجلس الأمن اتخاذه بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين.

ومع فرض التسليم بالتوسع الذي طرأ على عمل المجلس بتعيين وسيط دولي في المنازعات الداخلية فأن هذا لا يخل بضرورة احترام المبعوث الدولي لمهامه المقررة والتي يمليها دور الوساطة في التقريب بين وجهات نظر الأطراف المتنازعة للوصول إلى حل سلمي للنزاع، بل ينبغي على المجلس من تلقاء نفسه أن يشجع الأطراف للسير في مد جسور الثقة مع المبعوث الدولي من خلال أخذ ملاحظات الأطراف المتنازعة حول حيادية المبعوث الدولي بعين الاعتبار، واستبداله بمبعوث آخر إذا وجد أن أحد الأطراف لا يرغب بوساطته وثبت انحيازه لطرف ضد آخر أو عدم ممارسته لمهنيته بنزاهة. لكن ما حصل بشأن المبعوث الدولي لليمن سابقة لم يشهد لها المجلس مثيل إذ بعد رفض أحد الأطراف لوساطة المبعوث الدولي – إسماعيل ولد الشيخ – بشكل رسمي وطلب تغييره كان من المقرر على الأمم المتحدة تعيين وسيط آخر مداً لجسور الثقة بين الأطراف، ماحصل هو العكس دعم البيان الرئاسي للمجلس المبعوث الدولي بل ويطالب من السلطة في صنعاء فتح تحقيق حول حادثة تعرض ولد الشيخ إلى إطلاق نار وتأمين سلامته، وكأنه تحول إلى مندوب سامي وليس وسيط دولي !

أما الطامة الكبرى الذي احتواها البيان هو طلب من أسماهم أنصار الله وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح من وقف الهجمات على المملكة العربية السعودية ! متجاهلا آلاف المجازر التي ارتكبها تحالف العدوان السعودي بحق المدنين واستهدافها البنية التحتية المدنية في معظم المحافظات اليمنية والموثقة معظمها من خلال التقارير الدولية للهيئات الدولية والوكالات التابعة لها بما تمارسه قوى العدوان بقيادة السعودية من ارتكاب لجرائم حرب، وهو الأمر الذي وصل بالأمين العام للمنظمة سابقا أن يدرج المملكة السعودية في القائمة السوداء للمنظمة، وما شكل إخراجها من القائمة بعد ذلك نتيجة الضغوط من فضيحة مدوية، والمجلس بهذا التصرف لا يستقيم مع أحكام الميثاق في وقف العدوان والحصار على شعب بأكمله بل إنه يحرم استخدام المعتدى عليه حق الدفاع الشرعي والذي يعتبر حق أصيل يستمد من مبدأ طبيعي آخر هو (حق البقاء) ومؤدى هذا الحق أن تعمل الدولة كل ما يلزم من الوسائل لدفع ما يهدد هذا الوجود من أخطار داخلية وخارجية.

خلاصة القول أن ما تمارسه المنظمة الدولية إلى الآن فيما يتعلق بالعدوان على اليمن، سيكون له تداعيات حول مصير المنظمة نفسها، ونذكر هنا أن من الأسباب الرئيسة المتعارف عليها عند معظم فقهاء القانون الدولي في فشل عصبة الأمم هو الدور السلبي للعصبة في منع غزو ايطاليا واحتلالها للحبشة.

%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%88%d8%b3%d8%a7%d9%86

التصنفيات: العدوان على اليمن,المقالات