الخبر وما وراء الخبر

الأستاذ/ فاضل الشرقي في حوار خاص يتحدث عن أبرز جوانب شخصية الشهيد القائد.

13

ذمار نيوز | خاص 25 رجب 1440هـ الموافق 1 إبريل، 2019م

تأتي الذكرى السنوية للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي, سلام الله عليه ورضوانه؛ كمحطة هامة لاستلهام الدروس والمعطيات والمعالم القرآنية  التي أسس مداميك بنائها المتجسدة في مشروع قرآني حيوي نهضوي منقذ ومخلص للناس.

وللتعرف على هذه الشخصية العظيمة, وجوانبها العطرة والمشرقة, وأبعاد ورؤية ودلالة المشروع القرآني؛ تحدث لــ “الشعب ” مسؤول أنصار الله بمحافظة ذمار؛ الأستاذ المجاهد / فاضل محسن الشرقي؛ أحد تلامذة الشهيد القائد الأوائل؛  بالقول:

تعتبر دراسة ومعرفة شخصية السيد حسين بدرالدين الحوثي (رضوان الله عليه) حاجة ضرورية باعتباره المؤسس للمسيرة القرآنية ومن أرسى دعائمها، وباعتباره الملهم لهذه اليقظة والصحوة الإسلامية الكبيرة، إضافة إلى ما تحتويه شخصيته القرآنية من صفات قيادية عليا، ولما تمتع به من مواصفات إيمانية وأخلاقية عالية، ولكي نكون انعكاساً حقيقياً، ونمثل الصورة الناصعة لهذه القيادة، كما أن قراءة ودراسة المشروع القرآني الذي قدمه السيد حسين بدرالدين الحوثي وتسير عليه المسيرة القرآنية اليوم بقيادة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي أصبح حاجة ملحة وواقعاً قائماً وماثلاً بنفسه يحتاج للقراءة والدراسة والبحث من قبل الكتاب والباحثين والمهتمين بموضوع ومراكز الدراسة والبحوث، وهو في الحقيقة مشروع قرآني أي أنه من الله وقد عنونت كل هذه الدروس والمحاضرات باسم (دروس من هدي القرآن الكريم) وتبرز الأهمية والحاجة من عدة جهات.

أولاً: أن الساحة اليوم مليئة بالمشاريع والكتابات والثقافات والرؤى والنظريات التي غالباً ما تكون وجهة نظر وعبارة عن اجتهادات ورؤى ونظريات وأحكام وقوانين وضعية أو مستمدة من نظريات وفلسفات مادية بحتة.

ثانياً: أن شعوب الأمة العربية والإسلامية تعيش حالة فراغ وتخبط خطير يعبر عن فقدان الذات والهوية، وغياب الرؤية والمشروع، وتتجاذبها الثقافات الضالة، والمفاهيم الخاطئة، وتتداعى عليها الأمم الكبرى بنهم وشراسة مما أفقدها توازنها وتماسكها.

ثالثاً: أنه لم يعد هنالك نموذج إسلامي حضاري منافس بالحد الأدنى يقدم ويشكل النموذج والجاذبية خاصة في هذا العصر عصر الحضارة والتفوق والسباق العلمي والحضاري … إضافة لعدة أسباب وعوامل أخرى يفرضها هذا الواقع، ونحن في هذه المادة نحاول تسليط الأضواء على أهم مشروع إسلامي وقرآني حضاري مستقل قوي وجذاب فرض حضوره في الساحة المحلية أولاً والإقليمية والدولية ثانياً؛ وهو يتعرض لضربات شديدة ومستمرة للحيلولة دون نهوضه، بل بهدف طمسه والقضاء عليه، وأوجه الدعوة هنا لكل الكتاب والباحثين داخل المسيرة القرآنية وخارجها إلى العمل الجاد لإبراز معالم وركائز هذا المشروع القرآني الحيوي النهضوي الذي ما من شك أن حياة ومصير الأمة مرتبط به باعتبار أن هدى الله يعتبر مشروعه المقدس والمنقذ والمخلص للناس، وحتى تعم الثقافة القرآنية وتسود على كل الرؤى والنظريات والثقافات.

