الخبر وما وراء الخبر

شهارة..للتأريخ فيلق ومنارة.

27

ذمار نيوز | إستطلاع: أحمد عبدالحميد الحاكم 13 جماد أول 1440هـ الموافق 19 يناير، 2019م

عدسة: أحمد صالح مرشد  إعداد: فؤاد الجنيد

هي للتأريخ فيلق ومنارة، وللزمان أسطورة ركعت لهيبتها كل حضارة، قطعة من فراديس النور تومض عصمة وطهارة، وعلى جنباتها معالم من قضاض وطين وحجارة، ومآثر أولي قوة وحكمة ومهارة، تسحرك في نواصيها نقوش التشييد وفنون العمارة، وفي احشائها كنوز ونفائس بين صدفة ومحارة، مناهل علمها عذبة تصب بغزارة، وأعلامها خالدون متكئون على أرائك الصدارة، إنها مدينة شهارة، من اعتلت على عروش التتويج باستحقاق وجدارة، وحولها كفوف الحواس تصفق بحرارة، هي قبلة الزاهدين ووجهها تورد ونضارة، وأحضانها مناسك تودد وتبتل وإثارة، وفي محياها بسمة وأمنية وبشارة، فكيف لا تستهوي قلوبنا ونكرمها بهذه الزيارة، رحلة للروح اختزلنا تفاصيلها في توصيف حرف وعبارة، وتوثيق صورة حية تغني الحليم عن الإشارة.

تعاريج البداية

التقيا عقربا الساعة متعانقين في المحطة العاشرة من صبيحة الأربعاء لتسع عشرة يوما خلت من شهر ربيع الثاني من السنة الهجرية الأربعون بعد الاربعمائة والألف، يممنا قبلتنا هناك، وإلى هناك يسبقنا شوقنا عبر خط صنعاء صعدة الأسفلتي، لنجد انفسنا في مدينة “حوث” بعد ساعتين من محراب الإنطلاق، هنالك زودنا الجسد بسعرات من وجبة الغداء، وقبلها تزودت ارواحنا بوصال المعبود في شعيرة صلاة الظهر بإحدى مساجد المدينة، وكان لسيارتنا نصيب من زاد هذا الوقت المستقطع، حيث اروت ضمأها من محطات الوقود ما يكفيها لتطير بنا إلى وجهتنا وبغيتنا “مدينة شهارة”، لننهل من طقوس الزيارة ما يحيي الوجدان، ونرتشف من رضاب روحانية وعظمة التأريخ ما يعزز الرضا واليقين ونحن في حضرة الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، وولده المؤيد بالله محمد بن القاسم، وحواليهم كوكبة من العلماء الأخيار، ولن يكون جسر وصلنا بهم سوى جسر شهارة المتدلي في أرجوحة السماء بين خصري جبلين شامخين كشموخ المدينة وكبريائها.

هندسة السفر

تحركنا من “دائرة” حوث في “مستطيل” رحب عبر “مثلث” عاهم، وشقت رحلتنا عباب “مربع” الترويح في “مكعبات” من مشاهد الجمال الرباني، قضينا معها وقت مسروق في فسحة هندسية بديعة لم نشعر معها بأجواء السفر، قبل أن يستقبلنا وادي العشة لينعش أرواحنا من جديد ويأخذنا إلى عالم يحكم السحر قبضته على مقاليده، انعطفت بنا الرحلة شمالا من مفرق مديرية شهارة، ثم الجميمة فالجهرع، وبعدها تنفسنا أفياء “القابعي” التي تفترش الطبيعة في أسفل وادي شهارة.

طواف القدوم

توسدت أقدامنا الثرى أسفل الوادي، وشخصت أبصارنا الثريا في قمة الجبل، وبين القمة والسفح مناسك من المتعة والجمال، تؤدي شعائرها الألباب، وتخفق لقدسيتها القلوب، توضأنا بمدد البصيرة ومضينا نطوف طواف القدوم هوينا وهرولة، مررنا بسفح الجبل عبر الخط الأسفلتي الذي يطوق الجبل كأفعى تحكم طوقها على فريستها، ومتعنا مقلنا بتلك القرى المتناثرة التي تأخذ أماكنها يمنة ويسرة ككومات حبوب رمان بعثرها طفل بريء وهو يحاول الإجهاز على فاكهته بأسنانه اللبنية، والبيوت مغروسة في لثة الجبال كأنياب ذئب فغر فاه في ساعات الليل الأخيرة، إنها هبة الرحمن لبعض من خلقه، قابلوا العطاء بالعطاء فعمروا أرضه وزادوها دهشة وإعجازا، فكانوا نعم الخلفاء في سندس الإستخلاف.

