الخبر وما وراء الخبر

إطلالة وثائقية على واقع العلاقات “العلنية” بين النظام السابق و الكيان الصهيوني زياراتُ الوفود اليهودية إلى اليمن

7

صدمت الوثائقُ التي كشفتها القواتُ المسلحة حول علاقات النظام السابق في اليمن بالكيان الصهيوني، الكثيرَ من المتابعين؛ لما احتوت عليه من فضائحَ تؤكّـدُ أن محاولاتِ التوغل الإسرائيلية في اليمن بدأت في وقت مبكر جِـدًّا، وأن النظام الذي حكم البلاد لعقود لم يكن في الحقيقة يختلفُ كَثيراً عن الأنظمة الخليجية التي نشاهدُها اليومَ ترتمي بشكل فاضح في حضن العدوّ الصهيوني؛ انطلاقاً من كونها أداةً في مشروع الوصاية الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة.

وعلى الرغم من المفاجَأة التي أحدثتها الوثائق، إلا أن ما احتوت عليه لم يكن في الحقيقة سرا كَبيراً، فعندما عادت صحيفةُ المسيرة إلى جزءٍ من الأرشيف الصحفي اليمني خلالَ جزءٍ من العام 2000 فقط، وجدت الكثيرَ من الأخبار والموادِّ التي تؤكّـد أن ما كان يجري بين نظام “صالح” والكيان الصهيوني كان قد خرج بشكل واضحٍ إلى العلن، وتناولته العديدُ من الصحف المحلية آنذاك، بل وصل إلى قاعة البرلمان اليمني نفسِه، الأمر الذي يؤكّـدُ صحةَ الوثائق التي نشرتها القوات المسلحة، ويؤكّـدُ أَيْـضاً أن العلاقات بين النظام السابق والعدوّ الإسرائيلي كانت قد وصلت في ذلك الوقت المبكر إلى العُمقِ بما يكفي لأن تتجاوز حاجزَ السرية.

فيما يلي تتبع صحيفة المسيرة بعضَ ما نُشر في عدد من الوسائل الإعلامية والصحف المحلية خلال عام 2000، وبالذات حول زيارات الوفود الصهيونية إلى الأراضي اليمنية:

خلال أبريل 2000، بدأ توافد السياح الإسرائيليين إلى اليمن وعدن، تحديداً فيما سُمي حينها بالتطبيع السياحي، والذين دخلوا البلاد بجوازات سفر إسرائيلية (صحيفة الأُمَّــة العدد 146 بتاريخ 21 أبريل 2000، وصحيفة الوحدوي العدد 413 في 4 أبريل، والعدد التالي في 11 أبريل)، وتخلل ذلك عودة أسر يهودية إلى عدن بعد أن كانت قد تركت المدينةَ وهاجرت إلى فلسطين المحتلّة قبل عقود باختيارها، ولوحظ آنذاك وجودُ حركة استقطاب للنخب الثقافية للترويج للتطبيع في مدينة عدن (الأمة – 155 بتاريخ 22 يونيو 2000م)، وتوالت بعد ذلك الأفواجُ “السياحية” الإسرائيلية إلى عدن وصنعاء والمحويت وصعدة، ومنها أولُ فوج سياحي إسرائيلي يصل إلى صنعاء عبر أديس أبابا (الأمة 156 بتاريخ 29 يونيو2000م).

وكذلك كان توافد السياح الأمريكيين الصهاينة إلى الجمهورية اليمنية، بعد حصولهم على تأشيرات الدخول في الولايات المتحدة وتحديداً عبر ممثلية اليمن في الأمم المتحدة، يتم بواسطة شركة سياحية ناقلة تسمى (رحلات الجليل)، وكان خط الرحلة يمر بالأردن ثم ينقلون على الخطوط الملكية الأردنية إلى اليمن، وكانت الرحلات والزيارات المنسقة قد بدأت بتاريخ 28 مارس2000م بعدد من الوفود المتوالية والتي كان عددها يتراوحُ بين 20-30 فرداً، وقد أوردت الصحفُ التي تناولت الأمرَ بشيء من التفصيل، أن الوفد السياحي الثالث لم يسافر إلى بلد الترانزيت (الأردن)، بل طار مباشرة من تل أبيب إلى اليمن.

