رمضان في ذمار: إستقبال واستعداد رغم العدوان والحصار.

ذمار نيوز | خاص | إستطلاع/فؤاد الجنيد 29 شعبان 1439هـ الموافق 15 مايو، 2018م

يطل رمضان هذا العام، كسابقوه من الأعوام، يحل علينا ضيفا كريما وعزيزا، ومعه نسائم الخير وسنابل البركات. تستقبله ذمار ومثلها باقي المحافظات اليمنية، والوطن يرزح تحت عدوان لا ينتمي لهذا الكوكب الكروي، وحصار مطبق من الجهات الأربع، بما في ذلك الجو والبحر. شهر جديد بزمانه، لكنه غير جديد باحداثه، وإن كان هناك من جديد، فهو الثبات المضاعف، والصمود الأشد، والإنتصارات المتتابعة التي تثلج صدور قوم مؤمنين.

تحديات لا تنتهي

كلما واجه الوطن مزيدا من التحديات والصعاب، تستهدفه حملات أخرى مضادة، هدفها الكيل بمكيالين، والسعى لهدمه وتدميره، ومفاقمه معاناته، واثخان جراحه. لم تترك قوى العدوان إي باب للجرم إلا طرقته، ولا نافذة للتجويع والتركيع إلا ولجت منها في وضح النهار. بدأت مشوارها بخلق اضطراب مالي في السوق المالية، وارتفاع سعر صرف العملة الصعبة بشكل مفاجئ، ارتفعت معه الاسعار بشكل جنوني، اقلق الناس وزاد من توترهم، واستغل الطابور الخامس هذه الأوضاع لكيل الاتهامات في اشخاص بعينهم، وتصوير الوضع بالكارثي والمتأزم، مع محاولة اغفال الاسباب الحقيقية في مثل هذه الازمات ومن يقف وراءها، والأهداف التي يترجاها العدوان منها. ولأننا مجتمع عاطفي؛ تجتاحنا الشائعات سريعا، وتحتوينا ونصدقها من دون تريث، لكن في المقابل نحن شعب كريم وعظيم يأبى الخضوع أو الركوع لقوى العدوان، ومرتزقته وأدواته التي تواصل حصارها وحربها للعام الرابع على التوالي، وتمارس في عدوانها أبشع واقذر الأساليب والجرائم والإنتهاكات.

الورقة الإقتصادية

بعد ان اثبت العدوان فشله في تحقيق اي انتصار في جبهات القتال، ومني بهزائم وخسائر كبيرة لم تكن في حسبانه، يحاول جاهدا اخضاع الشعب اليمني الصامد، من خلال تضييق الخناق على اقتصاده وموارده وتدمير استقراره التمويني، فشهد الدولار ارتفاعا غير مسبوق مقابل الريال اليمني، وصاحبه ارتفاع لاسعار المشتقات النفطية والغاز المنزلي والمواد الغذائية الاساسية، مما تسبب في خلق حالة من الفوضى والقلق والسخط لدى المواطنين خصوصا مع اقتراب شهر رمضان.
لم يكن ذلك الارتفاع كما يقول خبراء اقتصاد ناتجاً عن سوء ادارة، او شلل في الموارد، وانما استمرار للحصار الاقتصادي على اليمن، ومنع البنوك العالمية التعامل مع البنوك المحلية بعد نقل البنك المركزي اليمني إلى عدن.. إلى جانب احتياجات التجار الى توفير  متطلبات شهر رمضان من المواد الغذائية المستوردة التي تحتاج ما يقارب 100مليون دولار كحد ادنى، وهو ما تسبب باختفاء العملة الصعبة من السوق المالية، وخلق حالة ارباك واقلاق للمواطنين.

الإحتكار والجشع..عدوان

ليس هناك أشد وأسوأ ممن يقتل الناس ويسفك الدماء، سوى ذلك المحتكر والمتاجر بالأزمات، والمستغل للأوضاع من اجل الارتزاق والكسب السريع غير المشروع .. وهو ما اتفق عليه الجميع من جهات حكومية وتجار ومصرفيين، معتبرين أي متلاعب بأسعار السلع والعملة، عدوا للشعب من منطلق التكامل والحرص الجماعي على أمن واستقرار البيئة الاقتصادية اليمنية التي تمثل وطن الجميع في الواقع الاقتصادي، وبما يعود بالفائدة الحقيقية على القطاع الخاص الذي يخسر كل شيء في حال فسدت البيئة الاقتصادية أو أصابها الاضطراب.