قمة تعانق السحاب

الثالثة والنصف عصرا ثقبنا رئة الريح في قمة جبل شهارة لنتنفس عبق عطره، كان المشهد خياليا للغاية، وكانت طقوس الرحلة مشتعلة بمشاعر الجلال ونحن نتوسط شهارة الأمير وشهارة الفيش، وقفت الشهارتين وكانتا تجلسان القرفصاء، أندهشنا بهما ونحن نراهما يحتضنان بعضهما في وصل العشاق عبر بريد جريء، وجسر وصال عالق بين قفصيهما الصدري، إنه “جسر شهارة” الذي ربط القلوب ووطد الروابط، وأذاب جليد قطيعة الجغرافيا بدفء النسيج الإجتماعي وحرارة النخوة والأخلاق اللتان تتسيدان كل العادات والتقاليد الشهارية. عندها كان للشعر قريحته، ولسيمفونية الزامل الشعبي تماوجها، فوجدنا أنفسنا نصدح بصوت عال من مآذن السماء عبر أثير الريح، بلحن معجون بالنشوة والحماس ونوتات الإندهاش:
يالقاسم بن محمد المختار والمنصور
جيناك لأسباب الزيارة
أنت العلم فيك الهدى والمنزلة والنور
وتحققت فيك البشارة

جسر شهارة التأريخي

يعتبر جسر شهارة لوحة فنية رائعة في الإبداع والتصميم، فهو يربط بين شهارة الأمير وشهارة الفيش، بعد أن انفصلا بهوة طبيعية سحيقة، ولهذا أطلق على شهارة الجبل المشطور، وكانت الطريق بينهما تتطلب الكثير من الوقت والجهد؛ إذ يلجأ المواطنون إلى النزول إلى أسفل الأخدود الفاصل بين الجبلين، ثم الصعود إلى الجبل الآخر, مما جعل نقل البضائع والمواشي بين الشهارتين صعبة للغاية؛ لصعوبة الطريق الفاصل بينهما. وظل تسهيل طرق التواصل بين أبناء الشهارتين هاجساً شاغلاً لأذهان الأئمة الذين حكموا تلك المناطق، ونجد في كتب التأريخ كيف أن ذلك الهاجس كان يؤرق الأمير ذي الشرفين وابنه عمدة الإسلام, وازداد ذلك الهاجس في عصر الإمام القاسم عليه السلام وولده الإمام المؤيد بالله، فقد ذكرت كتب السير دور كل منهم في شق وتعبيد الطريق بين الشهارتين وتسهيلها، حتى أن الإمام المؤيد عليه السلام كان في آخر أيامه يخرج ويبيت في كهف خارج مدينة شهارة؛ لينظر عمارة الحصن وتسهيل المدرج، ومن هنا جاءت الحاجة إلى تشييد هذا الجسر التاريخي الذي يعد تحفة فنية ومعمارية نادرة.

تاريخ بناء الجسر

بني جسر شهارة في عام 1323هـ/1905م، في عهد الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين، وتعتبر الهندسة المعمارية للجسر واحدة من أهم سماته، فقد أقيم على أخدود شديد الانحدار يفصل بين جبلي شهارة الفيش وشهارة الأمير، ويبلغ ارتفاعه من أسفله إلى أعلى قمة الجبل حوالي 200م، وأقيم هذا الجسر على ارتفاع 50م من أسفل الأخدود، في منطقة تبلغ مسافتها 20م، ونتيجة للارتفاع البالغ 50م من قاع الأخدود، فقد بنيت في الأسفل عدة جسور ونوب ـ أبراج ـ تم الاعتماد عليها في إقامة هذا الجسر؛ إذ كانت تستخدم لنقل الأحجار ومواد البناء إلى أعلى المنطقة التي اختيرت لإقامة الجسر والتي مُهدت قبل البدء بالبناء عليها؛ لأن صخورهـا ملساء، بعد ذلك أقيم جسما الجسر على الجبل الشرقي وعلى الجبل الغربي، فبلغ ارتفاع كل منهما 10م، وبالاستناد على ذلكما الجسمين تم عمل عقد الجسر الذي ربط بين الجسمين؛ ليصل بعدها طول الطريق بين الجبلين إلى 20م، وعرضها 3م، ولا زالت آثار الجسور التحتية التي استخدمت لنقل مواد البناء إلى الأعلى قائمة، أما النوب فقد تهدمت.
وأقيمت على جسم الجبل الغربي طريق حجرية مرصوفة تبدأ من بداية الجسر إلى الأعلى؛ ونتيجة للانحدار الشديد للصخور، فقد اضطر المعماريون إلى بناء عقود؛ لتقوم عليها عمارة الطريق المرصوفة، وتعتبر الطريق المرصوفة والجسر تحفة معمارية رائعة وعملاً هندسياً عظيماً، إلى جانب أهميته في تسهيل حركة التنقل بين الجبلين.