وحول بداية التعرف على السيّد حسين؛ أوضح الشرقي؛ قائلا:  كانت البداية الأولى لتعرّفي على السّيد حسين وأنا في الثامنة عشرة من عمري عندما ذهبت للهجرة العلميّة وطلب العلم لديه, وكنت أحمل له رسالة خطية من والدي (حفظه الله) بحكم العلاقة الوطيدة بينهما يوصيه فيها بالاهتمام بي..  التقيت به حينها في أواخر العام 1999م صباحاً في أحد محلات المواد الغذائية الصغيرة في سوق الخميس بمنطقة (مرّان) سلمت عليه وعرّفته بنفسي ومنطقتي، وسلمته الرّسالة المظرّفة من والدي ففتحها وقرأها، ثمّ رحّب بي وقال لي سنفتح لك دروساً عند الأساتذة في الكتب الأوليّة للمبتدئين وعدّدها لي, فقلت له قد قرأتها أكثر من مرّة, فقال سنفتح لك دروساً في كتب كذا وكذا وعدّدها في الفقه, واللّغة, والعقيدة فقلت له وهذه قد درستها فابتسم (رضوان الله عليه) وقال إذن تدرس مع الكبار عندنا, وعند الوالد, وعند الأستاذ زيد, والأستاذ عبدالله ففرحت وسررت بذلك كثيراً، وانضممت لزملائي في الدّراسة الأكبر منّي سنّا، وكان يبدأ برنامجنا الدّراسي من الفجر وينتهي في المساء في دروس متفرقة لدى السّيد حسين, وعند السّيدين الجليلين الشّهيدين عبدالله وزيد علي مصلح سند, وعند السّيد بدرالدين الحوثي رحمة الله تغشاهم جميعاً، حيث كانت دروسنا تبدأ من بعد صلاة الفجر لدى الشّهيد السّيد زيد علي مصلح سند (رحمه الله) في كتاب (المجموعة الفاخرة) للإمام الهادي عليه السّلام وكانت لا زالت مخطوطة حتّى السّاعة السابعة صباحاً ثمّ نتناول طعام الإفطار ونتحرّك إلى منزل السّيد حسين الكائن بمنطقة (الخرب) بعزلة (مرّان) وندرس من الثّامنة والنّصف صباحاً حتّى السّاعة العاشرة، كنّا ندرس عنده أنا وزملاء لي من صعدة, وضحيان, وذمار في كتاب (جواهر البلاغة) للهاشمي على سطح منزله, وكان يشبع الدّرس بالأمثلة، ويوصل إلينا المعلومة بكلّ بساطة وسهولة حتّى يتأكد أنّنا قد استوعبنا الدّرس جميعا، وكان متمكّناً جدّاً في البلاغة, ويقدّم بعض الملاحظات والتّصحيحات القيّمة من القرآن الكريم التي كنّا ندوّنها في هوامش وجوانب الكتاب، وغالباً ما كنّا نلتقي به الصباح قبل الذهاب إلى منزله في سوق الخميس (بمرّان) ونتحرّك جميعاً إلى منزله مشياً على الأقدام, ويتحفنا أثناء السير بالحديث المفيد, والقيّم, والشيّق عن مختلف المواضيع السّياسيّة، والثّقافيّة، والاقتصادية، والاجتماعية.

وكان يتحفنا بزيارات ليليّة, وجلسات مسائيّة خاصّة يقوم فيها بزيارتنا إلى مدرسة الإمام الهادي التي كانت مقرّاً وسكناً لنا خلال تلك الفترة, وهي عبارة عن جلسات مفتوحة يخصّص لها يوماً أو يومين في الأسبوع للنّقاش والحوار المفتوح معنا ومع الأساتذة, وكان يتحفنا فيها بدرر نفيسة من كنوز العلم والمعارف لساعات طويلة يناقش فيها مختلف القضايا الفكريّة, والعلميّة, والثّقافيّة, والسّيّاسيّة, والاقتصادية بأسلوب سلس ورائع وجذّاب.