روحانية لا توصف

اليمنيون في كافة محافظات الوطن بشكل عام، وأبناء ذمار بشكل خاص، يستقبلون شهر رمضان المبارك استقبالا خاصا، لكونه محطة دينية روحية يتزود منه المؤمنون بالزاد الروحي، والطاقة الإيمانية، فينهلون من معين القرآن الكريم، ويكثرون التلاوة والذكر، ويعمرون بيوت الله بالصلاة والقيام والدعاء. وينعكس هذا الجو الايماني الروحي على معاملات الناس وعلاقاتهم، فتنتشر قيم التراحم والتسامح، ويلتقي أهل الحي صغيرهم وكبيرهم في بيوت الله يؤدون الصلوات، فيرى بعضهم بعضا في ملتقى تغشاه ملائكة الله.. وفوق كل ذلك، يواسي الغني الفقير بالزكاة والصدقات، ويسعى أهل الخير في فك كرب الآخرين واعانتهم على نوائب الدهر، فيتحقق التكافل والتراحم في أسمى معانيه.

عادات وتقاليد

لشهر رمضان عادات وتقاليد حياتية خاصة تميزه عن غيره.. كما أن هذه العادات الحياتية تختلف من محافظة إلى أخرى، وربما قد تختلف الصورة داخل المحافظة الواحدة. والملاحظ أن هناك بعض العادات والتقاليد توشك على الاندثار لوجود بدائل وفرتها التكنولوجيا، كالمسحراتي مثلا الذي بدأ دوره يتراجع.. بينما استطاعت الكثير من هذه العادات الصمود والبقاء ومقاومة كل المظاهر الدخيلة.

طبيعة الحياة

في أزقة مدينة ذمار ما زالت الحياة تدب في شوارعها، لتتصاعد شيئاً فشيئاً، قبل أن تتوقف تماماً قبيل أذان المغرب بلحظات حيث يتفرق الناس بين المنازل والمساجد، لتبدو ذمار حينها كمدينة مهجورة للحظات قبل أن يتدفق الناس مجدداً في الأسواق كجداول الماء. تعج الأسواق بالحركة والمتسوقين ولكنها تعاني من ضعف قدرتهم الشرائية كما يقول أحد الباعة لـ»الشعب»، وعلى رغم استمرار الباعة في عرض كثير من المنتجات والمأكولات الشعبية المخصصة لشهر رمضان، إلا أن حركة البيع والشراء تراجعت إلى حد غير مسبوق كانعكاس مباشر للتدهور الاقتصادي، وانخفاض سعر العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية.

الشوارع والأسواق

الأسواق والمحال التجارية تشهد ازدحاما شديدا قبيل رمضان ،حيث يتجه الناس لشراء حاجياتهم الرمضانية.. وهذا الازدحام يظل طوال الشهر الكريم وخاصة في الفترة الواقعة بين صلاة العصر وموعد الإفطار، وكذلك بعد صلاة العشاء، أما فترة الصباح فتكاد تخلو الشوارع فيها من المارة، خصوصا وأن الدوام الرسمي يبدأ عند الحادية عشرة ظهرا.

طقوس الإفطار

للإفطار طقوس خاصة، حيث يحمل الصائمون قبيل أذان المغرب وجبة افطارهم ويتوجهون بها نحو المسجد، ويتجمعون على هيئة حلقات في أماكن مخصصة ومعدة سلفا حول وجبات الإفطار السريعة التي تم جمعها، ويدعون اليها غيرهم من الزائرين والغرباء عن الحي. وجرت العادة في أرياف ذمار، على فرش سفرة كبيرة في فناء المسجد، يلتقي عليها الصائمون، حيث ترسل وجبات الإفطار من بيوت القرية المجاورة للمسجد.. وقد تحمل كل أسرة وجبة افطارها إلى المسجد وتدعو اليها من تشاء من الحاضرين.

مائدة رمضان

تضم المائدة الذمارية في وجبة الافطار أو العشاء في رمضان صنوفا من الاطعمة ومنها البطاطا المسلوقة بشكل رئيسي، وكذلك “الشفوت” وقوامه “اللحوح” واللبن.. و”اللحوح” خبز طري لين يصنع من دقيق القمح أو الذرة الرومية، حيث توضع العجينة على وعاء فخاري أو معدني لتطبخ على نار هادئة حتى تنضج، وبعدها يتم ترتيبه في إناء عريض على شكل طبقات رقيقة يضاف إليها اللبن والخضار المهروسة.
وهناك “بنت الصحن” حيث يتم تشكيل عجينة مكونة من الدقيق المخلوطة بالسمن والبيض والخميرة وحبة البركة على هيئة اقراص رقيقة جدا، ثم توضع في الفرن حتى تنضج، وبعدها يضاف اليها العسل.. فضلا عن اطباق اخرى منها “السلتة” وقوامها الارز واللحم والخضار المهروسة والحلبة المخفوقة، وتفضل طباختها في اناء من الفخار حتى يحتفظ بدرجة الحرارة خلال الأكل. ومن الوجبات الرمضانية أيضا “العصيدة”، وهي وجبة شعبية سهلة التحضير، وتنتشر في عدد من المدن اليمنية. وتتكوّن من الدقيق الأبيض الذي يُخلط بالماء، ليكوّن شكلاً متماسكًا رطبًا. يُضاف حوله، أو داخله، الزبادي المفلفل أو المرق.
وتعمل ربات البيوت على تهيئة المواد الرئيسية للطهي مثل الطحين بأنواعه، ومنه الذرة والطحين الأحمر للعصيدة، إضافة إلى الحبوب كالقمح المقشور واللوبيا والبهارات، وكذلك تنظيف المنزل وتزيين بعض الزوايا فيه.
وتتضمن السفرة الذمارية بشكل شبه يومي طبق الأرز بالبهارات المتنوعة والدجاج أو اللحم ، أوالأرز المطبوخ بالصلصة والبهارات والمحلى بالبصل الأحمر واللوز والزبيب، وتختلف طرق طبخ الأرز بين مدينة وأخرى حسب رغبة القاطنين. كل ذلك إلى جانب الأطباق الثانوية الأخرى كالسنبوسة والرواني والفطائر وغيرها.