أجواء الرحلة مجددا

بعد محطة قصيرة مفعمة بالسعادة وبهاء المشهد، شدينا الرحال صوب مدينة شهارة التأريخية، كانت مدينة تسرق منا الأنفاس وحتى النبض، وفيها من روحانية الزمان والمكان ما يبعث على الطمأنينة والسكينة، لا زالت آثارها الدينية والتأريخية قائمة حتى اللحظة، وفي كل تفاصيلها نرى الإمامين ذو الشرفين وولده المنصور بالله حاضرين بيننا جسدا وروحا. طفنا حول المدينة مشدوهين بفصاحة مبانيها، ولاحظنا في الصفة العمرانية لهذه المدينة أن عمارتها فوق سراديب وأخاديد وتجويفات تم طمرها تدريجياً، فغدت من الأشياء العجيبة والنادرة، ومن قراءتنا للتاريخ وحديثنا مع الأهالي وجدنا أن مكانة “شهارة” التاريخية قد انعكست على نشاطها المعماري، فشهدت نهضة معمارية وحضارية ظلت شاهدةً على عراقتها، سواء في عهد الأمير ذي الشرفين وأولاده، أو في عهد الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد وأولاده، وشاهدنا ذلك جليا في أهم معالمها المعمارية: سور المدينة – الأبواب العسكرية المحكمة ـ ونوب المراقبة – المساجد – الحارات بما تحوي من التنسيق العمراني – الجامع الكبير ومرافقه – القباب البيضاء – القصور الكبيرة والعمارات الشاهقة ومخازنها المحكمة – السدود والبرك الكبيرة، وما شدنا ولفت انظارنا إليها هو أماكن بنائها والتخطيط الإبداعي فيها وكيفية وصول الماء إليها – الأضرحة والمشاهد – الجسر الحجري – والمقابر الواسعة – والمدرجات والطرق المتقنة.

تحصينات شهارة

تميزت مدينة شهارة بتحصيناتها الطبيعية، فهي عبارة عن مدينة تقع على جبل شاهق شديد الانحدار، مما أهَّلها لأن تكون مكاناً استراتيجياً في مواجهة الأعداء، وقد استفاد الأئمة عليهم السلام من هذا التحصين في مواجهة الغزو العثماني، ومن ذلك لجوء الإمام القاسم عليه السلام إليها، وكذا الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين سلام الله عليه. فقد جعل للمدينة ثمانية أبواب محكمة، وعدد من النوب المرفقة بها، بالإضافة إلى أماكن حراسة ونحو ذلك، ولا يمكن لأحد أن يدخلها من غير تلك الأبواب؛ إذ من المستحيل على أي أحد ولو كان خبيراً في التسلق أن يجد مدخلاً غيرها.
وقد صُممت الأبواب في أماكن ضيقة ومرتفعة ومناسبة، مما سهل لمن في المدينة التحكم بها والسيطرة عليها.