وما أن تحرّك السّيد حسين في المشروع القرآني وكانت دروسه ومحاضراته تنشر عبر أشرطة الكاسيت أوّلاً قبل طباعة (الملازم) حتّى عملت على اقتنائها ومتابعتها أوّلاً بأوّل، وفي أحد الأيام ذهبت إليه وطلبت منه أن يكلّف السّيد زيد علي مصلح بالذهاب معي في زيارة إلى بعض مديريّات محافظة حجة في بلاد )الشّرفين) و)حجور) بحكم معرفتي بتلك البلاد وأهلها حيث كنت قد عملت فيها مرشداً دينيّاً على مدى سنتين في فترات متقطعة، وكان مجلسه مكتظّاً بالنّاس, وهو المجلس القديم الذي كان يسمّى (بالقَرَشْ) فاستحيت أن أكلمه وكتبت له طلبي في ورقة فاطّلع عليها وأجاب خطيّاً بالسّلام والتّرحاب, ووجّه السّيد زيد بذلك, وحمّلنا سلامه وتحيّاته للنّاس، وزوّدنا بعدد كبير من أشرطة (الكاسيت) التي تحتوي على عدد من الدّروس والمحاضرات، وذهبنا حينها في أواخر العام 2002م مع السّيد زيد على مصلح, والأخ ضيف الله سلمان, وعدد آخر من الشّباب لزيارة مديريّات المفتاح وكحلان الشرف وزرنا منطقة (قارية) ومنطقة (أفصر) والتقينا بالقاضي العلاّمة عبدالله محمد النعمي في بلاد الشّرفين في منزله بمديرية كحلان الشرف، وبعدها تحرّكنا لزيارة مديرية (عاهم) ومديرية (وشحة) في بلاد حجور.

وفي أواخر العام 2003م وبداية العام 2004م كنت أذهب كلّ ثلاثاء, وأربعاء, وخميس, وجمعة وألازم مجلس السّيد حسين الذي كان يكتظّ بالنّاس والزّوار يوميّاً من مختلف المناطق من محافظة صعدة ومن بعض المحافظات، وأستمع بكلّ إصغاء للمحاضرات والدّروس, والحوارات, والنّقاشات السّاخنة مع بعض الزوار، والعلماء، وطلبة العلم، والتي كانت تستمر من بعد صلاة العصر إلى ما قبل أذان الفجر في أغلب الأيام، وكان (رضوان الله عليه) يخصّص يوما الخميس والجمعة عصراً ومساءً لمحاضرات ودروس عامّة من القرآن الكريم, وكان قد انتقل إلى المجلس الجديد, وهو المجلس الكبير الملاصق لمنزله الذي يتّسع لعدد كبير من النّاس.

وقال الشرقي: لقد كانت تلك اللحظات والأيام من أفضل وأروع أيام حياتي, حيث كنّا نستمتع فيها مع كلّ الحاضرين بهدى الله, وعظمته, وقيمته، وكان السّيد على خلق عظيم يمتلك أسلوباً جذّاباً ومؤثّراً للغاية فما أن يتكلم حتى يهدأ ويسكن المئات من الحاضرين في مجلسه، وتراهم وكأنّ على رؤوسهم الطير، فكان يحاضر، ويناقش، ويحاور بأسلوب قرآني مؤثّر جدّاً تصل كلّ كلمة من كلماته إلى أعماق النفس، وتؤثر كلماته، ومحاضراته، ودروسه تأثيراً بليغاً في أعماق النفوس, وتحرّك كلّ المشاعر والوجدان، وتلامس خصائص النفس البشريّة، وكنّا نتابع معه وفي مجلسه أهمّ الأخبار والبرامج السّياسيّة وخاصة من قناتي (الجزيرة) و(المنار) ونتابع كلّ ثلاثاء, وأربعاء, برنامج (الاتجاه المعاكس) من قناة الجزيرة وبرنامج (ماذا بعد؟) لعمر ناصر من قناة المنار، وكان السّيد يسجّل هذين البرنامجين ثمّ يتحفنا بتعليقات وايضاحات سياسيّة مهمة جدّاً على البرامج السّياسيّة والأخبار بطريقة تحليليّة واقعيّة مرتبطة بالقرآن الكريم … وللأمانة والحقيقة أنّني لا أستطيع أن أصف متعة، وحلاوة، وطراوة تلك الأيّام والليالي.