ساعة العودي

ولا ننسى قبل أن نغادر هذه المدينة، أن نعرج على سوق هام وشهير وهو سوق القات الذي يزداد ازدحاما خلال رمضان وخاصة بعد صلاة العصر وصلاة العشاء، حيث يقبل الناس على شرائه باعتباره مادة منبهة تبعث على الكيف، وتساعد على السهر في الليالي الرمضانية.
ويتجه الناس بعد صلاة العشاء إلى مجالسهم التي تسمى “المقايل” حيث تمتد السهرة مع القات إلى ساعة متأخرة من الليل، ولا يخلو السمر على هذه الأغصان من الحديث عن السياسة والخوض في القضايا المحلية، ناهيك عن متابعة مستجدات الأخبار على شاشات التلفزة، وكذا متابعة بعض المسلسلات الكوميدية والتاريخية، والبرامج المسابقاتية.. كما ان السمر يعد مناسبة يستغلها اليمنيون لحل مشاكلهم وقضاياهم.

ضيف عزيز

إنَّ الأمة الإسلامية جمعاء في الأيام القليلة القادمة تستقبل ضيفاً عزيزا ووافداً كريما تتشوّف القلوب إلى مجيئه، وتتطلع النفوس إلى قدومه؛ إنه ضيفٌ حبيبٌ على قلوب المؤمنين، عزيزٌ على نفوسهم، يتباشرون بمجيئه ويهنئ بعضهم بعضا بقدومه، وكلهم يرجون أن يبلُغَ هذا الضيف، وأن يُحَصِّل ما فيه من خير وبركة؛ ألا وهو شهر رمضان المبارك شهر الخيرات والبركات، شهر الطاعات والقربات، شهر الصيام والذكر وتلاوة القرآن، شهر الاستغفار والدعاء والمناجاة، شهر الجود والسخاء والبذل والعطاء والإحسان، شهرٌ تعددت خيراته وتنوعت بركاته وعظمت مجالات الربح فيه، ذلكم الشهر العظيم المبارك الذي خصه الله جلّ وعلا بميزات كريمة وخصائص عظيمة ومناقب جمّة تميزه عن سائر الشهور.

إقبال صادق على الله

إن الفرح بقدوم هذا الشهر ومعرفة فضله ومكانته لمن أعظم الأمور المعِينة على الجد والاجتهاد فيه، ولم يضيِّع كثير من الناس الطاعة في هذا الشهر الكريم والإقبال على الله جلّ وعلا إلا من جهلٍ منهم بقيمته ومكانته، وإلا لو عرف المسلم هذا الشهر حقَّ معرفته وعرف قدره ومكانته لتهيَّأ له أحسن التهيُّؤ واستعد له أطيب الاستعداد، ولبذل قصارى وسعه وجهده واجتهاده في سبيل الله والقيام بعبادة الله على الوجه الذي يرضي الرب تبارك وتعالى. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الأيام؛ كيف نستقبل هذا الشهر الكريم؟. كيف نتهيّأ لهذا الموسم العظيم؟. كيف نستعد لهذا الشهر المبارك؟.وليس استقبال هذا الشهر بتبادل باقات الورد والزهور، ولا بإلقاء الأناشيد والأراجيز، ولا بتهيئة الملاعب والصالات، ولا بجمْع صنوف أنواع المطاعم والمشروبات والمأكولات؛ إن التهيّؤ لهذا الشهر الكريم تهيّؤٌ للطاعة، واستعدادٌ للعبادة، وإقبالٌ صادق على الله جلّ وعلا، وتوبة نصوح من كل ذنب وخطيئة.

التصنفيات: أخبــار ذمـار,أهم الأخبار,الأخبار العاجلة,التحقيقات,العدوان على اليمن