الطرق والمداخل

من جملة الاهتمامات الكبيرة بالمدينة تمهيد طرقها وتسهيلها؛ لوصول الجمال والجماعات والناس إليها ونحو ذلك، فقد عبدت الطرق إلى المدينة وداخلها, وحددت حسب الحاجة والأهمية. فهناك طريقان يصلان بك إلى شهارة، قام ببنائهما الأمير ذو الشرفين في منتصف القرن الخامس الهجري, أحدهما من جهة الغرب والآخر من جهة الجنوب. ثم أنشأ الإمام القاسم بن محمد عليه السلام طريقاً آخر يصل بشهارة الفيش, وقام أيضاً برص عدد من الطرق، وأقام عدداً من الأبواب للمدينة, وقد استكمل بناءها ولده الإمام المؤيد بالله بعد وفاة والده, وبذلك تكونت شبكة طرق محكمة بين الجبال، لكل طريق باب ولكل باب اسم, وهي كالتالي: باب الفتوح وسمي مؤخراً بباب النحر: ويقع في الجهة الجنوبية للمدينة, وإليه تنفذ الطريق التي أنشأها الأمير ذو الشرفين في الجهة الجنوبية بعد منتصف القرن الخامس. وباب النصر: ويقع في الجهة الغربية للمدينة, وهو منفذ الطريق الجنوبية التي بناها الأمير ذو الشرفين, وجددها الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد, وهذا الباب قد هدم بسبب أن طريق السيارات مر منه. وباب شهارة الفيش: يقع في الجهة الشرقية للمدينة, ويربط بين شهارة الفيش وشهارة الأمير، وهو طريق مرصوف بالحجارة. وباب الصلال: ويسمى باب السرو, ويقع في الجهة الجنوبية الشرقية. بالإضافة إلى ذلك: باب السويد, وباب الجسر, وباب الحرم وباب بيت لقمان.

من هو الإمام القاسم بن محمد

الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد الحسني الهادوي اليمني: من أئمة الآل، وهو مجدد الألف، وكان إماماً تكاملت فيه أوصاف الزعامة الروحية والدينية. ولد في صاية شريف شمال مدينة الشاهل من بلاد الشرف في شهر صفر وقيل رمضان ونشأ معروفاً بالطهارة وقوة القلب، وقرأ العلم من صغره. واتصل بالإمام الحسن بن علي بن داود (986-993) وظل ملازماً له حتى نفي الأخير إلى الأستانة، فانتقل إلى جهات الشرف فسكن فيها متنقلاً لطلب المعارف والعلوم إلى أن ظهر صيته وخاف الأتراك جانبه وأرادوا القبض عليه، فاختفى عن أنظارهم مع جدهم في التجسس عليه وتتبع أثره لمدة بضع سنين عاكفاً على درس كتب العلم، وألف خلال ذلك كتاب الأساس والتحذير والجواب المختار، وتنقل متخفياً يطوف أقاليم مناطق اليمن الشمالية وقبائلها، يبحث له عن النصير والمعاون فيما يعتزمه من محاربة الأتراك حتى كان ظهوره ودعوته إلى الإمامة في جبل قارة من بلاد حجور في شهر صفر سنة 1006هـ فوجدت دعوته استجابة كثير من اليمنيين لتذمرهم من ولاة الأتراك وسوء إدارتهم للبلاد ومنذ ذلك التاريخ بدأت الحروب بينه وبين الوالي حسن باشا (متولي الأتراك) ثم مع خلفه سنان باشا ثم جعفر باشا، وعقد مع الأخير صلحاً سنة 1016هـ لمدة عشر سنين اعترف فيه له بالسيطرة على بعض أقاليم الشمال كشهارة والأهنوم وعذر ووادعة والحيمة، وفك أسر ولده محمد ومن معه من العلماء في كوكبان، فهدأت الأحوال في مدينة شهارة واستقر حكمه وتفرغ للتدريس والإرشاد وتقرير أمر الولايات إلى انتقاض الصلح بعزل جعفر باشا سنة 1022هـ، فاكتسحت سيطرته أكثر مناطق الشمال وانضاف إلى ما تقدم حجة وعفار والظاهر وعيال يزيد ولم يبق مع الأتراك إلا بعض المراكز في خمر وكوكبان، فأرادت السلطنة العثمانية تعزيز موقف جنودها باليمن، فعينت محمد باشا وكان يقال عنه أنه أدرى الناس بأحوال أهل اليمن لأنه كان كاتب الديوان المصري فوصل سنة 1025هـ وفتح حروباً مع الإمام استمرت مدة ثلاث سنوات متواصلة أظهرت عجزه وفشله عن تحقيق أي انتصار فسعى لإبرام الصلح الأخير في جمادى الأولى سنة 1028هـ وذلك على أن يكون للإمام ما تحت يده من البلاد، وكان محمد باشا يقول بعد عقد الصلح: (أعترف الآن أني دخلت اليمن وخرجت منه ولا عرفت ولا حققت قدر أنملة). وتوفي الإمام بعد عقد الصلح بنحو سنة في ثاني عشر ربيع الأول من السنة التي تليها، ودفن شرقي جامعه الذي بناه بمدينة شهارة، قبر الإمام القاسم بن محمد شرقي جامعه الذي بناه بمدينة شهارة ودفن شرقي جامعه الذي بناه بمدينة شهارة.
وقال عنه العمراني في كتابه «إتحاف النبيه بتاريخ القاسم بن محمد وبنيه» ما موجزه: هو الذي أصل هذه الدولة وأسس بناها، ابتدأ دعوته سنة ست وألف، وتنقلت به الأماكن والأحوال فلم يأوه إلا ظل الرماح وكان في ابتداء أمره فقيراً ليس بذي مال ينظر بسببه إليه، فأعانه بعض الشيعة فملك بعض البلاد وجاهد من بها من عساكر السلطان، وكان متشدداً على أهل الظلم والعتاة، باذلاً نفسه ونفيسه، يؤثر بالشفقة ضعفاء رعيته وجنده على بنيه، وهي تجارة من يطيع الله ويخشاه، بذل له المال والشارة والطبلخانة على أن يكون أحد الأمراء في بلاد السلطان، فأبى القبول، وأضرم عليهم ناره، وتفصيل أحواله تأتي في مجلد كبير، وقد جمعت سيرته ونشرت، وله العديد من المؤلفات في كآفة المجالات والفنون لا يمكن حصرها.