شخصيّة السّيد حسين:

ولفت الشرقي إلى أن شخصيّة السّيد حسين شخصيّة قياديّة وتتمتّع (بكاريزيمية) عالية وجذّابة جدّا قل نظيرها على ما أعرف، كما كان يتمتّع بالحكمة والبصيرة، وسعة الصّدر، وعلوّ مكارم الأخلاق، والحيويّة والنّشاط، وكان يمتلك أعلى القدرات في التّبيين والتّوضيح، والطّرح، والتّثقيف، ويتمتّع بأعلى الخبرات السّياسية، والإدارية، والفنيّة، وقد حباه الله بأعظم الصّفات الإيمانيّة، والمميّزات القياديّة التي كانت من أبرز مكوّنات شخصيته، ولعبت دوراً أساسيّاً ومحوريّاً فيها، وقد عُرف السّيد بنفوذه الواسع وتأثيره الكبير على محيطه, ومجتمعه, وزوّاره ومع كلّ من كان يلتقي به ويحضر مجلسه من عامّة النّاس ونخب المجتمع، وعندما تحضر في مجلسه وتستمع لدروسه ومحاضراته القرآنيّة، ومناقشاته وأطروحاته لا تمتلك إلاّ أن تقول ما قاله الجنّ يوماً من الأيام في حضرة جدّه رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) عندما قالوا: (إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرّشد فآمنّا به ولن نّشرك بربّنا أحدا) وهذا والله ما لمسته وعايشته بنفسي.

وتابع الشرقي: وفي تلك الفترة أثيرت حملة دعائيّة وتضليليّة شرسة ضدّ السّيد حسين, وضدّ المشروع القرآني, وكان السّيد العلاّمة بدرالدين بن أميرالدين الحوثي (رحمه الله) والسّيد العلاّمة أحمد بن صلاح الهادي في طليعة العلماء الأجلاء الذين تصدّوا لهذه الهجمة الشّرسة وبيّنوا بطلانها, وكانت ترد الأسئلة على السّيّد بدرالدين الحوثي فيجيب عليها بما يزيل كلّ هذه التّهم والدّعايات المضللّة, وأجاب بأنّ السّيّد حسين من أفاضل وأجلاء علماء الزّيديّة والإسلام, وكان يعتبره من أعلم النّاس في هذا العصر بمكر ودسائس اليهود كما ورد في رسالته الموجّهة عبر ما سمّي بلجنة الوساطة في الحرب الأولى إلى السّيّد حسين, وفي الحقيقة لقد كان السّيد حسين سرّا من أسرار الله ربّ العالمين اختصّ الله به هذه الأمّة وأنعم به عليها.

وأردف الشرقي بالقول: لقد حظيت أطروحاته ودروسه ومحاضراته بسرعة الانتشار والتداول، وكانت حديث السّاعة والنّاس في المجالس والمدارس وفي كلّ مكان، وفي ظلّ وسط ثقافيّ تكدّست فيه الثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة, إلاّ أنّ الثقافة القرآنيّة قد استطاعت أن تشقّ طريقها بنجاح، وتأسر القلوب والألباب، وكان المجتمع بكلّه يعيش حالة التفاعل والذّوبان مع هذه الدّروس والمحاضرات، والأحداث والقضايا.

وتابع الشرقي: لقد حمل السّيد حسين همّ الأمّة بكلّها، وحمل قضيّة الأمّة وشعوبها على عاتقه، وتحرّك لرفع الظلم عن كاهلها، وتخليصها من هذه الحالة، وهذا ما تنضح به الدّروس والمحاضرات، وكان السّيد يعيش قضايا الأمّة والشّعوب المستضعفة في العراق، وفلسطين, ولبنان, وأفغانستان, ويهتمّ اهتماماً عالياً بقضاياها ومشاكلها، ويتابع الأخبار أوّلاً بأوّل على المستوى السّياسي، والإعلامي، والثّقافي, والاقتصادي, والأمني، والعسكري، وكنت أرى عنده كمّاً من الصحف والمجلاّت بما فيها الصحف الصادرة باللغة الإنجليزية.

وأصاف: لقد لعب السّيد دوراً تمهيديّا قبل انطلاقة المشروع على المستويات السّياسية، والفكريّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة في محيطه ومجتمعه من خلال آراءه، ونظرته الثاقبة، ونشاطه الاجتماعي، والثقافي، والسّياسي، والخدمي، والتنموي، وكان محطّ احترام وتقدير الجميع، وكانت كلّ القلوب تكنّ له خالص المودّة، والاحترام، والتقدير إلى درجة الذوبان.