ومع تزايد هذه الرحلات وبعد أن ذاعت أخبارُ هذا النشاط التطبيعي الفج، ارتفعت أصواتٌ للتعبير عن السخط الشعبي، وتمثلت هذه الأصوات بتنديدِ عددٍ من خطباء الجوامع، فيما أعرب ما كان يسمى بمجلس تنسيق المعارضة (ما سُمِّيَ لاحقاً باللقاء المشترك) عن احتجاجه على هذه الزيارات مع مطالبته بسحبِ الثقة عن الحكومة.

ونشرت صحيفة “الوحدوي” عن ذلك خبراً تحت عنوان (نواب يطالبون بمساءلة الحكومة حول التطبيع مع الصهاينة).

كما تناولت الصحفُ آنذاك، خبرَ موافقة رسمية على استقبال 10 آلاف سائح يهودي شهرياً، ونقلت عن صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية ما يفيد بأن “مسؤولَين كبيرين في وزارة الخارجية الإسرائيلية قَاما بزيارة سرية إلى اليمن والإمارات”، (يؤكّـد هذا دقةَ ما جاء في الوثائق التي نشرتها القوات المسلحة والتي كشفت أن الإمارات كان لها دور كبير في العلاقات بين نظام صالح والكيان الصهيوني).

وأضافت الصحيفة العبرية آنذاك أن زيارةَ الوفود السياحية اليهودية إلى اليمن تم التوصل لها بعد اتصالات ولقاءات عديدة خلال أشهر، بإدارة من وزير الأمن الداخلي السابق (آنذاك) في إسرائيل “أفيغدور كهلاني” وهو من مواليد اليمن. (هنا ارتباط آخر بقضية التجنيس التي كشفتها الوثائق).

وقالت صحيفة “يمن تايمز” وقتها: إن أكثرَ من 45 ألف يهودي كان الكيان الصهيوني آنذاك ينوي إرسالَهم في زيارات إلى اليمن، وأن اتّفاقاً مع الحكومة اليمنية أُبرم لتنفيذِ الزيارات (10 آلاف يهودي كُـلَّ زيارة) عبرَ الأردن.

وقد زار سياحٌ إسرائيليون عدنَ ضمن أفواجٍ سياحيةٍ كبيرةٍ على متن سفينة سياحية ضخمة، ودخلوا بجوازات سفرهم الإسرائيلية، وكانت تلك الزيارةُ ومثيلاتُها تتم بتنسيقٍ من قبَل شخص يحملُ جنسية مزدوجة (صهيوني أمريكي) يُدعى “بتسمح كادي هاليفي” ويبلغ من العمر 80 عاماً، وأشارت كذلك بعضُ الصحف المحلية إلى زيارات سرية متتالية أجراها عبدُالكريم الإرياني إلى إسرائيل، وعدد من اللقاءات عقدها مع مسؤول منطقة الخليج بالخارجية الإسرائيلية آنذاك “بروس قشطان” والتي وُصفت العلاقة مع اليمن بالحميمية.

وبحسب الصحف التي أوردت الموضوع، فقد عُقدت لقاءاتٌ سريةٌ كثيرة كان ينفيها المسؤولون اليمنيون وتؤكّـدها الخارجيةُ الإسرائيلية ومنها لقاء علي عبدالله صالح بمندوب الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة وهو حاخام صهيوني يدعى “يهودا لنكري”، وقام بمصافحته، وذلك خلال زيارة “علي عبدالله” لأمريكا في أبريل 2000م، ولكنه زعم بعد ذلك وعقب انكشاف الأمر أنه لم يكن يعلمُ بالتحديد من هو ذلك الشخص وماهي صفته الدبلوماسية، مدعياً أن ما حدث يعد “كميناً” نُصب له على حين غِرَّةٍ، لكن وبالمقابل أكّـد الإسرائيليون أن ذلك غيرُ صحيح بدليل أن “صالح” قام بدعوة الحاخام لزيارته في مقر إقامته، حيث التقى به مرةً أُخرى وبشكل مطول.. (مجلة روز اليوسف، العدد 3749 بتاريخ 21 أبريل 2000م – تقرير: إسلام كمال)، (المحضر الذي حصلت عليه صحيفة المسيرة ونشرته عقب فتنة ديسمبر أثبت أن اللقاءَ كان مخطّطاً له وتم خلاله مناقشةُ العدد من القضايا منها الاستثمارات الإسرائيلية في اليمن)، ثم صار واضحًا إلى أيِّ مستوى وصل التطبيع السياحي مع العدوّ الصهيوني، إذ أنها وبعد شهرَين فقط من بدء التوافد السياحي المقيت كانت الوفود اليهودية تتجول في شوارع وأزقة صنعاء دون قلق (1627 الثوري 29 يونيو 2000م)، وبحماية وتسهيلات السلطة “المطبعة”.