دور شهارة العلمي والثقافي

لم تخل مدينة شهارة من العلم والتدريس منذ عصر الأمير “ذي الشرفين” إلى اليوم، فقد كان عدد طلاب المكتب في عهد الأمير ذي الشرفين رضوان الله عليه “761” طالبا، ولا شك أن تجمع هذا العدد في فترة قصيرة من اتخاذها مقراً له، يدل على نهضة علمية لا يستهان بها. وقد استمر هذا الدور لمدينة شهارة بعد الأمير ذي الشرفين، فسكنها الفضلاء والعلماء، حتى اتخذها الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام عاصمة له، في القرن الحادي عشر، وتحديدا في سنة 1006هـ، ومنذ ذلك الحين ظهرت مدينة شهارة في الساحة الإسلامية كواحدة من أهم المدن العلمية الشهيرة, فازدهر فيها العلم، وأصبحت مركزاً علمياً هاماً، يقصدها العلماء ويشد الرحال نحوها الفضلاء, ويأوي إليها الأئمة.
وبعد وفاة الإمام المنصور بالله تنامى ذلك الدور وخاصة في دولتي ولديه المؤيد والمتوكل, وهكذا حافظت شهارة على ذلك الدور, فنبغ ﻓﻴﻬﺎ المئات من الأئمة ﻭاﻟﻤﺠﺘﻬﺪﻳﻦ، وتخرج منها الآلاف من العلماء والفقهاء وطلاب العلوم من جميع أقطار اليمن. فصارت ﺯﻫﺮﺓ اﻟﻤﺪاﺋﻦ, وعاصمة العواصم, وهجرة العلوم ومأوى الأفئدة, حتى تخرج منها كبار الأعلام, ومشائخ الإسلام, أمثال ﺃﻭﻻﺩ اﻟﻘﺎﺳﻢ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﻭﺃﺣﻔﺎﺩﻩ، ﻭﺷﻴﺦ اﻹﺳﻼﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻤﺴﻮﺭﻱ، ﻭاﻟﻌﻼﻣﺔ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺻﻼﺡ اﻟﺸﺮﻓﻲ، ﻭاﻟﻌﻼﻣﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺸﺮﻓﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﺗﻔﺴﻴﺮ اﻟﻤﺼﺎﺑﻴﺢ، ﻭالعشرات ﻏﻴﺮﻫﻢ.