لقد كان من أبرز ما تميّز به السّيد حسين هو القدرة الفائقة على التّقييم والتّحليل، تقييم وتحليل الأحداث والمستجدات، والتقييم والتحليل الدّقيق والموضوعي للتراث الفكريّ والثقافي، مع تقديم كافة الحلول والمعالجات برؤية قرآنيّة، ومعايير إلهيّة ممّا أعاد الاعتبار للإسلام بمنهجه العظيم وقيادته الربانيّة، وقد احتوت الدّروس والمحاضرات على رؤية تقييمية وتحليليّة شاملة كما وضحناه في بحث ودراسة خاصة عن المشروع القرآني.

ويؤكد الشرقي على أن  شخصيّة السيد القائد الفذّة والفريدة مصبوغة بصبغة إلهيّة من الهيبة، والجلال، والكبرياء، والبهاء الإلهي مقترنة بالحلم، والتواضع، وعلوّ مكارم الأخلاق بشكل منقطع النظير، فكان الكلّ يتقاطرون إلى مجلسه, ويتوافدون من كلّ مكان بكلّ لهف وشوق لرؤيته وسماع دروسه ومحاضراته, وكان يحضر في مجلسه الكبار، والصّغار فكان يهتمّ بالجميع، ولقد كنّا في مجلسه ذات يوم وهو مكتظّ بالنّاس إلى الدرجة التي لا ترى أين تضع فيها قدمك، فدخل ولد صغير فأفسح له السّيد ليجلس بجانبه، ودعاه للجلوس بجواره، فاستحى وأحرج ذلك الولد بشكل كبير.

وكان السّيد معروفاً ومشهوراً بكرم الضّيافة, وحسن الاستقبال للضّيوف والزّوار الوافدين فيحسن ضيافتهم قولاً وعملاً, وكان معه بجوار منزله مبناً هو عبارة عن عدد من الغرف والمرافق أشبه ما يكون (بالمطعم الشّعبي) يخصّص لإطعام الضّيوف والزّوار القادمين, ويقوم بخدمتهم وتقديم وجبات الطّعام لهم على مدار ال24 ساعة, حيث كان الزّوّار يتوافدون عليه في كلّ الأوقات في الصّباح, والظّهر, والعصر, والليل بشكل مستمر, وكان يهتمّ بمساعدة الفقراء, والمساكين, والمحتاجين, ويسعى بنفسه في قضاء حوائجهم.

كما عُرف السّيد بقوّة الشّخصيّة, والقدرة على اتخاذ القرارات الحكيمة في أحلك الظّروف وأصعب المواقف, في الحرب والسّلم دون أن تلحظ أيّ تغيّر أو تأثّر على التّوجيهات والقرارات, فكلّها مصبوغة بالحكمة, والبصيرة النافذة, كما عُرف السّيد بالشّجاعة والإقدام فكان رجلاً شجاعاً ومقداماً لا تأخذه في الله لومة لائم, ولا تهزّه التّهديدات, ولا تضعفه الضّغوطات, فكانت كلمته, ومواقفه, وصرخته قويّة بقوّة الحقّ والمنهج الذي يحمله, وقد شهد له الواقع بذلك, وشهد له الخصوم والأعداء, فبرغم كلّ ما كان يصل إليه من رسائل التّهديد والوعيد إلاّ أنّه لم يضعف, ولم يتراجع, ولم يتنازل, وكيف لا يكون كذلك وهو من واجه عدوان السّلطة وبغيها في العام 2004م وهو لا يمتلك أيّ مقوّمات ماديّة وعسكريّة, وكان يواجه ويقاتل بنفسه قتال الأبطال, فقد حكى لي أحد الزملاء ممّن كانوا معه في الأيّام الأخيرة وهو محاصر في (جرف سلمان) وقد أنكأت الجراح وأنهكت من تبقى معه أنّه كان بمفرده يشنّ هجمات شديدة على القوّة العسكريّة المحاصرة للجرف حتّى يجليهم عنه, وكيف لا يكون كذلك وهو من أحيا فريضة الجهاد والشّهادة في سبيل الله والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر, وقدّم نفسه, وبذل روحه ودمه شهيداً في سبيل الله سبحانه وتعالى فكان سيّد وقائد شهداء المسيرة القرآنية المباركة, وهو من ربّى الرّجال المقاتلين المجاهدين الأبطال الذين خاضوا وواجهوا العدوان طيلة الفترات السّابقة ولا زالوا, وما صبرنا اليوم, وثباتنا في مواجهة العدوان السّعودي الأمريكي على بلدنا وشعبنا للعام الثّالث بعتاده العسكريّ الفتّاك والحديث إلاّ ثمرة لتربيته, وصبره, وجهاده, وما هو إلاّ حسنة من حسناته.