ونشرت صحيفة “الوحدوي” عدةَ أخبار أكّـدت استمرارَ وصول الوفود الإسرائيلية إلى اليمن من أبريل إلى يونيو من العام نفسه، وخلال الفترة نفسها يؤكّـد أرشيف الصحيفة نفسها وجودَ أحاديث عن تمثيل دبلوماسي بين الكيان الصهيوني واليمن؛ لتسهيل الزيارات.

ومن الشواهد الفاضحة لتوجّـه السلطة العميلة أنه وخلال تلك الفترة أصدر عميد كلية الإعلام توجيهاً بإحالة طالبين من طلاب الكلية إلى التحقيق؛ بسَببِ مبادرتهما إلى تأسيسِ لجنة طلابية لمقاومة التطبيع، زاعماً أن ذلك عمل “مسيَّس” (149 الأُمَّــة 11 مايو 2000م)، وعُمُـومًا فقد وصل الأمر إلى أنه وفي الأراضي الفلسطينية المحتلّة كان يتم الترويجُ لعقارات يمنية معروضة للبيع، وفي ذات الفترة تم رصدُ إسرائيليين في عدنَ وفي صعدة وصَلوا لشراء بعض المنازل هناك (1631 الثوري 27 يوليو 2000)، وكانت مجلة نوافذ التي يرأس تحريرها نصر طه مصطفى قد خصصت حينها عدداً كاملاً لتناول موضوع تجول مجموعات يهودية في صنعاء ولقاءاتها بالأهالي هناك.

وبالتزامن، أعلنت صحيفةُ “الوحدوي” أنها ستضعُ “قائمةً بالمطبِّعين” تحتوي على “الأشخاص والوكالات السياحية والفنادق التي كان لها دورٌ في عملية دخول واستقبال الأفواج من السياح اليهود إلى البلاد”.

وكانت صحيفة “هآرتس” العبرية قد كشفت قبل ذلك عن محادثاتٍ جرت في “إسرائيل” بين شركات صهيونية وعددٍ من وكلاء السياحة اليمنيين، وأن أحد رجال الأعمال اليمنيين طلب أن يكون ممثلاً رسميًّا لشركة “إل عال” الإسرائيلية في اليمن، فيما طلبت الشركةُ السماحَ لطائراتها بالتحليق في المجال الجوي اليمني، وتحدثت عدةُ مصادرَ لصحيفة المسيرة بأن أحدَ وكلاء السياحة اليمنيين الذين التقوا مع الشركة الإسرائيلية كانت له صلةُ قرابة مع علي عبد الله صالح نفسه.

والحقيقةُ أن الحكومةَ نفسَها آنذاك لم تكن تتحفَّظُ كَثيراً إزاء مسألة العلاقات مع الكيان الصهيوني، فإلى جانب ما نقلناه سابقًا عن الصحف المحلية التي وثق أرشيفها مطالبة البرلمان بمساءلة الحكومة حول “التطبيع”، نجد أَيْـضاً أن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية آنذاك، عبدَ القادر باجمّـال، صرّح بأنه “توجدُ ضغوطٌ أمريكية على اليمن لإقامة علاقات مع إسرائيل”، وهو تصريحٌ جاء على وقع اشتعال الرأي العام حول زيارات الوفود الإسرائيلية إلى البلاد، أي أن الحكومة حاولت أن تبرّرَ ما تفعله.

