الخبر وما وراء الخبر

« سياسة الإحتواء »

6

بقلم / فاضل الشرقي

كثيرًا ما نسمع بسياسة الإحتواء، أو نظرية الإحتواء، أو استراتيجية الإحتواء، ويقال لنا دائمًا لا بد من إحتواء فلان، وفلان، وفلان ، أو الموقف الفلاني ، والقضية الفلانية ، وبمفهومنا ووعينا القاصر نفهم أنّ الإحتواء هو المسايرة، والمصاحبة، والمجاملة، والمحاباة، وهذا غلط في غلط، ومخالف لكلّ النظريات والأدبيات السياسية والإستراتيجية.

ذلك أنّ معنى الإحتواء: ممارسة الضغوط، والضغوط القصوى منها، بهدف إخضاع هذا الطرف أو ذاك لسياسة ونفوذ الطرف الآخر، وسياسة أو استراتيجية الإحتواء، تعرّف بأنّها:
سياسة الحرب الباردة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع خصومها، وظهرت بعد الحرب العالمية الثانية وانهيار الإتحاد السوفيتي، واستخدمت في مواجهة الإشتراكية الشيوعية، لتطويق وعزل الإتحاد السوفيتي عن طريق الأحلاف، والتكتلات، والقواعد العسكرية، ومحاصرته، ومنع تمدده الأيديولوجي في الدول المجاورة، وسائر مناطق العالم.

وهي سياسة صاغها (جورج كينان) السفير الأمريكي في موسكو (سنة 1947م) وطبقها الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) في الحرب الباردة مع السوفيت، وتمارسها أمريكا بوضوح مع ما تسميه بالدول المارقة مثل: روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية، وكوبا، وفنزويلا، وغيرها من الدول التي تشكل خطرًا على النفوذ الأمريكي، سياسيًا، وعسكريًا، واقتصاديًا.

أمّا سياسة ملء الفراغ: فهي سياسة إستعمارية إخترعتها الولايات المتحدة الأمريكية ووظفتها بعد إنسحاب القوى الإستعمارية التقليدية من المستعمرات (فرنسا، بريطانيا) بحجة مواجهة المدّ الشيوعي، وكانت الفيتنام أول ضحاياها،
والعلاقة بين السياستين : قيامهما على مواجهة المدّ الشيوعي في المنطقة والعالم.

والإحتواء مفهوم سياسي ينطوي على كثير من الدلالات ذات البعد الاستباقي، فهو تارة فعل عدواني، حين يؤسس لآليات الترويض، وتغيير ملامح التشكيلات السياسية والاجتماعية المستهدفة، اعتمادإ على منهجي التفريق والتهميش، وصناعة الفتن، في اطار محكم من الفوضى وبسط النفوذ، وتارة أخرى فعل وقائي حين يعتمد الإلهاء السياسي، والتبني، والاستقطاب، بوسائل وأساليب مختلفة.  

وتمثل سياسة الاحتواء مرحلة من مراحل الصراع مع الآخر الذي يظهر امكانيات عالية في التصدي، فتتجلى في البحث عن نقيض الآخر، ودعمه في سياق يفضي الى تبني طروحات الطرف النقيض، والدعوة الى تحقيق طموحاته، فيتجلى الأمر وكأنه صراع أفكار أو مصالح بين الندين، بينما تتحقق لصالح الارادة التي تحرك الصراع لأهداف سياسية.

والخلاصة: أنّ مفهوم سياسة الإحتواء يُعبّر عن الحرب الباردة، والضغوط القصوى، لمحاصرة الطرف الآخر، والسيطرة عليه، وتحجيمه، ومنع نفوذه، وتمدده، وتوسعه، وتأثيره بكل الطرق الممكنة سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وإعلاميًا، وتجريده من كلّ وسائل القوة، والنفوذ، ولا تعني بأيّ حالٍ من الأحوال، التماشي، والمسايرة، والمداهنة، والمجاملة، ولا أيّ شكلٍ من أشكال الإحتواء الدارجة بمفهومنا المعكوس، المتعارف عليه على حساب خسارة الأولياء والأصدقاء الحقيقيين، وإنّما هي في الحقيقة شكلٌ من أشكال القوة المبطنة، أو القوة الناعمة، والضغوط القصوى لإخضاع طرف ما، والهيمنة عليه.