الخبر وما وراء الخبر

حسـن زيد الذي عــرفـته

4

ذمار نيوز || مقالات ||
[ 1 نوفمبر 2020مـ -15 ربيع الاول 1442هـ ]

بقلم || عـبدالله عـلي صبري

الموت علينا حق، أما أن يكون استشهادا فكرامة ما بعدها كرامة.. كم صدمني خبر اغتيال الأستاذ الكبير حسن محمد زيد، ولم يخفف من هول الفاجعة سوى اليقين أنه لا يزال حيا عند رب السماوات والأرض مثل كل الشهداء الذين قضوا نحبهم ولم يبدلوا تبديلا.

تعرفت على الأستاذ حسن زيد من خلال حضوره البارز في المشهد السياسي منذ النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، وكنت لا أزال في بداية مشواري مع صاحبة الجلالة، بينما كان الشهيد من قيادات حزب الحق والمعارضة السياسية البارزين.. غير أننا تعارفنا وتحاورنا عبر الصحافة المكتوبة قبل أن نلتقي وجها لوجه، فقد كتبت مقالا لصحيفة الشورى عن الزيدية فكرا وتاريخا ونشر على حلقتين، وسرعان ما جاء التعقيب على المقال باسم حسن محمد زيد، غير أن رئيس التحرير أرجأ النشر بعد أن وجد التعقيب منشورا في صحيفة الأمة. وقد توسع الأستاذ حسن في الرد والتوضيح، بعد أن وجدني مستندا فيما كتبت إلى كتابات القاضي اسماعيل الأكوع عن الزيدية، التي قد لا تكون منصفة لتاريخ الزيدية حسب كثيرين.

كنت قبل كتابة المقال قد تجاذبت الحديث مع بعض الشباب الذين يدرسون المذهب الزيدي في الجامع الكبير بصنعاء، ويشتكون من التضييق الإعلامي على فكر وتاريخ الزيدية، خاصة وأن حرب صيف 1994م، قد منحت تحالف المؤتمر والإصلاح نصيب الأسد من السلطة والنفوذ في البلاد.. ورأينا أن نعمل شيئا باتجاه كسر الحصار الإعلامي عن مظلومية الزيدية إن جاز التعبير، من خلال إثارة النقاش عن الزيدية على منبر صحيفة الشورى التي كانت تكتسب شهرة كبيرة حينها، واتفقنا أن أبادر بكتابة مقال مثير للجدل، لتأتي تعقيبات شباب الزيدية من باب حق الرد. ولما تصديت للمهمة جاء التعقيب من حيث لم نتوقع.. كانت ردود الأستاذ حسن زيد عميقة وموضوعية ولكنها نشرت في صحيفة الأمة على عكس ما خططنا له.

غير أن ما جمعني فيما بعد بالأستاذ حسن زيد كان أكبر من جزئية كهذه على أهميتها، فالنقاشات السياسية داخل الأحزاب وفي مختلف منابر المجتمع المدني كانت تتجه إلى عناوين عريضة مرتبطة بتصحيح مسار الديمقراطية وتعزيز الحقوق والحريات العامة، ومعالجة آثار حرب صيف 1994م، والعودة إلى تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق التي وقعت عليها كل الأحزاب اليمنية قبل الحرب.

برزت في هذه الفترة شخصيات معارضة جسورة، أمثال عمر الجاوي، وزيد الوزير، وصالح عباد مقبل، والدكتور عبد العزيز السقاف ( ناشر صحيفة يمن تايمز )، والدكتور محمد عبدالملك المتوكل، والأستاذ جار الله عمر.. وغيرهم، إضافة إلى أسماء وازنة كانت على رأس قيادة حزب الحق، أمثال العلامة أحمد الشامي، والأستاذ محمد المقالح، والأستاذ عبدالكريم الخيواني، والأستاذ محمد المنصور، إضافة إلى الشخصية الأكثر جدلا، الأستاذ حسن محمد زيد.

وأمكن لأحزاب المعارضة أن تشكل مجلسا تنسيقيا فيما بينها، إلى أن تشكل اللقاء المشترك، الذي شرفت بحضور اجتماعاته الدورية بصفتي السياسية لا الصحفية، كعضو قيادي في اتحاد القوى الشعبية، ثم كمقرر للمجلس في فترة لاحقة.