ومع ذلك، بحسب ما ينقل أرشيف صحيفة “الوحدوي”، نفى مساعد وزير الخارجية الأمريكية “الضغوطَ” التي تحدث عنها باجمّـال، (لم ينفِ العلاقات) وقال: إن “إقامة العلاقات الدبلوماسية أمرٌ طبيعي”، وإن “كل طرف يفعلُ ما يريده”.

أما وزيرُ الإعلام آنذاك، عبدُالرحمن الأكوع، فقد أقرَّ في تصريحات لجريدةِ “البيان” الإماراتية بأن الحكومةَ كانت تعتزمُ فتحَ “مِلَـفِّ التطبيع”، حيث قال إنه تم السماحُ لوفود سياحية يهودية بزيارة صنعاء، ولكن لوجود ردٍّ فعل شعبي وسياسي مناهض لهذا التوجّـه “فقد قرّرت اليمنُ تأجيلَ فتح مِلَـفِّ التطبيع”!

وحقيقةُ رد الفعل الشعبي والسياسي الرافض لزيارات الوفود الإسرائيلية إلى اليمن، تؤكّـد أن العلاقاتِ بين نظام صالح والكيان الصهيوني كانت قد وصلت إلى مستوىً متقدمٍ من العلنية، وهو أَيْـضاً ما يؤكّـدُه امتدادُ رد الفعل هذا ليشملَ الوسطَ العُلمائي، ففي الوقت الذي تتابعت فيه تلك الزياراتُ بين أبريل ويونيو من العام نفسه، أصدر أكثرُ من 16 عالماً يمنياً، على رأسهم مفتي الجمهورية آنذاك، العلامة أحمد زبارة، فتوىً بتحريم التطبيع مع اليهود والتعامل معهم بالبيع أَو الشراء أَو الاستثمار أَو التمليك للأراضي.

ويقودُنا هذا إلى نقطةٍ أُخرى تكشفُ أن زيارةَ الوفود الإسرائيلية إلى اليمن كانت قد بدأت ترتقي إلى مستوى التوطين، وهو ما تؤكّـد عدةُ صحف تناولت هذا الأمرَ آنذاك، وأوضحت أن بعض الوفود التي كانت وصلت إلى اليمن، قامت بشراء عدد من المنازل في عدن وصعدة.

وحتى العلاقاتُ التجارية بين نظام صالح والكيان الصهيوني، والتي تظهرُ في الوثائق التي كشفتها القوات المسلحة، كانت قد تجاوزت حاجزَ السرية، وتناولتها وسائلُ الإعلام المحلية، حيث نجدُ في الأرشيف الصحفي للعام 2000، عدةَ أخبارٍ عن جهود مبذولة برعاية النظام لـ “إغراق الأسواق اليمنية بالبضائع الإسرائيلية”، بل وضغوط تمارَسُ على بعض التجار الصغار لشراء وتسويق هذه البضائع مقابلَ منحهم تسهيلات معينة.

هذه الإطلالة السريعة والموجزة جِـدًّا على أرشيف بعضِ الصحف المحلية في جزءٍ من العام 2000 فقط، تقدم لنا صورةً واضحة عن حقيقة الوضع الذي كانت قد وصلت إليه العلاقاتُ بين الكيان الصهيوني ونظام “صالح” آنذاك، وهو ما يلتقي بشكلٍ واضح مع سياقِ الحقائقِ التي احتوت عليها الوثائقُ التي كشفتها القواتُ المسلحة، أمس الأول، ويؤكّـد دِقَّــتَها، بل ويؤكّـد على أن تلك الحقائق التي فاجأت الكثير، كانت قد أصبحت أقربَ إلى معلوماتٍ عامة قبل 20 سنة، وأنه لولا الرفضُ الشعبي والجهودُ التي قطعت الطريقَ أمام استمرار تلك العلاقات وأسهمت في فضحِها وتشكيل وعي محصَّن ضدها، وعلى رأسها جهود الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي التي واكبت تلك لفترة، لَكان اليمن ربما قد سبق الأنظمةَ الخليجيةَ إلى إعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني بسنوات.