الخبر وما وراء الخبر

السعودية وفكرةُ وقف إطلاق النار

4

بقلم / عبد الرحمن مراد

تحاولُ السعوديةُ من حين إطلاِقها لمبادرتها التي تقول إنها للسلام في اليمن أن تقومَ بحملةِ ترويجٍ واسعةِ النطاقِ في العالم كله؛ بهَدفِ تحسين صورتها؛ وبهدفِ المحاولة في الانتصار وفرض شروط الاستسلام عن طريق استغلال الملف الإنساني والمقايضة به تعويضا عن الشعور بالهزائم، وهي في السياق نفسه تحاول أن تستر نفسها من الاعتراف بالهزيمة العسكرية بعد أن امتد الزمن ليصل إلى مشارف العام السابع دون أي تقدم للسعودية ولمرتزِقتها وقد باءوا بالذل والخسران المبين في كُـلّ المواقع والجبهات.

إحكام الحصار ومنع السفن من الوصول إلى الموانئ لن يكون إلا اعترافاً واضحًا بالهزيمة العسكرية؛ لأَنَّ الأقوياء والذين هم منتصرون لا يذهبون إلى الصغائر؛ لأَنَّها تقلل من انتصاراتهم وتنزلهم منازل الذل والهوان، ولذلك على السعودية أن تدرك أن اليمنيين ليسوا على استعداد بالتضحية بانتصاراتهم التي صنعوها بالجماجم والأشلاء المتناثرة وبالصبر والجلد، فالملف الإنساني لن يكون محل مقايضة بيننا وبين السعودية فقد اقترفت يدها ما هو أفظع وأبشع ولن يكون التاريخ متصالحا مع السعودية في المستقبل في حال يستمر نظام آل سعود في الحكم في منطقة جزيرة العرب، ذلك أن النهايات بدأت ترسم ملامحها بدخان الحروب والأحداث التي يديرها نظام آل سعود في كُـلّ بلدان العرب.

لقد كان السيد حسن نصر الله ناصحاً أميناً للسعودية، وقال للسعودية ما هي غافلة عنه وذكرها أن أهل اليمن أهل حكمة لا يمكن أن تنطليَ عليهم خدعة السياسة، فوقف إطلاق النار لا يعني سوى أن تتوقف الطائرات والصواريخ ريثما ترتب السعودية نفسها، وهو أمر في مقياس أهل السياسة بالغ الخطورة وبالغ الأهميّة، ففي السياسة ترك الفرص التي يتركها الحدث والزمان ضياع وتيه، ولن يصلوا إلى مبتغاهم طالما ونحن ما نزال نملك القدرة على التفكير، والقدرة على إدارة الحرب بل أضحت لنا اليد الطولى في الحرب وعدونا في نكوص وذل وخسران.

فكرة وقف إطلاق النار دون وقف الحرب بكل تموجاتها ورفع الحصار وإثبات حسن النوايا للحوار خديعة لن تمر، ومكر نعرف كيف نرده في نحورهم بكل تحد وصمود وثبات، فنحن أولو بأس شديد في الحروب، ونحن أهل الرأي السديد في السياسة، ونحن أهل المواقف فالتاريخ قد حدثكم بذلك، وقد قال لكم إن أهل اليمن إذَا انتصروا لملك لن يتركوه إلا والتاج على رأسه، وَإذَا قاموا على ملك لن يتركوه إلا وقد سلبوه ملكه فخذو العبرة من التاريخ.

تجربة الصمود اليمني في وجه قوى الشر والعدوان أضحت مثالاً لكل أحرار العالم ولكل حركات المقاومة للظلم والصلف والعدوان، وهي تجربة ستكون نتائجها ذات أثر على القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية في السعودية، ولذلك من خلال هذه التجربة أصبح النظام العام والطبيعي في السعودية قاب قوسين أَو أدنى للانهيار، وعند هذه النقطة علينا الوقوف حتى نجعل من غطرسة السعودية ومن صلفها وظلمها نارا تأكل فيها، وتحد من شبقها، ومن سياسة التدمير التي تنتهجها تجاه الشعوب العربية والإسلامية.

لقد بات الرأي العام العالمي على يقين مطلق أن الحركة الدؤوبة التي يقوم بها المبعوث الأممي والأمريكي هي محاولة لانتشال السعودية من مستنقع الرذيلة التي وقعت فيه، وكل المبادرات لم تكن إلا بهَدفِ تغطية الهزائم التي تتجرع ويلاتها السعودية، ولذلك تحَرّكوا في مسارين مسار الحصار والتضييق على الناس في معايشهم وأرزاقهم، والمسار الثاني الاحتماء بالنازحين في مأرب واتِّخاذهم دروعاً بشرية، وتلك وربِّ الكعبةِ الذلةُ بعينِها التي ضربت عليهم فباءوا بغضب من الله.

لا يمكنُ لعاقل يعي أن يتجاوزَ مفردةَ الهزيمة حال أن يقف متفكراً في الحالة التفاعلية التي تجري في اليمن، فالسعودية عجزت عن بلوغ غايتها من اليمن قد تكون أمريكا حقّقت قدراً من مصالحها في البحر والمنافذ البحرية لكن ذلك لن يستمر طالما ونبض الحرية والاستقلال هو ديدنُنا، ومثلها إسرائيل، لكن السعودية خسرت كُـلّ شيء حتى مشاعر أهل اليمن ولم تحقّق شيئاً يذكر.

لن يعد أمام آل سعود إلا التسليم للواقع والتعامل معه وفق معطياته إن كانوا يعقلون، فكُلُّ شروط الانتصار وفرض الهيمنة تجاوزتها المرحلة، فالقوة التي عليها أهلُ اليمن بعد ستة أعوام من الحرب الكونية والحصار في مقابل الذل والهوان الذي بات عنوان السعودية ومرتزِقتها في اليمن بلاغٌ واضحٌ لمن ألقى السمع أَو كان بصيراً.