الإمام المؤيد محمد بن القاسم الحسني

الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم بن محمد الحسني الهادوي اليمني: من أئمة الزيدية الأعلام ونجوم الآل الكرام، بويع له بالإمامة سنة 1029هـ بعد وفاة والده الإمام القاسم بن محمد، في شهر ربيع الأول بمدينة شهارة، واتخذ منها عاصمة له كأبيه، وتلقب بالمؤيد بالله. وكانت أول أعماله تقرير الصلح الذي عقده والده مع الأتراك، فأجراه مع ثلاثة من ولاة العثمانيين أولهم الباشا محمد ثم الباشا أحمد فضيلي فحيدر باشا أخيراً وعلى يد الأخير كان انتقاض الصلح قبل عامين من انتهائه، وذلك بقتله الفقيه العلماني أحد رعايا الإمام سنة 1035هـ وفشلت المساعي في احتواء ذلك وأعلنت الحرب (سنة 1036هـ)، وشن الإمام بقيادة إخوته الحسن والحسين وأحمد حرباً شاملة على الأتراك في جهات متعددة أضعفت الحاميات العثمانية وشتت قواتها، واشتدت المحاصرة لها في المدن والحصون حتى تساقطت في أيديهم واحدة بعد أخرى بما فيها مدينة صنعاء التي سمح لمتوليها حيدر باشا بعد استسلامه بمغادرتها سالماً إلى زبيد في شهر رجب سنة 1038هـ ولم يبق في أيدي الأتراك من أقاليم اليمن سوى زبيد، ووصل قانصوه باشا سنة 1039هـ مغيراً على رأس قوات ضخمة لتعزيز الموقف العثماني، لكنه باء بالفشل ولم يحقق أي انتصار في حروب ووقائع عديدة جرت بينه وبين قوات الإمام خارج زبيد، كان آخرها استسلامه على يد الحسنين ومغادرته هو وجنوده اليمن في جمادى الأولى سنة 1045هـ وبذلك تم إجلاء العثمانيين عن اليمن واستقلت اليمن بقيادة الإمام المؤيد بالله استقلالاً تاماً.
قال الشوكاني في أثناء ترجمته: وكان مشهوراً بالعدل، والمشي على منهج الشرع، والوقوف عند حدوده وحمل الناس عليه، مع لين الجانب والتواضع والإحسان إلى أهل العلم، والميل إلى الفقراء ووضع بيوت الأموال في مواضعها، ولم تجتمع الأقطار اليمنية بأسرها من دون معارض ولا منازع لأحد من الأئمة قبله، فصفت له اليمن من صعدة إلى عدن، واستقل بها جميعها بمناصرة أخويه وبذلهما العناية في ذلك بعد ملاحم عظيمة ومعارك شديدة، وتوفي في 27 رجب سنة 1054هـ وقبر في شهارة بالقرب من والده.

دور شهارة التاريخي

للموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به مدينة شهارة، ولتحصينها, قد أولاها الأمير “ذو الشرفين” رضوان الله عليه اهتماماً كبيراً, واتخذها معقلاً لصد هجمات الصليحيين, فكان لها الدور الرئيسي في تراجعهم إلى صنعاء، إثر الهزيمة التي لحقتهم حول “شهارة” من الأمير “ذي الشرفين” في سنة (462هـ)، فزادت شهرتها وعلا صيتها، وحين استقر الأمير “ذو الشرفين” بها، حث أتباعه وشيعته بالهجرة إليها، فأصبحت منطلقاً لعمليات الأمير السياسية والعسكرية ومركزاً وحاضرة لإمارته الفتيَّة, ثم اتجه الأمير إلى الاهتمام العمراني بها، فكانت له إصلاحات عديدة فيها، واستمر هذا الدور الإصلاحي في عهد أبنائه. تعرضت مدينة شهارة للغزو من قبل العثمانيين في غزوهم الأول لليمن, حالها في ذلك حال بقية المدن اليمنية, حتى حررها الإمام المنصور القاسم بن محمد من بين أيديهم في ثورته المباركة ضد الغزاة والمعتدين، واتخذها عاصمة لدولته, ومنطلقاً لطرد الغزاة العثمانيين من بقية المناطق اليمني, فظلت عاصمته حتى وفاته سنة 1029هـ, وبعد وفاته عليه السلام خلفه ولده الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عليه السلام, والذي اتخذها أيضاً عاصمة ومقراً له؛ لطرد بقية الغزاة، ومواصلة مسيرة أبيه في تحرير كل شبر من أرض اليمن.

وفي عصر الإمام المتوكل على الله يحيى حميد الدين زاد هذا الدور العلمي والسياسي، حين اتخذها الإمام مقراً ومنطلقاً في مواجهته للغزو العثماني الثاني على اليمن, حين استقدمت القوات الغازية العثمانية قواتاً إضافية من اسطنبول، بعد الهزائم المتلاحقة التي ألحقها بها الأحرار اليمنيون بقيادة الإمام يحيى حميد الدين؛ إذ جاءت القوات بقيادة الباشا “أحمد فيضي” مزودة بأحدث المعدات من مدفعية ثقيلة وأسلحة نارية خفيفة, وما أن وصلت تلك القوات إلى أسفل جبل “شهارة” – بقوة تتألف من 10 طوابير بكامل معداتها- حتى باغتتهم الهزيمة من كل جانب, فقد أعد الإمام يحيى خطة دفاعية فريدة؛ حيث جمع القبائل المجاهدة، فباغت القوات الغازية بقذائف الأحجار الضخمة، بإسقاطها من قمم جبال “شهارة” الجاثمة في الوديان الضيقة, فتلقت القوات الغازية هزيمة نكراء، وفر قائدها وبعض قواته التي سلمت من القتل.

