الخبر وما وراء الخبر

 تدخل اميركي طارىء في الملف الليبي: الأهداف والأبعاد

2

ذمار نيوز || تقارير ||
[8 ذوالقعدة 1441هـ ]

شارل ابي نادر/ العهد الاخباري

كان يبدو خلال مسار الأزمة الليبية الطويلة، أن الأميركيين ابتعدوا عنها، على الأقل بعد مساهمتهم الرئيسة في إبعاد الرئيس السابق معمر القذافي، عبر استصدار قرار من مجلس الامن في 18 مارس من العام 2011 تحت رقم 1973، والذي قضى بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا واتخاذ كافة الاجراءات الضرورية لحماية المدنيين. والعبارة الأخيرة كانت كافية لتنفيذ عمل عسكري غربي أدى الى اسقاط الرئيس القذافي والتسبب بقتله، وخلق أزمة سياسية وعسكرية وامنية واقتصادية، ضربت ليبيا وما زالت.

في الواقع، تبين مؤخرًا أن واشنطن غير بعيدة عن الملف الأكثر حساسية وصخبًا حاليًا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ولو كانت تدخلاتها غير مكشوفة ومغطاة بمواقف من دول أخرى فاعلة في الملف، كتركيا مثلا، وربما ايطاليا ايضًا، المتمايزة عن موقف اغلب دول الاتحاد الاوروبي وروسيا. والمبادرة الاميركية الأخيرة حول الملف، اعادت الى أذهان أغلب المتابعين، أن واشنطن لم ولن تتخلى عن أي ملف يحمل في طياته فوضى وتوترا وانقسامات، والأهم، أن رائحة النفط والغاز في هذا الملف قوية جدًا، ومنتشرة ومتمددة الى أغلب دول شمال افريقيا والى تركيا وسواحل شرق وشمال المتوسط.

المبادرة الأميركية والتي صدرت مؤخرًا عن قائد القوات الاميركية في افريقيا (افريكوم) ونواتها الظاهرة، دعوة الطرفين الاساسيين المتقاتلين في ليبيا، قائد الجيش الوطنى خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج، لمباحثات مباشرة برعاية اميركية، عنوانها التوصل الى تسوية سياسية، والأهم، حل جميع الميليشيات في ليبيا.

بداية، وفي تشريح بسيط لأحد عناوين المبادرة الأميركية، يمكن ملاحظة نقطة مشبوهة وغير واضحة من بند حل الميليشيات، حيث لا يمكن حلّها عمليًا، ويستدعي حكما هذا “الحل”، تسليم أسلحتها، وذلك قبل الانتهاء من الاتفاق السياسي والمفاوضات وتكوين مرجعية سياسية رسمية واحدة تتسلم أسلحة الميليشيات وتدير عملية حلها، وادخالها في الجيش الموحد أو عدم ادخالها.

هذا لناحية الظاهر من المبادرة الأميركية، أما في العمق وحيث أشارت الى ذلك عدة وسائل اعلامية، غربية واقليمية، وخاصة عن أن الاجتماع عُقِد برعاية قائد عسكري اميركي وليس برعاية ديبلوماسي اميركي، فقد تطرق الطرفان الى اشكالية توقّف وحدات حكومة الوفاق على خط سرت – الجفرة، بعد التصريح الحاسم للرئيس المصري باعتباره خطا احمر، وبِأن تجاوزه يهدد الامن القومي المصري وسيستدعي تدخل الوحدات المصرية مباشرة. والحساس في الموضوع ايضًا، والذي كما يبدو استدعى تدخلًا أميركيًا عاجلًا عبر قائد افريكوم، أن الروس اعتبروا تجاوز الخط المذكور ايضًا ممنوعًا، وعمليًا كانوا قد تدخلوا ببعض الاستهدافات بأسلحة نوعية ضد وحدات السراج التي كانت تتقدم بنجاح، الأمر الذي نفوه طبعا، ولكن أغلب المعطيات تفيد بذلك.

خط سرت – الجفرة، يحمل من الأهمية الاستراتيجية الكثير، وتجاوزه يعني وصول وحدات الوفاق، والمدعومة بشراسة من الاتراك ومن مجموعات مسلحة سورية، ارهابية وغيرها، الى تخوم الهلال النفطي الليبي، بين الزويتينة غرب بنغازي وبين السدرة شرق سرت، مرورا براس لانوف وبالبريقة، وبأغلب مصافي النفط الليبية التي تحضن مع الموانىء المذكورة 80 بالمئة من النفط الليبي، الأمر الذي يعطي من يسيطر عليه (الهلال النفطي) امتيازات ومكاسب سياسية ضخمة، مع التسوية السياسية لو سلكت أو من دونها.

من هنا، كان التحرك الاميركي العاجل، والذي كما يبدو، حاول التغطية ومسابقة التحرك الدولي الآخر الذي عمل على تثبيت تقدم الوفاق شرقًا، والمتمثل بالروسي والفرنسي، والمدعوم طبعًا من السعودية ومن الامارات ومن مصر، حيث تشكل هذه الدول الخمس الأخيرة، دعامة اللواء حفتر ورافعته في هذه المواجهة.

هنا، دخل الأميركيون عبر مبادرتهم هذه على خط المواجهة مباشرة، وكالعادة من خلال غطاء من العبارات التقليدية في سياستهم، مثل تسوية سياسية وحل الميليشيات ووقف اطلاق النار، وبهدف مخفي يقوم على السعي مع تركيا لخلق جبهة قوية، تسمح لحكومة الوفاق بتجاوز خط سرت – الجفرة والوصول الى الهلال النفطي، والاّ.. لماذا هذا التحرك المفاجىء اليوم، وغياب اية مبادرة سابقة لهم، عندما كان القتال مستعِراً على مداخل طرابلس وعلى مناطق جنوب وشرق طرابلس، وعلى قاعدة الوطية أو منطقة غريان أو ترهونة وغيرها؟

في الواقع، لا يمكن التصديق أن الأميركيين بعيدون عن دعم الموقف التركي في ليبيا، خاصة أن أنقرة قد تجاوزت الكثير من القرارات الدولية حول حظر السلاح والمسلحين الى ليبيا، أو مثل التدخل العسكري في دولة اخرى وغيرها، كما أن انقرة قد تجاوزت اتفاق برلين الاخير والقاضي بالتزام كل الدول المعنية بملف ليبيا بعدم التدخل في شؤون الاخيرة، وطبعا، تحتاج انقرة لدولة عظمى، تحميها من قرارا ت مجلس الامن، وتمارس الابتزاز ضد كل الدول الاخرى التي تعارضها في ليبيا، وخاصة ان الاستراتيجية التركية في ليبيا، تناقض بشكل كبير الروسية والاوروبية والعربية باغلب دولها الخليجية باستثناء قطر.

من هنا، جاء التدخل العاجل للأميركيين في الملف الليبي، ليعيد تصويب بوصلة الجميع، بأن لواشنطن الكلمة الفصل في الملفات الحساسة، وخاصة في ملف كالملف الليبي، يصيب كما يبدو بشظاياه مروحة واسعة من الدول المشتبكة مع واشنطن في اكثر من ملف.