عظمة المشروع:

وبينّ الشرقي أن عظمة المشروع القرآنيّ تجلت في عالميّته، وصفاءه، ونقاءه، وتجاوزه لكلّ الأطر والقوالب المناطقيّة، والطائفيّة، والمذهبيّة، والحزبيّة، فهو لا يحمل أيّ نفس من هذه العناوين، بل نفسه وطريقته هي الطريقة القرآنيّة الواسعة والشّاملة، ويعتبر المشروع القرآنيّ واسع الأفق وعالميّ النظرة بسعة ملك الله، وهداه، وتدبيره، وعندما نتحدّث عن هذا المشروع الثقافي فإنّه لا يقتصر على الجانب الثقافي فقط، بل هو مشروع شامل، فهو يعني المشروع الثقافي الشّامل، أي أنّ رؤيته وخلفيته الثقافيّة هي تعتبر الشي الأساسي فيه، فهو يحمل رؤية ثقافيّة، وتربويّة، وسياسيّة، واعلاميّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وأمنيّة، وعسكريّة…..الخ بخلفيّة ومنطلقات الرّؤية, والثقافة, والمنهجيّة القرآنيّة.

وتميّز المشروع القرآنيّ بقدرته على مواجهة الهجمة الثقافيّة, والإعلاميّة, والسّياسيّة المضلّلة التي سُخر لها ملايين الدّولارات بهدف تشويهه، ولقد لعب المشروع القرآنيّ دوراً محوريّاً في مواجهة الحرب النّاعمة والتّصدي لها، وخاض معركة المصطلحات وحقّق فيها الانتصار السّاحق؛ كما تميّز بالصّمود والثّبات في مواجهة الهجمة الشّرسة الأمنيّة والعسكريّة رغم حداثته وانعدام امكانياته، وخاض المشروع القرآنيّ معركة الصّراع العسكريّ والأمنيّ المنظّم، والمموّل محليّاً، واقليميّاً، ودوليّاً، ولا زال بكلّ قوّة وجدارة، وحقّق أيضاً الانتصارات الأسطوريّة، كلّ ذلك لأنّه يتميّز بارتباطه المباشر بالله سبحانه وتعالى، وثقته به، وتوكّله عليه، وتميّز بصناعة الرّجال العظماء الأبطال الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يخشون أحداً إلاّ الله وكفى بالله حسيبا.

ومع هذه القدرة على خوض معترك الصّراع العسكريّ، وتحقيق الانتصارات ومواكبة كلّ الأحداث والمتغيّرات المحليّة، والإقليميّة، والدّوليّة، كان لديه نفس القوّة والقدرة على خوض معترك الأحداث والتفاعلات السّياسيّة برؤية ثاقبة وبصيرة عالية رغم حداثة التجربة.

وتميّز بالمرونة والقدرة على التّأثير في البيئة والمحيط، وحسن الإدارة والتّنظيم للشأن الداخلي, والتنظيمي, والمجتمعي بشكل نموذجي، كما أنّه يمتلك الرّؤية الصحيحة لبناء الدّولة، وتحقيق العدالة في ظلّ تعقيدات الوضع، وطفرة التسلط والهيمنة.

نقول هذا الكلام ليعرف الجميع أنّ هذا المشروع لم يقدّم لنا غظّاً طريّاً إلاّ بهذه التّضحيات, وبهذه المواقف, فهو مشروع خرج من واقع المعاناة, والألم, والدّم, والعذاب, يتطلّب منّا جميعاً المحافظة عليه, وصونه بدمائنا, وأرواحنا, وقبل ذلك حسن تفهمه واستيعابه, وحسن تقديمه للنّاس بجماله, وروعته, وجاذبيّته.