زينب بنت محمد الشهارية

زينب بنت محمد بن أحمد بن الإمام الناصر الحسن بن علي بن داود، الحسنية، اليمنية، الشهارية: عالمة، كاملة، فاضلة، شاعرة، أديبة، مولدها بمدينة شهارة، من بلاد الأهنوم، وبها نشأت في حضن والدتها أسماء بنت المؤيد محمد بن القاسم وأخوالها وقرأت في النحو والمنطق والأصول والنجوم والرمل وبرعت في الأدب والشعر واشتهرت فأصبحت أشهر شاعرات اليمن بعد الألف، تزوجها الأمير الشهير الشاعر علي بن المتوكل إسماعيل ثم فارقها وبينهما مساجلات ومكاتبات رائعة ثم تزوجها علي بن أحمد بن الإمام القاسم صاحب صعدة، وطلقها فتزوجها طالب بن الإمام المهدي فما أحبته فكان الفراق ومكثت آخر أيامها في شهارة وبها توفيت في محرم. لها عدة مؤلفات في مجالات عدة.

جوهر الرحلة

بعد هذه المحطات التي خلدت مكانها في أروقة الذاكرة، ونقلتنا إلى قرون مضت بكل حواسنا، تضرجنا فيها بعبق التأريخ والثقافة والعلم في رحاب هذه المدينة، وكان علينا أن نتجه بكل خشوع لزيارة جامع الإمام القاسم بن محمد والقبب المجاورة التي تحتضن جسده الشريف، وجسد ولده الإمام المؤيد بالله، ورأس ولده علي الذي قتله الأتراك في وادي علاف بمحافظة صعدة، وطافوا برأسه في البلدان، وكذلك القبب المجاورة التي تحتضن عددا من أحفاد القاسم وأئمة العلم من طلابه، وكذا زيارة قبر الشريفة زينب بنت محمد بن أحمد وأمها أسماء بنت المؤيد محمد بن القاسم الذي أسره الأتراك في بلاد الاهنوم ونقلوه مع أولاد المطهر إلى الأستانة ووافتهم المنية هناك.

الجامع المقدس

وهو من أهم الأمكنة؛ إذ كان له الدور الكبير في تخرج المئات من الأئمة والعلماء المجتهدين، وقد اختار الإمام المنصور القاسم لبناء المسجد مكاناً كان أهل شهارة يحطون فيه ثمرة الزبيب, و ﻛﺎﻥ اﻻﺑﺘﺪاء ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺋﻪ ﻓﻲ 4 ﻣﺤﺮﻡ ﺳﻨﺔ 1015هـ، وانتهى بناؤه في سنة 1025هـ. وﺃﻣﺮ الإﻣﺎﻡ ﺑﺎﺑﺘﺪاء ﻋﻤﺎﺭﺗﻪ ﻭﻻ ﻳﺠﺪ ﻣﻦ ﺃﺟﺮﺗﻪ ﺇﻻ ﺧﻤﺴﺔ ﻛﺒﺎﺭ “ﻣﺎﺋﺘﻲ ﺩﺭﻫﻢ ﺇﺳﻼﻣﻴﺎً” ﻓﺤﺼﻞ اﻹﻣﺪاﺩ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ اﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺑﻜﺜﺮﺓ اﻟﻨﺬﻭﺭ، ﻭﺳﺎﻕ ﻣﻌﻈﻢ ﺣﺠﺎﺭﺗﻪ ﻣﻦ ﺧﺎﺭﺝ اﻟﺒﺎﺏ”، ثم زاد فيه الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم في الجهة الشمالية؛ إذ بنى فيها رواق القبلة، وذلك في سنة (1074هـ).