كانت اجتماعات المشترك بمثابة مدرسة سياسية في الحوار وإدارة الخلافات وصولا إلى صياغة البيانات والتفاهمات، التي كان يغلب عليها التكتيك السياسي لدى البعض، فيما كان آخرون وعلى رأسهم الشهيد الدكتور محمد عبدالملك المتوكل يحرصون على وضع رؤى استراتيجية تقود المشترك والبلد إلى المستقبل، وكان ما يعجبني في الأستاذ حسن زيد أنه كان ذكيا في مجاراة الرؤى والمواقف ذات الطابع التكتيكي، بالحكمة حينا، وبالسخرية حينا، وبالحزم حين يتطلب الأمر. وفوق ذلك فقد كانت له طروحاته العميقة أيضا، كما كانت علاقاته الشخصية الديناميكية، عاملا مساعدا لتمرير مقترحاته السياسية على الطاولة.

ومما يؤسف له أن حزب الحق الذي كان ينتمي إليه الشهيد مر بفترات حرجة جراء الاختلافات الداخلية والمؤامرات السلطوية، وهو ما انعكس سلبا على مختلف أنشطة الحزب وعلاقته بالجمهور، وكم كنت أتحسر وأنا أرى تعاظم هذه الخلافات بين أبناء الفكرة الواحدة، في وقت كانت اليمن أحوج ما تكون فيه إلى أحزاب متعافية تقود عجلة النهوض والتغيير وتسير بها وبالناس إلى آفاق رحبة تغدو فيها النظريات والبرامج المرفوعة حقيقة معاشة على أرض الواقع.

إلا أن الأجواء التي عاشها حزب الحق، كشفت عن شخصية صلبة لا تفتقر إلى الذكاء ومهارة القفز على العقبات والتحديات، ما جعل الشهيد حسن زيد محل تقدير النخبة السياسية في السلطة والمعارضة، بل وجعلت منه نجما يستقطب الصحافة ومختلف وسائل الإعلام، لا يجفل من المواجهة ولا يتردد في قول ما يراه حقا. وبرغم أن أدوات السلطة والنظام السابق دأبت على تشويه سمعة الرجل في أكثر من مناسبة إلا أنه كان يخرج من التحديات أصلب عودا، وأقوى شكيمة.. وكما أنه وغيره من قيادات الرأي ورجالاته كانوا عرضة على الدوام لترغيب السلطة وترهيبها إلا أن الشهيد حسن زيد لم ينثني عن مواقفه المبدأية، ولم يصطف يوما إلا حيث يجب أن يكون أمثاله من المصلحين والمناضلين. وفي 2011م كان حسن زيد من القيادات الثورية التي يشار إليها بالبنان. وفي 2014م انحاز زيد إلى الثورة الشعبية، وعمل – بحكم خبرته وعلاقاته السياسية- على تجسير الهوة بين أنصار الله وأحزاب المشترك، وحين باشرت السعودية عدوانها على اليمن، رفض الشهيد الالتحاق بمؤتمر الرياض، واصطف مع أبناء وطنه في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي، ما جعل الرياض وأدواتها يدرجونه في قائمة الاستهداف المعلنة.

وكان للشهيد حضوره الشخصي وعلاقاته الاجتماعية المميزة، وقد رأينا كيف تداولت صفحات التواصل الاجتماعي خبر اغتياله، وفاضت بمشاعر الاستنكار والإشادة بتاريخ ومواقف الراحل..

وشخصيا فقد كان رحمة الله عليه من أوائل السياسيين الذين هرعوا إلى مواساتي وأسرتي عقب الغارة العدوانية على منزلي في مايو 2019م.. وأتذكر قبلها أن سوء فهم قد حصل بيننا، وعاتبني بقسوة لم أعهدها، ولما التقيته في فعالية لاحقة بادرته بالسلام واحتضنني بحرارة وكأن شيئا لم يكن..
بعدها أيضا التقيته في فعالية السنوية الثانية للشهيد الدكتور محمد عبدالملك المتوكل، تكلم أغلب الحاضرين عن مناقب الشهيد، وجاء الدور على الأستاذ حسن، فاسترسل مستحضرا ذكرياته مع الشهيد المتوكل، حتى أجهش بالبكاء..

كم أكبرت دموعه حينها.. لكني ما توقعت أبدا أن قلمي سيبكيه ويرثيه، فقد خسرناه وخسرته اليمن سياسيا محنكا ومحاورا من الطراز الرفيع وعنوانا للعقلانية والمدنية الأصيلة، وللوطنية الصادقة التي توجت بتضحية عظيمة، حين فاز بالشهادة في سبيل الله كما فاز بها قبلا الإمام علي عليه السلام.