انطلاقة المشروع:

وأشار الشرقي: إلى أن انطلق المشروع القرآني من الصفر وهو لا يمتلك أيّ مقوّمات ماديّة، وإنّما بتمويل ذاتي بحت ومحدود، فكان المصدر الوحيد لتمويل المشروع ونهضته هو الإسهامات والمشاركات المجتمعيّة المحدودة التي كان يبذلها ويقدّمها السابقون من حملة هذا المشروع والمؤمنون به فكانت تؤسّس الجمعيّات الإجتماعيّة، وتجمع المساهمات الشّهريّة واليوميّة من (عشرة ريال ومائة ريال) وأقلّ وأكثر, وتصرف على نسخ وطباعة الأشرطة, والملازم, والشّعارات, ونشرها وتعميمها مجاناً على أوسع نطاق، بحماس، وتفاعل، وتفاني منقطع النّظير، فكانت الملازم, وشعارات الصّرخة والمقاطعة تنشر وتوزع في كلّ مكان وعلى كلّ النّاس,  أمّا على صعيد ومستوى الإعداد العسكري فكان كلّ فرد يقوم بتسليح نفسه وشراء السّلاح الشّخصي والذّخيرة بالقدر المستطاع والممكن, إيماناً بضرورة إعداد العدّة المستطاعة من منطلق الإستجابة لتوجيهات الله سبحانه وتعالى، وكان السّيد يحثّ على اعداد العدّة بالقدر المستطاع، ويحثّ على نشر الدّروس والمحاضرات, والشّعار، وتوزيع الأشرطة بالجهود الذاتية، وكانت هذه الدعوات تحظى بسرعة الإستجابة والقبول، وبالرّغم من ضعف وضآلة القدرات والإمكانات المادّيّة، إلاّ أنّ هذا المشروع وأنصاره يمتلكون أقوى وأعظم الإمكانات، والمقوّمات، والطاقات المعنويّة والإيمانيّة التي أهلتهم لخوض معترك التّحدّيات بقوّة, وعزيمة, وإرادة منقطعة النّظير، وكان السّيد يحثّ على أهميّة استشعار نعمة وعظمة الهدى، ويدرك أهميّة هذا العمل القرآني, وتفرّده, وتميّزه على مستوى السّاحة بكلّها, ففي الدّرس العاشر من دروس معرفة الله يقول السّيد:

(فالذي ينبغي علينا هو أن نهتم بهذا الجانب، أن ننشر … فكلنا في هذا [المجلس]، نحن نبحث عن الهدى أليس كذلك؟ ونحن نتعرف على المضلين، ونتعرف على من أضلانا هنا في الدنيا أليس كذلك؟

إذًا من واجبنا وفضيلة عظيمة لنا أن نكون سبّاقين إلى أن نعمل أيضاً في إيصال ما عرفناه من الهدى، إيصال ما فيه إنقاذ الآخرين من الضلال، أن نعمل بجد على إيصاله إليهم، نجمع كم ما أمكن من الأشخاص الذين يهتمون بالنشر نشر الأشرطة [الفيديو] أو[الكاسيت] تنشر.

وأعتقد باعتبار أنها طائفة واحدة [زيدية] يتقبلون من بعضهم بعض فيكون لكل واحد منا فضيلة أن يهدي الله على يديه ولو شخصًا واحدًا من الناس، هذه فضيلة عظيمة، ويكون الناس هنا في هذه المنطقة هم السبّاقون في مجال توعية الآخرين، وهدايتهم وإنقاذهم من الضلال.

ولأننا نجد فعلًا وليس ادعاء شيء لأنفسنا لا نجد في الساحة عملًا بالشكل المطلوب لإنقاذ الناس من الضلال، هل تسمعون من التلفزيون شيئًا؟ أو تسمعون من الإذاعات شيئًا، أو حركة أخرى؟

هناك حركات أخرى إما حركة علمية منزوية على نفسها داخل مركز، أو مسجد فقط، أو حركة علمية تعمل في جانب وتخرب في جانب آخر، ممن ينطلقون لتحذير الناس من الشباب المؤمن والكلام فيهم وفي العلماء الذين ينتمون إليهم، وهذا نفسه جزء من الإضلال)