مكونات الجامع

يتكون الجامع من بيت الصلاة “رواق القبلة”, ورواقين جانبين والرواق الجنوبي وصحن مكشوف في الوسط، وهناك ـ أيضاً ـ في جنوب الجامع فناء مكشوف يطل على بركة كبيرة منحوتة في صخر الجبل، وهي بركة الجامع المجعولة للوضوء بعدة حمامات متراصة وعلى مسافة عدة أمتار, والجامع يحتوي على 48 دعامةو 8 أبواب, ويتسع لأكثر من 1000 مصلي. ويحيط بالجامع من جهة الشرق والغرب عشرات المنازل العامرة، والتي كانت سكناً لطلاب العلم والمهاجرين الوافدين إلى المدينة لتلقي العلوم, حيث كانت مدينة شهارة واحدة من هجر العلم الرائدة في اليمن، وكانت لا تقل أهمية عن صعدة وصنعاء وذمار وزبيد. وقد تم عمل سد ماء “بركة” شرق الجامع، غير بركة الجامع، وهي مسقوفة عليه فلا يظهر إلا بابها وفتحتان على السقف للاضاءة، وهي تعرف بالسقاية, وهي مخصصة للشرب؛ حيث كانت الأولى مخصصة للوضوء.

القباب الثلاث

ومما يرفق بالجامع المقدس، ويعد من معالم المدينة المتميزة، القباب الثلاث البيضاء، والتي تميزت بالفن المعماري الأصيل، والهندسة البديعة، والنقوش الفريدة، والخطوط المختلفة. ومنظر القباب الجمالي – علاوة على المعنى الديني، والمكانة الروحية – قد زاد المدينة جمالاً ورونقاً. القبة الأولى تقع شرقي الجامع مباشرة، بينهما مسافة القامة كطول الرجل، وبها باب يقابله باب من أبواب الجامع، وقد ضمت هذه القبة، قبر اﻹﻣﺎﻡ اﻷﻋﻈﻢ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﻤﻨﺼﻮﺭ بالله اﻟﻘﺎﺳﻢ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ اﻟﺮﺷﻴﺪ، ﻧﺴﺒﻪ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺇﻟﻰ الإمام اﻟﻬﺎﺩﻱ ﺇﻟﻰ اﻟﺤﻖ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ. أما القبة الثانية فتقع شرق القبة الأولى، وتمتاز عن القبة الأولى أنها أكثر إتقانا من الناحية المعمارية, وأبدع هندسة, وأجمل نقوشاً، وأكبر حجماً, وبينها وبين القبة الأولى ستة أمتار، وقبر بها اﻹﻣﺎﻡ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﻤﺆﻳﺪ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻹﻣﺎﻡ اﻟﻘﺎﺳﻢ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ عليه السلام, ﻭﻟﺪ ﺑﺸﻌﺒﺎﻥ ﺳﻨﺔ (990ﻫـ) ﻓﻲ ﺟﺒﻞ ﺳﻴﺮاﻥ ﻓﻲ ﺑﻴﺖ اﻹﻣﺎﻡ اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺩاﻭﺩ. والقبة الثالثة، وهي قبة واقعة بين القبتين، وقد حوت ثلاثة من العلماء الأفاضل: الحسين ﺑﻦ اﻹﻣﺎﻡ اﻟﻤﺆﻳﺪ، و ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ اﻟﺤﺴﻴﻦ ﺑﻦ اﻟﻤﺆﻳﺪ، وأخوه السيد إبراهيم بن الحسين. وحول الجامع إلى جهة الشرق وإلي جهة الغرب العديد من قبور الصالحين والشهداء والعلماء والأفاضل.

مسك الختام

ساعات مستقطعة لا تقدر بثمن عشنا معها لحظات حية لا يطؤها النسيان، لكم تمنينا أن نوقف عقارب الزمن لنرصع الوجدان بمطرزات عراقتها وحضارتها ونفائس مكتنزاتها، لكن الساعة اخرجتنا من شرودنا المحمود، ونبهتنا أنها تجاوزت الخامسة والنصف مساء ، عندها حزمنا امتعتنا للعودة منحدرين رويدا رويدا من رأس قمة شهارة الشاهق عبر مديرية ظليمة وصولا إلى مديرية خمر، ساعتان كانتا كفيلتان لأن نحط الرحال في قلب خمر لنصلي المغرب والعشاء-بكسر العين- ثم نتناول العشاء -بفتحها-، ثم واصلنا مسير العودة لتحضننا العاصمة صنعاء بموازاة احتضان عقربي الساعة لنصف ساعة بعد التاسعة مساء، بعد رحلة ممتعة ومدهشة، زادها دهشة ومتعة ما لمسناه من رجال النقاط الأمنية ذهابا وايابا.