لقد تميّزت انطلاقة المشروع القرآني بالتجرّد عن كلّ الأطماع المادّيّة والسّلطويّة، وكانت انطلاقة خالصة لوجه الله لا يشوبها أيّ شائبة، وكان السّيد على قناعة تامّة، وثقة مطلقة بأحقيّة وعدالة وأهميّة المشروع القرآني، ويطمئن النّاس بشكل مستمر إلى أنّ عملهم هو العمل الصحيح الذي تتطلبه المرحلة، وتفتضيه المصلحة العامّة للشّعوب والحكّام، مهما كان مستوى الضجيج، وحجم الحملات المضادة، وكان السّيد على معرفة وادراك بأنّ النّاس قد تأهلوا من قبل الله وحضوا بتوفيقه لأن يكون لهم عملاً في سبيل الله، ونصر دينه، وهداية عباده فيقول:

(نحن بحمد الله ـ ربما ـ قد تأهلنا إلى أن يكون لنا عمل يكون له أثره في مجال هداية الناس، وإنقاذ الناس، ولن ننطلق في حديثنا إلى التحامل على أحد من الآخرين من أبناء هذه الطائفة لا عالم ولا متعلم ولا مدرسة، ولا شيء.

همنا هو: أن نعمل في إصلاح الناس، ولا نبالي إذا كان هناك من يعارض؛ لأننا كما عودنا أنفسنا على ألا نبالي بمن يعارضنا، فكم قد حصل في الماضي وإلى الآن معارضة طويلة ومستمرة لم نكن نكترث بها. .هذا شيء طبيعي قد يحصل لأي إنسان ينطلق في عمل أن يلقى من يعارضه سواء وأنت في طريق الحق أو في طريق الباطل ستلقى من يعارضك، تلقى من يشاققك، تلقى من يتكلم عليك، تلقى من يشوه عملك، من يعمل على الحط من مقدار عملك، بل قد تلقى من يكفرك أو يفسقك، أو.. كم من العبارات تنطلق!

لنصل إلى اهتمام يكون أكثر من اهتمام الكافرين بالنسبة للمضلين، أليس هؤلاء الكافرون حكى الله عنهم بأنهم أصبح لديهم اهتمام بأن يجعلوا المضلين تحت أقدامهم؟

فنحن من يجب أن نسعى إلى أن نجعل المضلين تحت أقدامنا، وإن لم يكن بمعنى الكلمة حقيقة؛ فليكونوا منبوذين هم وضلالهم، وكل ما يأتي من لديهم لا قيمة له عندنا، أي ولو مجازًا تحت أقدامنا أي: لا قيمة له ولا اعتبار له، ولا نتأثر به ولا نلتفت إليه، ولا نتركه أيضاً يؤثر في الآخرين، وأن يكون كل شخص منا إذا ما سمع من آخر تنبيها له على أن يبتعد عن فئة ضالة فيقال له: هذه الفئة ستضلك، أو شخص سيضلك أن يهتم بالمسألة.

ولاحظ هنا هم كيف حكى الله عنهم أن اهتمامهم وصل إلى درجة أنهم يريدون أن يعرفوا حتى من أضلهم من الجن وليس من الإنس﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: من الآية29 ]).

وكان السّيد يشحذ الهمم, ويقوي العزائم، ويحثّ النّاس على ضرورة التفاني والمثابرة في حمل هدى الله، ونشره بين عباده، وإدراك أهميته، وقيمته، ونعمته، ويدعوا إلى ضرورة الإهتمام بالنّاس، وتقديم هدى الله إليهم فيقول:

(وإذا كنت ترى نفسك في نعمة أنك تسير على طريق هداية، أنك تتعرف على المضلين، وتعرف إضلالهم، وترى نفسك بأنك بحمد الله أصبحت في طريق الابتعاد عنهم، فإن من واجبك أن تهتم بالآخرين، وهذه هي روحية الأنبياء، وروحية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان حريصًا على هداية الآخرين، حريصاً جدًا ومهتمّاً جدّاً.

يجب أن نتأسى به، وأن نقتبس من روحيته هذه الروحية العالية، أن يكون لديك اهتمام بالآخرين، الآخرون هم مثلنا قد يكون الضلال انطلى عليهم؛ لأنهم لم يعرفوا، ولم يأت أحد يعرفهم، ولم يأت أحد يبين لهم).